الأول : المواطنة في اللغة والاصطلاح

قبل البحث في المواطنة في الإسلام ، لا بد من تحديد مفهومها لغة واصطلاحا ، وذلك في المطلبين الآتيين ، نتعرض في المطلب الأول للمواطنة في اللغة ، وفي المطلب الثاني للمواطنة في الاصطلاح.

المطلب الأول : المواطنة في اللغة

يعود أصل كلمة المواطنة ومدلولها إلى عهد الحضارة اليونانية القديمة ، والكلمة من ( Polis ) وكانت تعني المدينة باعتبارها بناء حقوقيا ومشاركة في شؤون المدينة .

كما تستعمل كلمة المواطنة كترجمة لكلمة الفرنسية ( Citoyenneté ) ، وهي مشتقة من كلمة ( Cité ) .

وتقابلها باللغة الإنجليزية كلمة ( Citizenship ) المشتقة من كلمة ( City ) ، أي المدينة .

أما المواطنة بمعناها اللغوي العربي، فهي مشتقة من وطن ، وهو بحسب كتاب لسان العرب لابن منظور " الوطن هو المنزل الذي تقيم فيه ، وهو موطن الإنسان ومحله ... ووطن بالمكان واوطن أقام ، وأوطنه اتخذه وطنا ، والموطن ... ويسمى به المشهد من مشاهد الحرب وجمعه مواطن، وفي التنزيل العزيز ، لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ... واوطنت الأرض ووطنتها واستوطنتها أي اتخذتها وطنا، وتوطين النفس على الشيء كالتمهيد " أنظر ابن منظور " لسان العرب " دار صادر بيروت . 1968 ، المجلد 13 ص 451.

المطلب الثاني : المواطنة في الاصطلاح

المواطنة في الاصطلاح هي صفة المواطن الذي له حقوق وعليه واجبات تفرضها طبيعة انتمائه إلى وطن .

ومن هذه الحقوق على سبيل المثال لا الحصر : حق التعليم ، حق الرعاية الصحية ، حق الشغل ...

أما الواجبات ، فمنها على سبيل المثال لا الحصر كذلك : واجب الولاء للوطن والدفاع عنه ، وواجب أداء العمل، وإتقانه ... إلخ .

وبناء عليه فالمواطنة علاقة الفرد بدولته ، علاقة يحددها الدستور والقوانين المنبثقة عنه والتي تحمل وتضمن معنى المساواة بين من يسمون مواطنين .

وتحيل المواطنة باعتبارها مفهوم قانوني إلى شرطين :

1 – شرط الدولة الوطنية : وما يستتبع ذلك من إقامة مجتمع وطني يقوم على اختيار إرادة العيش المشترك بين أبنائه .

2 – شرط النظام الديمقراطي : ومتطلباته للتوازن بين الحقوق والواجبات ، بين الخاص والعام ، بين الخصوصيات والشمول .

وباختصار ، " فالمواطنة مفهوم تاريخي شامل ومعقد له أبعاد عديدة ومتنوعة منها ما هو مادي قانوني ، ومنها ما هو ثقافي سلوكي، ومنها أيضا ما هو وسيلة أو غاية يمكن بلوغه تدريجيا ، لذلك فإن نوعية المواطنة في دولة ما تتأثر بالنضج السياسي والرقي الحضاري" أنظر بهذا الشان بشير نافع ، سمير الشميري ، علي خليفة الكواري ( " المواطنة والديمقراطية في البلدان العربية " مركز دراسات الوحدة العربية بيروت 2001 ص 27 ) .

واضح إذن ، أن المواطنة ، خيار ديمقراطي اتخذته مجتمعات معينة ، عبر مراحل تاريخية طويلة نسبيا ، فهي كما قال المفكر المصري السيد ياسين : " ليست المواطنة جوهرا يعطي مرة واحدة وللأبد " انظر السيد ياسين " المواطنة في زمن العولمة " الدار المصرية للطباعة . القاهرة . السنة 2002 ص 22 .

هذا ، وبعدما تعرضنا للمواطنة في اللغة والاصطلاح سننتقل إلى المبحث الثاني المتعلق بالمواطنة بالمدينة المنورة.

المبحث الثاني : المواطنة كما عرفها مجتمع المدينة المنورة .

جاء في القرآن الكريم : " ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا " سورة الإسراء الآية 70 . وفي حديث رواه مسلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا " فلم يقل يعذب المسلمين بل عامة الناس ، مسلمين كانوا أم غير مسلمين ، من هنا يتضح أن الإسلام يحرم الاعتداء على الفرد الذي كرمه الله ، إذ الكرامة حق إلهي منحه الله للإنسان من حيث هو إنسان .

وهكذا ، فالمسلم المتشبع بقيم دينه وروح تعاليمه، لا يمكنه إلا أن يكون مواطنا مسؤولا ومتضامنا مع مواطنيه وغيورا على وطنه، فالإسلام يحض أفراده على الارتباط والولاء للأوطان ، فقد جاء في الحديث : " حب الأوطان من الإيمان " وقال الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه : " عمر الله البلاد بحب الأوطان " ، وقال الإمام علي كرم الله وجهه : " سعادة المرء أن يكون رزقه في بلده " .

واضح أن الإسلام ينص في أحكامه على المواطنة، لكن الحاقدين عليه، يذهبون في الاتجاه الذي يعتبرونه قائما على العقيدة والأخوة الدينية، وليس على المواطنة فهل هذا القول صحيح . للإجابة عن هذا السؤال سنقسم هذا المبحث إلى مطلبين، نتناول في المطلب الأول أحكام الصحيفة التي وضعها عليه السلام كدستور للمدينة ، وفي المطلب الثاني نتناول المواطنة في الإسلام مساواة في الحقوق والواجبات بغض النظر عن المعتقد.

المطلب الأول : صحيفة المدينة تأسيس وتأصيل للمواطنة في الإسلام.

قال ابن إسحاق : وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا بين المهاجرين والأنصار ، وادع فيه يهود وعاهدهم وأقرهم على دينهم واموالهم ، وشرط لهم واشترط عليهم، وتبتدأ الصحيفة بما يلي : " باسم الله الرحمان الرحيم ، هذا كتاب من محمد النبي صلى الله عليه وسلم ، بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم، فلحق بهم ، وجاهد معهم، أنهم أمة واحدة من دون الناس، المهاجرون من قريش على ربعتهم ( أي على أمرهم الذي كانوا عليه ) ، وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين ( عانيهم أي اسيرهم ) ...

وجاءت الصحيفة على ذكر أسماء كثير من القبائل كبني عوف وبني الحارث وبني جشم ، وبني النجار، وبني عمرو بن عوف ، وبني النبت ، وبني الأوس ... إلى أن أتت على ذكر اليهود ... وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ماداموا محاربين ، وأن يهود بني عوف أمة من المؤمنين ، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم ... وأن ليهود بني ساعدة مثل ما ليهود بني عوف، وليهود بني ثعلبة مثل ما ليهود بني عوف ... وأن جفنة بطن من ثعلب كأنفسهم ( جفنة هم عدد قليل من الناس ، ولكن عدهم الرسول صلى الله عليه وسلم وأعطاهم حقكم مع عددهم القليل ) ، وأن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة ... وأن يهود الأوس ومواليهم وأنفسهم على مثل ما لأهل هذه الصحيفة ..." .

يقول المـفكر الإسلامي المصري محمد سليم العوا بخصوص نص هذه الوثيقة : " كان أول لقاء بين الإسلام نظام للدولة وبين غير المسلمين – مواطنين في الدولة الإسلامية هو الذي حدث في المدينة المنورة غداة هجرة الرسول إليها ، هناك كتب النبي أو أمر بكتابة الصحفية التي يعرفها التاريخ الإسلامي السياسي باسم صحيفة المدينة ، أو دستور المدينة أو كتاب النبي إلى أهل المدينة ".( أنظر محمد سليم العوا " الأقباط والإسلام " دار شروق القاهرة .1987 ص 35 ) . ويضيف : " أن هذه الوثيقة تجعل غير المسلمين المقيمين في دولة المدينة مواطنين فيها، لهم من الحقوق مثل ما للمسلمين، وعليهم من الواجبات مثل ما على المسلمين إلا ما أستثني بنص أو إجماع وذلك مقتضى الشركة في الوطن الواحد " .

هذه الوثيقة لم يفرضها الرسول، صلى الله عليه وسلم وإنما جاء كثمرة لمشاورات مع المهاجرين والأنصار والجماعات اليهودية التي كان لها حضور في المدينة .

بنود هذه الوثيقة مبنية على أسس ثابتة وعلى قواعد شرعية ، فمن تلك القواعد الآية الكريمة : " لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين " . ســورة الممـتحنة الآية 8 .

الوثيقة أعطت حق المواطنة للمقيمين قي المدينة من مهاجرين وأنصار ويهود وغيرهم بصرف النظر عن العقيدة وجعلت غير المسلمين في دولة المدينة مواطنين فيها لهم من الحقوق مثل ما للمسلمين وعليهم من الواجبات ما على المسلمين طبقا للمبدأ الفقهي العام " لهم مالنا وعليهم ما علينا " إذ على أساس قاعدة المساواة في الحقوق والالتزامات بين اليهود والمسلمين والنصارى وغيرهم ، تشكل المجتمع الإسلامي، وهذا ما أسماه عياض بن عاشور " المجتمع السياسي في المفهوم الإسلامي يحتوي على الأمة المسلمة وغيرها من المجموعات غير المسلمة " ( أنظر عياض بن عاشور " التصورات الدستورية في الإسلام السني " مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء . 1999 ، ص 23 ).

هذا ، وبعدما تعرضنا لأحكام الصحيفة كأساس للمواطنة في المطلب الأول ، سنعرض في المطلب الثاني إلى أن أساس المواطنة في الإسلام المساواة في الحقوق والواجبات بصرف النظر عن المعتقد الديني.

المطلب الثاني : المواطنة في الإسلام مساواة في الحقوق والواجبات

يذهب البعض إلى القول أن الإسلام يقوم على الأخوة الدينية ، وبالتالي فلا مجال للحديث عن المواطنة، إن من نافلة القـول أن المواطنة ليست هي الأخوة الدينية : " المسلم أخو المسلم " ، كما جاء في حديث رواه البخاري، فالمسلم يرتبط مع أخيه بروابط فوق الزمان والمكان، وصحيح أن القرآن الكريم يحتوي على نصوص ترفع من شأن الأخوة الإيمانية : " إنما المؤمنون أخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم تفلحون " ( سورة الحجرات الآية 10 . ) .

وينهى القرآن الكريم عن موالاة غير المسلمين وغير المؤمنين . قال الله تعالى : " لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء، إلا أن تتقوا منهم ثقاة ، ويحذركم الله نفسه، وإلى الله المصــير" ( سورة آل عمران الآية 28 ) . كما قال تعالى : " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلـطان مبينا " سورة النساء الآية 144.

ولكن هذا كله لا يعني أن الأخوة الدينية تتناقض مع المواطنة الحديثة، وإنما الرابطة الدينية تعزز وتدعم المواطنة ، إذ لا شيء يمنع تعايش وارتباط المسلم مع غيره بميثاق المواطنة، وفيما يخص تفسير النهي الوارد في الآيات القرآنية، يذكر الشيخ محمد الغزالي رحمه الله ، إنما وردت جميعا في : " المعتدين على الإسلام والمحاربين لأهله أو المتربصين به " ( انظر بهذا الشأن محمد الغزالي . " التعصب والتسامح بين المسيحية والإسلام " . دار الكتب الحديثة . القاهررة ص 54 . 55 ) ، وأخذ بنفس التفسير المفكر الإسلامي محمد سليم العوا ، عندما قال : " غير المسلم الذي لا يحارب الإسلام قد تكون مودته واجبة وصلته فريضة دينية وذلك شأن الزوجة الكتابية وأهلها الذين هم أخوال أبناء المسلم وجده وجدته، وكلهم من الأرحام الذين صلتهم واجبة على المسلم " . وفي تفسيره لمعنى النهي عن الموالاة الواردة في الآيات السابق ذكرها يعتبر محمد سليم العوان : " أن الأصل هو المودة والبر، والاستثناء عندما تقوم دواعيه وأسبابه، أن يمتنع المسلم عن موالاة الكافرين أو مودتهم، إنصارا لدينه وانحيازا لأهل عقيدته " . ( أنظر محمد سليم العوا " الأقباط والإسلام " دار الشرق ، القاهرة ).

وعلى هذا الأساس، وانطلاقا من أحكام الصحيفة، جعلت كل الأفراد والجماعات التي اتخذت من المدينة وطنا ، المؤمنين واليهود والنصارى وغيرهم، مواطنين متساويين في الحقوق والواجبات بصرف النظر عن المعتقد الديني ، وهذا يعني بمفهوم المخالفة أن الإسلام لم يعتبر حينها شرطا في المواطنة ، فالأمة التي تقوم على عاتقها دولة الإسلام يجب أن تقوم على أساس المواطنة والمساواة في الحقوق والواجبات بصرف النظر عن المعتقد الديني، يقول الشيخ راشد الغنشوتي في هذا الشان : " إن مفهوم الأمة لا يجب أن يقوم على أساس العقيدة في دولة الإسلام بل على طبيعة أشمل يدخل ضمنه أصحاب العقائد الأخرى ليشكلوا مع بقية المؤمنين أمة سياسية واحدة يتمتعون بحقوق المواطنة التي تفرض عليهم واجبات مقابل تمتعهم بالحقوق " ( انظر راشد الغنوشي " الحريات العامة في الدولة الإسلامية " مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت 1999 ، ص : 49 . ).

الخلاصة :

1 – إن الإسلام كرم الإنسان وأعلا من شانه كمخلوق بغض النظر عن عقيدته، ويستمد الإنسان تكريمه بصفته مواطنا، لكن يجب الوضع في الاعتبار أن المواطنة في الإسلام مواطنة مسؤولة ، يقول في هذا الشأن الأكاديمي الغربي عباس الجراري : " المواطنة في الإسلام مواطنة شريفة ومسؤولة تستمد شرفها ومسؤوليتها من تكريم الله للإنسان " أنظر عباس الجراري " مفهوم التعايش في الإسلام " منشورات اسيسكو، الرباط . 1986 . ص 37 .

2 – يجب الأخذ في الاعتبار أنه لا تعارض بين الأخوة الدينية والمواطنة، يقول رفعة الطهطاوي بهذا الشأن : " جميع ما يجب على المؤمن لأخيه المؤمن يجب على أعضاء الوطن في حقوق بعضهم على بعض لما بينهم من الأخوة الوطنية فضلا عن الأخوة الدينية، فيجب أدبا لمن يجمعهم وطن واحد التعاون على تحسين الوطن وتكميل نظامه فيما يخص شرف الوطن وإعظامه وغناه وثروته " . انظر رفاعة الطهطاوي " مناهج الألباب " المجلس الأعلى للثقافة ، القاهرة . 2002 ص 18 .

3 – ضرورة الوضع في الاعتبار، أن المواطنة قبل أن تكون حقوقا فهي واجبات، يقول كذلك رفعة الطهطاوي في هذا الشأن : " فصفة الوطنية لا تستدعي فقط أن يطلب الإنسان حقوقه الواجبة له على الوطن، بل يجب عليه أيضا أن يؤدي الحقوق التي للوطن عليه، فإذا لم يوف أحد أبناء الوطن بحقوق وطنه ضاعت حقوقه المدنية التي يستحقها على وطنه " . انظر رفاعة الطهطاوي " المرشد الأمين للبنات والبنين " المجلس الأعلى للثقافة القاهرة . 2002 . ص : 95 .

4 – ضرورة الوضع في الاعتبار أن : " المواطنة المؤمنة " كما يسميها المفكر الإسلامي طارق رمضان، تفرض على الفرد المؤمن المخلص لتعاليم الدين أن يكون ملتزما بقوانين وطنه الأساسية، وأن ينبذ العنف بكل أشكاله . فأخلاقيات المواطنة بحسبه ، تتنافى وكل مظاهر العنف . ومن واجبات المواطنة الانخراط والمشاركة السياسية الإيجابية . وفي هذا الصدد يؤكد طارق رمضان على ثلاثة معايير موضوعية وضرورية للمشاركة السياسية في انتخاب واختيار المرشحين وهي - الاستقامة والكفاءة وإرادة تسديد الخدمة .

Voir TARIQ RAMADAN « Les musulmans d'occident et l'avenir de l'islam" Edition SINDIBAD . Paris . 2003 . P. 287 .

- 5 - ونؤكد في الأخير على ضرورة إعتزاز المسلم بانتمائه لوطنه لأن ذلك من صميم الإسلام، ومتى ما تمكنت المواطنة من المواطن ، انتخب مواطنا صالحا، يقول رفعة الطهطاوي في كتابه الشهير : " مناهج الألباب " المجلس الأعلى للثقافة . القاهرة 2002 ، ص 18 " فحب الأوطان الحقيقي والغيرة عليها متى حلت ببدن الإنسان ظهرت الحمية الوطنية وولعت بمنافع المدينة ، فيحصل لهذا الوطن من التمدن الحقيقي، المعنوي والمادي، كمال الأمنية فيقدح زناد الكد والكدح والنهضة بالحركة والنقلة " والإقدام على ركوب الأخطار ..."