2008/6/2

     أنواع الاسطوغرافيا:

       1- التاريخ بالخبر

الخبر هو الوصف الشفوي للواقعة. مادته هي الكلمة( اللفظة المسموعة) والكلمة شاهدة من بين الشواهد.

وبما أن التاريخ بالخبر هو تاريخ الأحداث المبني على المرويات المتوارثة شفويا عبر الأجيال, فهو أيضا تاريخ الإنسان الناطق الذي يخلف في كلامه شواهد كثيرة عن حياته.

كل المرويات مكونة من لهجة, ومفردات, وتراكيب, ودلالات. لذلك فهي لا تفهم إلا في نطاق اللغة. وكل لغة تدل على فكر وعقيدة وسلوك اجتماعي, فهي مستودع تجارب وماضي المجموعة الإنسانية الناطقة بها, وتفرض على من يستعملها مضامين كثيرة تحملها في تراكيبها وفي مفرداتها.وإذا لم تتعاكس-أي خلقها من جديد- فانه لا محالة ستعبر عن واقع اللغة, أي ما اختزن فيها من تجارب الماضي, لا عن واقع الحاضر. وانطلاقا من ذلك فلا انفصال بين المؤرخ واللغوي.

الشفوي متعلق بفترة معينة من الزمان(متغير تاريخي) وهي في ذات الوقت ظاهرة ملازمة للإنسان(ثابت انتربولوجي) وفي هذا السياق تعتمد اللغة أيضا لدى الانتربولوجي لأنها في نفس الوقت لغة عامة ثابتة وكلام خاص متطور.

في هذا التحليل يريد العروي اتباث تقاطع علوم اللغة والانتربولوجيا والتاريخ في مادة التاريخ بالخبر التي هي” الكلمة”, لكن الإشكال هو هل هذين العلمين مساعدين, أم موازيين أم منافسين للتاريخ؟ ثم أي دور للمؤرخ بخصوص هذه القضية؟

يرى المؤلف أن هذين العلمين انفصلا واستقلا عن التاريخ لما استبدلا علاقات التولد والاستتباع

( لدياكرونية) بعلاقات التلازم والتزامن( السنكرونية).والمؤرخ لا يمكنه الأخذ بنتائج تلك التخصصات ويبني عليها تفسيراته طالما أن نتائجها مرتبطة منهجيا بنفي التطور وإهمال كل اثر للزمان. فاللغة مثلا تحتفظ باثارالحدث التاريخي في بعض الحالات, لكن اللغوي لا يدرك البعد الزماني. كما أن الانتربولوجي يهمل حقيقة الواقع ولا يهتم إلا بالقالب الشكلي. وقد يستفيد المؤرخ من هذه العلوم ولكن في حدود ضيقة وبحذر شديد بعد أن يجري على المرويات الشفوية عمليات تمحيص حسب قواعد تعنى بالشهادة التي هي في الأصل دائما شفوية ومؤقتة للوصول إلى حكم ترجيحي حول مادية الحدث ونسق آثارها, متخذا منحى الكشف عن بداية التنظيمات والتشكيلات لدى المجتمعات اللغوية- الثقافية- دون توظيف نتائج التخصصات السابقة, لان منطقها مبني أصلا على اختزال الزمن.

ü    -2 التاريخ بالعهد: هو التاريخ المكتوب عادة   بالوثائق المحفوظة, مادته شهادات ووثائق بالمعنى الدقيق - القانوني- دون غيرها, ودون الاعتماد على الرواية. والكتابة التاريخية اعتمادا على العهود هي عنوان الانتقال من العرف إلى عهد القانون المكتوب. إذ كلما اقترب سرد الحوادث من أسلوب العقود دل ذلك على وعي متقدم بالتاريخ.

ارتبط هذا النوع من التأليف التاريخي بالفكر العلمي الحديث. لذلك فهو نقدي ووضعاني- يؤسس أحكامه على الوثيقة الملموسة- وتاريخاني – لأنه لا يعترف بالعوامل المؤثرة في التاريخ إلا بما هو مسجل في الوثيقة- وهو أيضا تقني- لان كاتبه عادة ما يكون متخصصا ومدربا على استعمال الوثائق.

يتم التمييز في أنواع العهود بين الحرف ( الرمز المكتوب) والحامل ( كل ما هو مادي يدخل في جملة الآثار المادية) وكلما صعب حل الرمز المكتوب نشا تخصص, ويستعرض المؤلف مجموعة من التخصصات يعتبرها بمثابة علوم مساعدة للتاريخ. قسم منها تقليدي وهو في تزايد مستمر سواء على مستوى البحوث أو المناهج أو الحقب أو اللغات مثل: الابيغرافيا والباليوغرافيا والديبلوماسيات والنوميسماتيات والكريبتوغرافيا وعلوم الموازين والمكاييل. وقسم جديد له علاقة بالتطور الحضاري العام مثل: علم الربائد المتعلق بالمخطوطات والمرقونات والمطبوعات, وكل ما هو مسجل على الأشرطة. وهذه العلوم لا تدرج ضمن التاريخ بالعهد إلا إذا كانت شهادات مزامنة للحدث ودالة عليه وقابلة للتحويل الفوري إلى وثائق مكتوبة. والتاريخ بالعهد لا يكتب إلا بتوفر بعض الظروف:

-          اختراع الكتابة : نظرا للارتباط بينها وبين الازدهار المدني والتجاري والسياسي وما يتطلبه ذلك من استقرار وتمدن للمحافظة على العقود.

-          الاستمرار والاتصال: إذ استمرار الدول يغذي الرغبة في جمع المواثيق والعهود.

التعددية: إذ بقدر ما تتعدد السلطات وتتنوع بقدر ما تتعارض المصالح وتصبح الحاجة ماسة إلى معاهدات واتفاقيات تحفظ الحقوق.

-          التقدم في الميدان العلمي: ويتعلق الأمر هنا بتعبئة الوسائل المادية (آلات جمع ونسخ وحفظ وترميم العهود والمواثيق).

تجمعت هذه الظروف في القرن 19 وفي المجتمعات المتقدمة اقتصاديا وثقافيا حيث ترسخ هذا النوع من التأليف واكتشف المؤرخون قدسية الوثيقة المكتوبة بعد فحصها. ومن هنا جاء معنى النقد الذي يعني: الانتقاد/ التحقيق بالمعنى التقني وذلك بالعودة إلى اصل النص. والانتقاد/ التحقق بالمعنى الفكري أي الحذر الدائم إزاء الوثيقة. وهذا النقد بنوعيه( التقني والفكري ) وصل أوجه وتحررت قواعده خلال هذا القرن(19) ولدى المجتمعات لما نظمت مهنة المؤرخ داخل الجامعات.

كل تاريخ تتعذر كتابته بانعدام الوثائق المكتوبة هو تاريخ المؤسسات ( الدول الحروب السياسة…) أو حسب اصطلاح العروي مستوى الرجل السياسي أو الفعالية التنظيمية التي تخلف عن قصد وثائق مكتوبة بأشكال متنوعة وعلى مراحل مختلفة. وبما أنها مكتوبة ومقصودة فلا تسمح للباحث أن يذهب بعيدا في التأويل.

ü       -3 التاريخ بالتمثال:

التمثال هو كل شكل استعمل عبر التاريخ للتعبير عن أشياء واحياء تهم الإنسان. مادته هي التمثال وهو شاهدة تشكيلية: (عبارة فنية ومجازية).وتختلف هذه الأشكال كما تختلف الحوامل, والأهداف المتوخاة من رسمها. والأشكال قد تكون بادية ظاهرة( الصورة/الحرف) وقد تكون مضمرة خفية( الشكل المعبر/الرمز)

وليس ثمة فرق جوهري-يقول العروي- بين الوصف بالكلمات والوصف بالرسوم لتمثل أحوال الماضي. فكما يكتب التاريخ اعتمادا على المكتوب يكتب أيضا اعتمادا على أشكال وصور موجودة في نقوش أو في صور.

في هذا النوع من التاريخ يتعالى القارئ /الباحث عن الصورة إلى الشكل المعبر, ولحل رموز هذا الشكل من الشواهد نشأت تخصصات عديدة مثل: تاريخ الفن, والأيقونات, وعلم الخواتم والطوابع والتوقيعات, وعلم الرنوك, والتصوير الجوي, والمرئيات المعاصرة…

اثر هذا الاتجاه في الكتابة التاريخية في تطور التأليف التاريخي, كما أدى إلى اتساع مجال البحث وتجديد الأسلوب. لكنه فتح المجال أيضا لكل تأويل, وهو ما أوجب وضع قوانين احترازية لكيفية استعمال التماثيل والأشكال التعبيرية كشواهد على أحداث الماضي إلى جانب الوثائق المكتوبة. وتكمن هذه القوانين في تنظيم المتاحف بداية بالنقد والتحقيق من صحة واصل الحامل إلى عملية التصنيف, ثم الإلحاق بمجموعة. لان المؤرخ محتاج دائما عند تعامله مع التمثال إلى تزكية الخبر المروي والمكتوب لتفكيك اللغز المصور من دون تأويل. وذلك للفصل بين منهج تخيلات عهد التأويل الافتراضي – الفلسفي- ومنهج عهد التحليل الموضوعي- التاريخي.

      4- التاريخ بالأثر الطبيعي:

الأثر هو كل سرد يستند إلى كشوف الحفريات. مادته كل مخلف مادي ملموس. والأثريات ليست علما موحدا بقدر ما هي مجموع تخصصات, وتبقى الشاهدة في شكلها الظاهر وتكوينها المادي هي عماد الباحث.

لا يهتم هذا النوع من التاريخ بالشعوب الأمية أو تاريخ الإنسان قبل الكتابة فقط, إذ حيثما ينزل الإنسان يترك مخلفات مادية متنوعة. بعضها يدل على ذوق فني أو على شعور ديني, وبعضها الآخر يدل على نمط متميز في العيش. ولهذه الأسباب فالإنسان يترك رغما عنه آثارا دالة عليه وهي مقصودة سواء في القديم أو الحديث.

تحث تأثير تقدم علوم الطبيعة في القرن 18 وما تلاه من ثورات فكرية ومنهجية تغير مفهوم التاريخ الطبيعي ليتأكد أن تاريخ البشرية أطول بكثير مما يظن, وان للطبيعة أيضا تاريخ فتحول هذا النوع من التأليف من تصنيف وصفي إلى ترتيب تطوري. فتولد عن ذلك تغيير الاتجاه من البحث عن المكتوب والمروي إلى الحفر عن الآثار.

تشكل الأثريات حاليا الصق التخصصات التاريخية بالتطور العلمي حتى أنها تبدو كعلم مستقل- وليس مساعد- وأكثر موضوعية واقل تأثرا بالأهواء. وللأثريات طرق ترتكز على الطبيعيات والرياضيات تمكن الباحث الأثري من الاستعانة بها مثل: الحفريات بالمعنى الدقيق برا وبحرا, والتحليل الكيميائي والفيزيائي للقطع المكتشفة(عضوية أو معدنية), والترتيب والتصنيف الإحصائيين للمعلومات المستخرجة من الآثار.

توسع مفهوم الأثر المادي بعد أن أصبحت عملية الحفر ثقيلة, كما تضاعفت الكشوفات إلى أعداد خيالية. ورغم دقة المناهج وضخامة الوسائل المادية المستعملة في هذه الصناعة. اثبت النقد فجوة واضحة بين قوة الاستنتاجات التي لا تهم المؤرخ وضعف تلك التي تهمه والخاصة بالتنظيم الاجتماعي والعقائد والطقوس. أي بكل ما هو بشري.

ü       5- التاريخ بالعدد:

هو اتجاه في الكتابة التاريخية يعوض الأحكام الكيفية بأنساق من المعادلات. مادته هي العدد, والعدد ليس تقنية بقدر ما يتضمن فلسفة محددة عن التاريخ والحدث والعلة. وفي التاريخ بالعدد يتم التمييز بين:

-          التاريخ الكمي أو العددي أو الإحصائي وهو كل المؤلفات المكتوبة والمملوءة بالأرقام والمبيانات والجداول.

-          التاريخ الجدولي وهو كل أنواع الوثائق المستعملة, أي المادة التي تغذي الحاسوب.

نتج هذا الاتجاه من الدراسات التاريخية عن ثورتين: ارتبطت الأولى بعلم الاقتصاد وظهور ما يسمى بالتاريخ الاقتصادي الجديد الذي استعار منهجية الاقتصاد الكمي. وارتبطت الثانية بتطور العلوم الدقيقة وخاصة اختراع الحاسوب الالكتروني لاستغلال معلومات رقمية هائلة, وهذا ما يفسر ظهور هذا الاتجاه بالولايات المتحدة أولا حيث استندت الدراسات التاريخية على الاقتصاد والإحصاء( عصر الثورة الرأسمالية الديمقراطية) ومنها انتقلت ثورة الكم أو الرقم وتوظيفها في البحوث التاريخية إلى البلدان التي تملك وثائق رقمية كثيرة ومنسقة كانجلترا وفرنسا وايطاليا.

ثورة العدد هي في الواقع تتويج لتطور يعود إلى ما قبل القرن 18 حيث ارتكزت فيه الأبحاث التاريخية على دراسة القاعدة الإنتاجية. ويتتبع العروي رصدها من خلال 3 مراحل كبرى:

-     مرحلة ما قبل القرن 18 وتقسم بدورها إلى مرحلتين: الأولى لما تكونت الإمبراطوريات القديمة( الصين, مصر الفرعونية, روما, الخلافة الإسلامية) وقيامها بإصلاحات لأغراض جبائية.والثانية في المجتمعات الغربية بارتباط مع ثورة المعاملات التجارية ونشوء علم الاقتصاد بارتباط أيضا مع الميركنتيلية(الاهتمام بالمال) والفيزيوقراط(الاهتمام بالإنتاج الزراعي) حين حولت هذه المجتمعات الوثائق الإحصائية إلى جداول. ثم ارتباطا كذلك مع ظهور المادية الجدلية كمنهج ونظرية اقتصادية للتاريخ واكتساحها خلال القرن20 كل المجتمعات حتى تلك التي لا تملك وثائق مكتوبة.

-     مرحلة أواسط القرن 19 حيث ظهر تطور آخر في هذا النوع من التأليف حيث ارتكزت فيه البحوث على قواعد الاتفاق وقانون العشوائيات بارتباط مع علم الإحصاء الوصفي, وبدا من خلال هذه العلاقات أن الرياضيات الاحتمالية التي تدرس قواعد العلاقات العشوائية( الممكنة وليست الحتمية) ممكن سحبها على تقلبات الجماعات البشرية.

-     مرحلة بداية الثلاثينيات من القرن 20 وهي المرحلة التي تلت الأزمة الاقتصادية, حيث اندفع العديد من الباحثين إلى التنقيب في أخبار الماضي عن حالات مشابهة لهذه الأزمة التي بينت أن الكساد العام الناتج عن انهيار البورصة ليس من قبيل الأزمات العشرية, وفي هذا الإطار سيسطع نجم الانال وخاصة أبحاث سيميان ولابروس.

يهدف التاريخ بالعدد(خمسينيات القرن 20 في الو.م.ا) وتاريخ الإنتاج(ما قبل القرن18 إلى ثلاثينيات القرن 20) إلى نفس الغاية, كلاهما يستغل مفاهيم الاقتصاد ويوظف تقنيات الإحصاء. لكن الجديد في الأمر هو اختراع الحاسوب واستعماله في الدراسات التاريخية عن طريق إدخال العدد في ميادين غير الإنتاج المادي, وقدرته على استغلال وثائق لا تمس الإنتاج مباشرة. إذ لم يعد التعبير بالعدد يقتصر على الإنتاج, بل تعداه إلى مستوى المؤسسات والإبداع الفكري, وهذا ما تطلب توثيق جديد يعيد ترتيب وتنظيم الوثائق اعتمادا على تصنيف جدولي خاص بالمجتمعات الإحصائية /الرأسمالية التي ينطبق عليها ترتيب الوثائق الرقمية وفق 3 أنواع من الجداول:

-          جداول عددية بالمعنى الدقيق. حيث توجد في كنانيش التجار, دواوين الجند, إحصاء السكان…

-          جداول استبدالية حيث يستخرج جدول ثاني يصبح هو الوثيقة المعتمدة من جدول اصلي.

-     جداول مستنبطة وهي لا تمس الإنتاج أو الحياة الاجتماعية مباشرة بل يتم التوصل إلى العدد بعد عملية ترقيم, أي تحويل وصف مضمن في وثيقة إلى رقم (الكمكمة)- وهي تحويل الكيف إلى الكم بتعبير العروي – عند إدخال المعلومات إلى الحاسوب.

 

ü       6- التاريخ بالموروث:

الموروث هو آثار التحولات التي يحملها الفرد في جسمه وخارج وعيه وضد إرادته عبر الزمن, ورموز تنقلاته عبر المكان. وكما أن الماضي حاضر في الكلمة فهو أيضا حاضر في الجسم.ومادته هي الجينة

يعتمد هذا الاتجاه على المعطيات البيولوجية. ووثيقته هي دراسة الدم البشري وتحديد الفصائل الدموية حيث سهلت هذه الوثيقة معرفة الأصل البعيد للأفراد.

ظهر هذا الاتجاه في بداية القرن20 . وفي الستينيات بزغت دراسات تصنيفية إحصائية للدم ترتب عنها توزيع جغرافي يكشف عن ارتباط كل خلل في النظام البيولوجي(الأمراض, التغيرات الطارئة على الإنسان) بالبيئة الأصلية مما سهل استخراج معلومات من التحليل الدموي حول الأصل الجغرافي لمرض ما وتاريخ ظهوره اعتمادا ليس على نوعية الدم, بل على الخلل(المرض) الطارئ عليه. وهذا الخلل هو الوثيقة الدالة على الحدث التاريخي. وانطلاقا من ذلك أصبح البيولوجي يقدم أجوبة مقنعة على تساؤلات ومشكلات المؤرخ وخاصة تلك التي لا يمكن العثور عليها في بقية الشواهد.

الوثيقة البيولوجية ليست بالجديدة –يرى العروي- وان كانت منهجيا لا تزال تعد بالابتكار والتجديد. ويضيف:” فقبل أن يتم تصنيف الأفراد حسب الفصائل الدموية, فقد تم تصنيفهم في السابق وبنفس الطرق حسب قياسات الجماجم(علم السلالات) والجديد ظهر فقط في استبدال خاصية ظاهرة كانت تقاس فيزيائيا بأخرى أصبحت تحلل كيماويا”.وبتقدم العلوم وتطور صناعته, عثر على الجينة أواسط القرن 20 حيث أحدثت ثورة في ميدان البيولوجيا الجزيئية. فنتج عن هذا الاكتشاف أن ما كان افتراضيا في العلوم الطبيعية وفي تحليلات الدم أصبح برهانيا, ومن تم تحولت الطبيعيات الوصفية والتصنيفية إلى بيولوجيا حقيقية, وارتقت من مرحلة الوصف إلى مرحلة التحليل, ومن الافتراض إلى الاستقراء وهو طريق الموضوعية العلمية.

يتساءل العروي حول آفاق كل كتابة تاريخية تعتمد البيولوجيا أساسا علميا لها, وهل تستطيع البيولوجيا المعاصرة أن تستقل عن فكرة السلالية؟

يجيب الغروي بالقول أن السلالية نتجت عن السببية المطلقة(الحتمية) بينما انبنت البيولوجيا على الاحتمال والصدفة. لكن السلالية وان ظلت نظرية مقبولة طوال القرن19 إلى أن وظفت لسياسات عرقية عنصرية أفضت إلى نتائج كارثية. فتنكر لها العديد من الباحثين بدوافع أخلاقية وسياسية وليس بدوافع علمية. وبعد الحرب العالمية الثانية تنكر لها العلماء لكن لأسباب علمية. فليفي شتراوس مثلا لم ينف حقيقة السلالية كمفهوم ثقافي على الأقل, لكنه نفى التفاوت التام والدائم بين الجماعات البشرية.

ü       7- التاريخ بالحلم:

هو تحويل مصدر أو مادة تاريخية دالة على عمل تاريخي إلى حلم, وتأويله على ذلك الأساس. وهو أيضا كل حالة ترفع فيها قيود العقل سواء بالنوم أو التنويم. مادته هو اللاوعي.

ينطلق العروي في تحليله لهذا النوع من التأليف من السؤال الإشكالي التالي: هل نفسانية الأفراد هي التي تسبب الحدث التاريخي؟ أم الحدث التاريخي هو المتسبب في نفسانية الأفراد, ويترك بالتالي أثارا في نفوس الأجيال اللاحقة؟

يرى العروي أن هذا السؤال القديم عاد إلى أوربا أواسط القرن 19 ليطرح من جديد, لكن هذه المرة بصياغة فلسفية وتاريخية حول مدى تأثير تضخم المعرفة التاريخية سلبا على نفسانية الإنسان المعاصر. فهذا الفيلسوف “نيتشه” الذي يفسر أسباب اهتمام معاصريه المفرط بشؤون الماضي هو دليل واضح على الهروب من ضغط المجتمع رابطا نفسانية عصره بحقبة تدهور وانحطاط, وهي نفسانية قادرة على التأثير في مواقع التاريخ وفي تمثلها لأحداث الماضي, لذلك فهو يرى أن ليس هناك موضوعية في كتابة التاريخ.

أما المؤرخ “ج. بوركهارت” الذي يجسد في فكره نمط المؤرخ الأوربي فانه اثر دراسة فترات الضعف والانحلال, ولم يكتب عن عصر الازدهار لانه لم يكن – كما يقر بذلك- مؤهلا نفسانيا لذلك.

غير أن هذا القرن 19 وان كان عصر انحلال فلسفيا وتاريخيا فانه عرف تقدما كبيرا في علم النفس التجريبي وخاصة مع أبحاث ” كارل لامبرخت” الذي يرى بان حضارة أي عصر هي وليدة معطيات نفسانية, والتاريخ هو علم نفس تطبيقي, ومفهوم الثقافة هي كل ما وراء المعارف أي أنها حالة نفسية.

في هذا الجو من السجال سينشأ التحليل الفرويدي الذي ورث إشكالية التاريخ الثقافي ( بوركهارت) والثقافة كحالة نفسية( لامبرخت) ولعل اكبر دليل على ذلك هو استعماله اسم ” اوديب” للتعبير عن العقدة التي تتفجر في الهستيريا. يقول فرويد: إن اللاوعي الذي يتسبب في الانحرافات المرضية وفي ظهور أطوار غير عادية في الأفراد والجماعات هو الموروث, أي اثر الماضي المنقوش في الذاكرة والمرفوض من طرف العقل…”

يلجا المحلل النفساني- كالمؤرخ- إلى البحث عن مصدر خام يكون منه وثيقة, ويلجا إلى نفس المادة التي يستغلها المؤرخ أو الانتربولوجي أو اللغوي ( الطقوس, العادات, العقائد, الأساطير, الأعمال الفنية…) وهذا المصدر الخام لا يمثل شاهدة نفسية, إذ الشاهدة هي الوثيقة المستخرجة من المصدر في صورة أجوبة على أسئلة مضمنة في استمارة, لذلك تعد استمارة المحلل النفساني بمثابة إشكالية المؤرخ وذلك بالنبش عن منطق الرغبة وراء منطق الاقتصاد أو السياسة أو الفن…

يشكل منهج التحليل النفسي خطرا على مفهوم التاريخ باسم النفسوية, أي تحويل كل تعريف أو حركة أو عمل أو قول إلى سمة تشير إلى حالة نفسية. كما يستخف اللاوعي من الزمن ويتيه في خلط الأزمنة.

      8- التاريخ بالمفهوم:

هو أسلوب من أساليب الكتابة التاريخية ينعت بالفلسفة في الاسطوغرافيا. مادته هي المعنى المجسد في الواقعة المادية.

لا يختلف التاريخ بالمفهوم أو التاريخ الكامل عن فلسفة التاريخ ( فولتير) أو التاريخ الفلسفي (غيزو) فهي كلها عبارة عن تأملات حول الأحداث والوقائع. ورغم خصوصية أسلوب ومنطق فلسفة التاريخ فإنها تنتمي إلى التاريخ وليس إلى الفلسفة بمعناها التقني. كما لا يختلف هذا النوع من التأليف عن التأليف السابقة إلا بنسبة التجريد.

وعموما تنقسم مؤلفات فلسفة التاريخ إلى 3 أنواع:

-     يهدف الأول إلى الكشف عن منطق باطني يوحد أغراض الحوادث ويوجهها نحو غاية هي المثل الأعلى والمعيار الأصل.ومن أعلامه اوغستين, هيغل, ماركس, كونت.

-     يقارن الثاني بين الوقائع استنادا إلى مفهوم محوري يمثل قيمة( الدولة, الحرية, العدالة…) من ابرز ممثليه ماكيافيلي, فولتير, هيردر, غيزو…

-          يعتمد الثالث الاستقراء ويبحث عن المتواتر والدوري في أحوال الشعوب والأمم.ومن أعلامه توينبي, والفرد فيبر

أما سمته العامة فهو الكشف عن قوانين تنطبق على كل الأمم, ويروم تحرير تاريخ تام, متنوع الصور والأشكال, موحد الجوهر. هدفه توضيح وحدة المصير, إذ لا يكتب تواريخ أفراد بل تاريخ جماعة ( حضارة, امة, دولة, طبقة…) والجماعة لا تكون تاريخية إلا إذا تجسدت في فكرة (حرية, عقل…) فتكتسب تلك الفكرة صفة القيمة. أي المفهوم المجسد أو المضمن في الحدث. والذي يبدو وكأنه المحرك لكل تطور, ويسير على خط مصيري قد يكون صاعدا أو منحدرا أو دورانيا أو حلز

 

Posté par quissa