في رحاب الاجتماعيات

jeudi 20 octobre 2011



Top 14 de Rugby (Rémi Gaillard)

Posté par quissa à 01:09 - - Commentaires [0] - Permalien [#]


خاص غن القصيبة

ملف خاص بمدينة القصيبة و سؤحاول ان  يكون من إنجاز مجموعة من التلاميذ.في مواضيع مختلفة

Posté par quissa à 01:04 - - Commentaires [0] - Permalien [#]

mercredi 19 octobre 2011

الحسن الثاني

نظرة مؤرخ للمغرب في عهد الحسن الثاني .. لقاء- مناقشة مع عبد الله العروي

تقديم وترجمة: سعيد عاهد

 

عبد الله العروي هو، وفق التعبير الجاري، مفكر غني عن التعريف، كما تدل على ذلك غزارة وتنوع إنتاجه، واتساق و عمق أطروحاته الفكرية، وكثرة ما كتب عنه (…).
لقد اغتنمنا فرصة صدور كتابه الأخير «المغرب والحسن الثاني»، وإتمام عملية نشر مذكراته «خواطر الصباح» لنسعى إلى ملاقاته في حوار ـ مناقشة أردناه منصبا على الجوانب العملية. إذ حاولنا من خلال أسئلتنا أن نعرف بعض عناصر قراءة عبد الله العروي للتاريخ المغربي الراهن (1956 - 1999)، وكيف تلمس شخصيا، كمفكر وكمثقف وفاعل سياسي ملتزم، طريقه في متاهات زمن سياسي طبعته من بين ما طبعه المواجهات الدرامية والفرص الضائعة.
قراءة عبد الله العروي لعهد الحسن الثاني وللتجربة السياسية المغربية المعاصرة بصفة عامة، تتميز، على غرار إنتاجه النظري، باستحضار متواصل للوقائع في تعقدها وتداخلها، مما يجعلها في قطيعة تامة مع النظرة المانوية والدوغمائية الإيديولوجية. فقد شدت انتباهنا في حديث العروي عن التاريخ والسياسة وموقعه الذاتي كـ «متفرج ملتزم» (عبارة وصف بها آنفا المفكر الفرنسي ريمون آرون) عناصر ثلاثة:
-  قراءة إرادوية للتاريخ كمسار منفتح يتحدد بأفكار واختيارات وأفعال البشر، وذلك بعيدا عن كل قدرية عمياء أو تأويل كلياني للتاريخ.
 - إصرار على إعمال العقل في وصف ومقارنة وتأويل الوقائع والأحداث، باعتباره الأداة المتوفرة للبشر لتنظيم وتأويل معيشهم. وهذه العقلانية النشطة باستمرار تجعل قراءة العروي للسياسة ـ عكس السائد في الحقل العربي ـ أبعد ما تكون عن المقولات الأخفاقية (الخير والشر).
- ويتمخض عن العنصر السابق انحياز عميق للواقعية في الفكر والفعل السياسيين، وذلك ضد الطوباوية والرومانسية التي تؤثث الخطاب السياسي في المجال العربي ».
بهذه الفقرات الدالة افتتحت مجلة «مقدمات» عددها الصادر في صيف 2006، والذي تضمن ملفا عن فكر عبد الله العروي، وخاصة حوارا/نقاشا مطولا معه أجراه باحثون من هيئة تحرير المجلة في 25 نونبر 2005.
تعميما للفائدة، ونظرا لأهمية الحوار، نقدم ترجمته كاملة لقرائنا.

 

محمد الصغير جنجار:
نقترح أن يتمحور النقاش بين أعضاء هيئة تحرير «مقدمات» وذ. عبد الله العروي حول الكتب الأربع الأخيرة التي نشرها ضيفنا خلال السنوات الخمسة الأخيرة. تتضمن هذه النصوص نوعا من الوحدة الموضوعاتية، ذلك أن موضوعها هو التاريخ الحديث للمغرب ( 1956 - 1999 )، ويتعلق الأمر بالأجزاء الثلاث من «خواطر الصباح» المنشورة بين 2001 و 2003، والكتاب الأخير الموسوم بـ «المغرب والحسن الثاني» الصادر في 2005. جاء المؤلف الأول على شكل مذكرات سجل ضمنها الكاتب، يوما بعد يوم، ملاحظاته وانطباعاته وتحليلاته المتولدة عن بعض الأحداث التي أثرت فيه والتي حصلت بين 1967 و 1999 . ويمكن القول إن المؤلف جمع في هذه المذكرات المواد التي سيحللها لاحقا ضمن كتابه الأخير.
هكذا، فخواطر الصباح تشبه كراسات ملاحظات الأنثروبولوجيين أو التخطيطات الأولية للرسامين. ولذا فهذه المذكرات ضرورية بالنسبة لمن يريد قراءة «المغرب والحسن الثاني».
غني عن البيان أن هذا الكتاب الأخير كان منتظرا بتهلف، خاصة بعد نشر خبر صدوره في الصحافة. كان البعض ينتظر أن يضمنه عبد الله العروي معلومات مثيرة، وأن يكشف بين طياته بعض أسرار حكم الحسن الثاني، وهو تمرين عودتنا عليه عناوين صحفية وطنية وأجنيبة معينة منذ 1999.
الكتاب، في الواقع، نص تحليلي وتأملي يوظف المنظومة النظرية والأدوات التاريخية التي لم يتوقف المؤلف عن تطويرها منذ «الإيديولوجية العربية المعاصرة» (1967 ). ونظرا لكونه كذلك، فإن الكتاب خيب ظن الذين كانوا ينتظرون قراءة معلومات غير معروفة مدوية في صفحاته. وبالمقابل، اكتشف هؤلاء نصا جديدا في تركيبه (شهادة)، لكنه نص يتضمن العديد من عناصر الاستمرارية مع فكر تطور خلال مدة تفوق أربع عشريات.
طلبنا من ذ. عبد الله العروي النقاش مع ثلاثة باحثين، هم أعضاء في هيئة تحرير «مقدمات»، قرأوا مؤلفاته وسيحاولون عبر تساؤلاتهم وتأملاتهم، دعوته إلى تبيان فكر تميز، في الحقل الفكري العربي، بقوته النظرية و استمراريته وعمق تحليلاته لإشكالية الحداثة والتحديث والتأخر النظري للمجتمع المغربي.

 

الحسن الثاني، الوطنية والديموقراطية

حسن رشيق:
«المغرب والحسن الثاني» كتاب مكثف وغني بالمعلومات، الوثائق، التقييمات والشهادات. إنه يتضمن بورتريهات لفاعلين بصموا التاريخ السياسي الوطني، وأنا أتحدث هنا عن بورتريهات الحسن الثاني، بن بركة، عبد الرحيم بوعبيد، رضى اكديرة، وكذلك بورتريه علال الفاسي ولو بدرجة أقل. المؤلف ثري لدرجة تمنح القارئ سبلا عديدة لمقاربة مضمونه، وسأركز، من جانبي، على سبيلين اثنين: الأول يتعلق بالفاعلين والثاني بالكاتب نفسه.
سؤالي الأول هو التالي: ما المضمون الذي يمكن أن نعطيه للوطنية في مراحل ما قبل، أثناء وما بعد الحماية؟ بالطبع، لا يمكننا مناقشة شهادة على أساس كونها تحليلا ، او على أساس كونها إيديولوجية سياسية، ومع ذلك، سأتصرف كما لو أن عبد الله العروي يصوغ بعض التعريفات حول الوطنية، رغم أن هذا ليس بالضبط الموضوع المباشر للكتاب.
لماذا نزع الحظوة عن وضع الحسن الثاني كزعيم للوطنية؟ لماذا عدم إضفاء صفة وطني عليه، على غرار الآخرين، بالنسبة للمرحلة التي تمتد إلى 1974، مع بصم وطنيته بكونها مختلفة عن وطنية الآخرين بالطبع؟ تقول إن الحسن الثاني كان، إبان مروره بفلورانسا وهو ولي العرش، كان منذ ذاك رئيسا للحزب المناهض للوطنية؟
يجد هذا السؤال سنده في سببين اثنين. السبب الأول ذو طبيعة نظرية: يمكن للوطنية أن تتوافق مع الاستبداد، ذلك أنه لا يوجد، تاريخيا، تناقض بين أن يكون الإنسان وطنيا وعنصريا، ويكفي لتحقق هذا أن يمنح الولاء الأسمى للوطن.
ويمكن للإيديولوجيا أساس هذه الوطنية أن تكون التياسر، الشعبوية، الخ، كما تقول ذلك في كتابك. إن شكلا من أشكال الوطنية ينبعث عن المضمون الذي تضفيه على التقليد وإحياء التقليد لدى الحسن الثاني. لقد كان بهذا المعنى، وطنيا حيث فشلت الحركة الوطنية التاريخية، الكتلة والآخرون.
إذا ما رجعنا إلى الإنتاج العالم للحركة الوطنية الذي وصلنا على شكل كتب أو صحف مكتوبة، على سبيل المثال، فسنلاحظ أن أسس هذه الحركة كانت اللغة العربية، القومية العربية والإسلام. وقد تمت تعبئة الجماهير حول هذه الأسس وحول الانتماء للمغرب: «عاش المغرب». لم يكن الانتماء للمغرب يترجم عبر الكتابات، بل عبر المظاهرات والشعارات والملبس وعيد العرش، عبر الاحتفالات… لقد وضع أول عيد للعرش، مثلا، حدا فاصلا بين من هم مسلمون ومن هم عرب. لأول مرة أحتفل المغاربة بعيد بشكل مستقل، ليس بوصفهم مسلمين أو عربا، لكن بصفتهم مغاربة.
أصل الآن إلى سؤالي الثاني. ونحن نقرأك، نشعر أن الوطنية متعارضة مع كل ما هو خصوصي وكل ما هو تقليدي. أو بصيغة أخرى أنه لا يمكن للوطنية أن تتوافق لا مع التقليدانية وإعادة خلق التقليد، ولا مع القبلية والخصوصية والانتماء الأمازيغي، الخ. ونشعر أيضا أن هذا الموقف يتمفصل مع فكرة استحالة أن يكون مستبد وطنيا، وأنه كان يجب انتظار سنة 1974 ليصبح الحسن الثاني كذلك، وأنه لم يكن بإمكانه أن يصبح وطنيا إلا عبر اعتناق أطروحات الكتلة. بالفعل، لقد حصل تقارب في وجهات النظر بين الطرفين، لكنه تقارب بين أسلوبين لممارسة الوطنية. فعل الحسن الثاني ذلك بشكل مضمر، فطري، وربما يكون أحمد العلوي هو من وضح أكثر هذا النزوع أفضل من غيره. لماذا إذن تم قبول وطنية مستندة على «الشرع» من قبيل وطنية الحركة الوطنية الممثلة في الكتلة، وخاصة وطنية حزب الاستقلال، وفي نفس الوقت رفض الوطنية القائمة على التقليد نظرا لاعتبار أنها ليست وطنية؟ ومع هذا، فنحن نعلم أن الوطنية في العديد من الدول الأوربية قامت أولا على الثقافة، الحكايات واللهجات الشعبية. لقد شكل المحلي مصدرا للوطنية المغربية، والثقافة الشعبية حاضرة في هذه الوطنية.

 

عبد الله العروي:
لقد خصصت أطروحتي لدكتوراه الدولة للوطنية المغربية واستمر اهتمامي بالموضوع منذ ذاك. لقد قارنت إيديولوجيا الحسن الثاني التي وسمتها بالملكية، مع إيديولوجيا الوطنية كحزب وليس بوصفها مرادفة لمحبة للوطن. يمكن للمرء أن يكون محبا لوطنه دون أن يكون وطنيا. الوطنية، كما تطورت في المغرب في القرن التاسع عشر، تبدو جوهريا أنها من خلق الطبقة الكهنوتية بمكونيها الاثنين: طبقة العلماء «المستقلين»، أي الذين لم يكن ينفق عليهم المخزن، والآخرين، الكتاب، الذين كانوا موظفين لدى هذا المخزن. مما جعلني أعتقد، خلافا لما اعتقده بعض الباحثين ولما صرح به الوطنيون أنفسهم في حقبة معينة، أعتقد أنه لم تحدث قطيعة إبان قيام الحماية. إن من استلم المشعل هم سليلو هذه الطبقة الكهنوتية التي حاولت عصرنة البلاد، بتوافق مع العائلة العلوية الحاكمة خلال القرن التاسع عشر، والتي لم تنجح في مسعاها هذا. وهؤلاء هم من قالوا إبان الحصول على الاستقلال: المغرب الجديد من صنعنا.
والحال أن المنظرين الإيديولوجيين للحماية قاموا بتحليل مغاير لتاريخ المغرب. لقد كانوا يؤكدون على وجود مغربين: مغرب ناطق بالعربية وآخر بالأمازيغية، كما تمحورت سياستهم برمتها على الحفاظ عن هذه الازدواجية راسخة. مما أدى إلى أن الحركة الوطنية مجبرة، بقوة الواقع، على أن تظل أقلية، وذلك كيفما كانت شرعيتها التاريخية من جهة أخرى. نحن لا نتوفر على الإحصائيات، ورغم ذلك، وبما أن السكان الحضريين كانوا يمثلون بين 15% و 20% من مجموع السكان في 1955، وحتى لو أضفنا سكان المناطق القروية، فبإمكاننا التأكيد على أن الوطنيين، الموسومين كذلك على غرار الشيوعيين في البلدان الغربية، لم يكن باستطاعتهم أن يتجاوزوا ربع المغاربة. هكذا إذن، يتوفر لدينا تصوران اثنان: واحد سياسي والثاني سوسيولوجي. من يمثل البلاد سياسيا ومن يمثلها سوسيولوجيا؟ هذا هو النقاش الذي تواجهت عبره الوطنية كحزب مع الحسن الثاني. جوابا عن كل الذين كانوا يؤكدون عاليا وجهوريا: إننا نتكلم باسم جميع المغاربة، كان الحسن الثاني يرد: أنتم لا تمثلونهم جميعا لا سوسيولوجيا ولا تاريخيا. كان يعتقد أن المناطق القروية، بلاد السيبة في لغة المخزن والحماية، منغلقة في وجه الإيديولوجيا الوطنية. وفضلا عن ذلك، فقد كان متأثرا ثقافيا بإيديولوجيا لليمين الفرنسي مفادها أن الوطنيين جمهوريون بالقوة، يستمدون مشروعيتهم من الشعب وليس من التاريخ. وبصيغة أخرى، فإنه، بالنسبة للوطنيين، إذا كان هناك ملك، فلا يمكنه أن يكون سوى ملك المغاربة، وليس ملك المغرب. هكذا، ففي 1958، حين أسس الخطيب وأحرضان الحركة الشعبية وأعلنا نفسهما ناطقين باسم الأغلبية الصامتة، فإنها دعما تحليل الحسن الثاني الذي كان حينها ولي العهد فحسب.
وأنا أتناول كل هذه القضايا، فرض علي توضيح أنه كان ثمة معسكران، وأن الحسن الثاني، بفعل المصلحة السياسية والمعتقد الإيديولوجي، اختار خندقه، وذلك عبر احتضان ما أسميه المغرب الفولكلوري: الرزة، الجلباب، الفروسية، الخ.
بعدها، انضافت، إلى هذه الخصومة حول الشرعية التاريخية، مشكلة أكثر جدية وذلك أثناء صياغة الدستور. الحسن الثاني دافع بقوة عن الخصوصية المغربية، وعارض صراحة النزعة القومية العربية لدى اليسار، كما عارض بشكل أقل جلاء الإيديولوجية المالكية التقليدية لعلال الفاسي. هذا الأخير كان يريد، في أعماقه، تحويل النظام الملكي المغربي إلى خلافة أو إمامة شرعية. وهو ما رفضه الحسن الثاني، لأن ذلك كان سيقلص من اختصاصاته ويخلق مشاكل مستعصية مع الخارج. مثلما كان يرفض الديماغوجيا الشعبوية.
حين أقول هذا، فأنا أعطي للحسن الثاني بعد منظر سياسي، ملكي، متشبث بالشرعية ومناهض للوطنية التي لا يمكنها أن تكون، من وجهة نظره، إلا كليانية ويعقوبية، أي معادية للاختلافات الجهوية. وهي الاختلافات التي بذل الحسن الثاني كل ما في وسعه لكي لا تتلاشى. وإذ يُذكر الدستور أن للملك صيانة حقوق و حريات المواطنين و الجماعات، فإن هذا يشكل البصمة المميزة للمحافظة الليبرالية الأوربية، تلك التي تعتقد أنها هزمت الفكر الثوري في القرن التاسع عشر والشيوعية في القرن العشرين.


- محمد العيادي:
هناك إشارتان في كتابك تولدان التساؤل بالنسبة لمسألة الوطنية. أولا، تتحدث عن الحسن الثاني وقد تحول إلى زعيم يجادل الوطنيين، وتضيف أن هذا أثر على مفهوم الهيبة مما أدى إلى الانقلابين العسكريين. ثانيا، حين تشير إلى اختيار المساعدين، فإنك تتحدث على إفقاد الأفراد الجنسية، وإعادتهم للجماعات.


- عبد الله العروي:
لنحدد أولا مفهوم الزعيم: إنه القائد الذي يصل الحكم عن طريق انقلاب عسكري. انطلق الأمر في سوريا، ثم استمر بالتتابع في مصر، العراق، الجزائر، الخ. ولكي يصبح هذا القائد شعبيا، فإنه يتسلح بالديماغوجيا. الأمر يتعلق إذن بأسلوب في العمل السياسي، يبدأ بشكل لا واعي قبل أن يصبح مُقعّدا أكثر فأكثر في خطابات طويلة بل وكتب كذلك. في مرحلة معينة، تأثر الحسن الثاني بلا ريب بهذا الأسلوب. كان عليه أن يجد مساعدين لحكم البلاد. أين سيعثر عليهم؟ لقد كان عددهم جد محدود في الأحزاب، مما ولد شكلا جديدا من المنافسة مع الوطنيين.
إذا توفر لجهة حظ إنتاج شخص مقتدر، فإنه كان يتم اختياره ليصبح، بقوة الواقع وسواء سعى إلى ذلك أم لا، ممثل مصالح جهته لدى السلطة المركزية. وعلاقة بهذه الظاهرة، التي عرفناها جيدا والتي يمكن للذين عاشوا هذه الفترة أن يقدموا أسماء مرتبطة بها، فإنني استعملت صيغة إفقاد الجنسية. كان الفرد، بعد تأميمه داخل الحزب، يعود مجددا إلى أصوله طوعا أو كرها.
أما المجادلة، فهي تقلص دائما من قيمة كل من يتعاطاها بطيبة خاطر.


- محمد العيادي:
وماذا عن الإشكالية الجوهرية المتعلقة بالتناقض بين الوطنية والديمقراطية الجديدة؟


- عبد الله العروي:
في أيامنا هذه، وحتى في بلدان مثل الولايات المتحدة أو فرنسا، انطلقت التساؤلات حول العلاقات بين الجمهورية والديمقراطية. ويوجد مفهوم الدولة الوطنية في قلب هذه الإشكالية بالطبع. إذا ما استندنا إلى أرسطو، فإننا نلاحظ منحى الديمقراطية للتحول إلى ديماغوجيا. و هي تجد، اليوم، أفضل تعبير لها في إيديولوجيا حقوق الإنسان، الإيديولوجيا التي تدعو، كيفما كانت النتائج، إلى الدفاع عن حقوق الفرد في كل مكان ودائما، حتى حين يشكل ذلك مسا واضحا بمصالح الأمة والدولة. بينما من البديهي أنه يجب، من وجهة نظر الوطنية، التوقف عند حد معين، وأنه لا يمكن الذهاب إلى آخر حد في المنطق الديمقراطي. إننا ننسى وجود مذهب للحقوق المطلقة للفرد، مذهب معروف وجدير بالاحترام هو الفوضوية التي تطالب، بكل منطقية، بالتلاشي التدريجي للدولة. وإذا لم نذهب إلى هذا الحد، فإننا نقع في مآزق ونضطر للبحث على توافقات.
أعتقد جازما أنه من المستحيل تحديث بلد دون اعتماد النظام الديمقراطي. وحيث لا تتوفر شروط ذلك، فمن واجب القادة فعل كل شيء، بلا مماطلة، لخلق هذه الشروط، لأنه بدون ديمقراطية لا توجد مسؤولية سياسية. ومن جهة أخرى، كيف نحكم راهنا بلدا يسود فيه الفقر والأمية والزبونية؟ إنها مسألة تقدير، وليس من البديهي أنه بالاستطاعة القيام بالاختيار ذاته في كل مكان.

 

التقليد والثقافة السياسية


- محمد الطوزي:
«المغرب والحسن الثاني» مصدر ثري للمعلومات، شهادة رجل عاش عددا من الأحداث والأشياء. انطلاقا من هنا، يمكن أن نطرح عليك سؤالا لمعرفة الشروط التي أنجزت في رحمها تسلسل الأحداث. التسلسل يحيطنا علما بوضع الحدث لنقرأه ونفك شفرته. وبصيغة أخرى، نحن في حضرة كرونولوجيا لشيء ما يخترق المؤلف، أي بناء الدولة. ومع ذلك، من الواجب أن أسجل كون غياب بعض الأحداث من كرونولوجيتك، وهي أحداث ليست مهمة بالنسبة لك ربما، لكنها قد تكون كذلك بالنسبة لآخرين. أشير هنا إلى المحاكمات المختلفة والمتكررة. وبصفة شمولية، ما هو إذن الحدث الذي درسته بالنسبة لهذه الحقبة؟


- عبد الله العروي:
ربما هولت الوقائع وأنا أجعل من حكم الحسن الثاني مواجهة دائمة بينه وبين الخندق الوطني، مع حضور شاهد يشرح بين الفينة والأخرى لماذا يقول ما يقوله. لنذكر، مع ذلك، بأن الحسن الثاني لم يكن يكل ولا يمل من ترديد أنه عضو في عائلة المقاومين، وذلك خطابا إثر خطاب، وأن له الحق في انتقاد الأخطاء السياسية لرفاقه في السلاح. وفي رأيه، فالمحاوران الوحيدان الجديران بأن يتناقش معهما كانا علال الفاسي وعبد الرحيم بوعبيد، ذلك أن بن بركة عرف المصير المعلوم لدى الجميع. وكان يرد عليهما إما مباشرة وإما بواسطة أحمد العلوي. لم أخطئ تماما لما قدمت الأحداث كما فعلت. هل جعلت منه منظرا بالرغم منه؟ لقد حُكم المغاربة من طرف الحسن الثاني طوال 39 سنة، فهل سيكونون سعداء لو قيل لهم إنهم رُوضوا من قبل رجل بلا قدرات كبيرة؟


- حسن رشيق:
لنعد إلى سؤال الثقافة السياسية، ثمة طريقتان لتعظيم الأولياء، الأبطال، الملوك، الخ. تعتقد أنه كان يجب إقامة جنازة الحسن الثاني على أساس كونه بطلا وليس وليا. وتقول، وهذا صحيح، إننا لو كنا خضعنا لحماية ألمانية أو بريطانية، لعرفت جنازة الحسن الثاني مراسم عسكرية. قلت إن الأحزاب السياسية الوطنية كانت قليلة الإبداع لما طرحت عليها معالجة الذاكرة والمراسم.


- عبد الله العروي:
أصر على القول إن المثقف المغربي ينقصه الخيال.


- حسن رشيق:
كباحث أنثروبولوجي، أؤكد على وجود مئات التخصصات الثقافية… هناك ثقافة سياسية تنسى الشخص، التاريخ، تنسى الحدث بمجرد وقوعه. والحال أننا، حين نتكلم عن الديمقراطية، عن الوطنيين، الخ، فإننا نمتح من تراكم للذاكرات. لكنه ليس لدينا متحف تذكاري، في الدار البيضاء مثلا، كل ما نتوفر عليه يتمثل في أسماء شوارع مكرسة لبعض الوطنيين.
ولذا، فإن الثقافة الوطنية، ثقافة تكون ديمقراطية في الآن نفسه، تستحق علاقة مغايرة مع الماضي غير إعادة إحياء الطابع التقليدي. ليس هناك علاقة ديمقراطية «تقدمية» أخرى مع الماضي. كيف ترى علاقة مغايرة لا تكون تقليدية مع الماضي، العلاقة مع الأولياء، الأبطال والأحداث، الخ.


- عبد الله العروي:
يجب التذكير أننا كنا، إبان الحدث، نتوفر على حكومة تستحق هذا الاسم ورئيس حكومة كان يؤدي فعلا هذه المهمة. كان لدينا أمل في المضي نحو الإعمال التدريجي للدستور. وكان لزاما أن يدفع هذا الأفق المسؤولين، وفي مقدمتهم الحسن الثاني، إلى استشراف المستقبل. لكن روح الروتين منعتهم، حسب رأيي، من ذلك، وخاصة جدار التطير. لقد كان الحسن الثاني متطيرا على غرار كل المغاربة. ارجعوا إلى ما كتبته في هذا الصدد في «خواطر الصباح». ليس ثمة ما هو أكثر حزنا، أكثر إثارة للإحباط النفسي، من جنازات المسلمين. ذلك أن علاقتنا مع الموت شبه حيوانية، ومن ثمة، فمن العسير توضيحها والتفكير فيها، ثم تغييرها عقب ذلك. الطقس مثبت منذ قرون تحت عنوان «أدب الموت» في كتب التقاليد، وله دلالة قانونية، اجتماعية وأخلاقية كبيرة لدرجة لا يمكن معها لأي أحد التجرؤ على التفكير في إدخال أدنى تغيير عليه.
يمكن تفهم هذا الأمر على المستوى الشخصي، لكنه يمتلك، للأسف، تأثيرا على مستوى العقل العمومي. رئيس دولة ليس شيخ زاوية، ليس رب عائلة. ويجب التعامل معه على هذا الأساس (رئاسة الدولة)، لكننا نصدم في هذا المجال بالشعور المساواتي للمسلمين الذين يعتبرون الموت أكبر محقق للمساواة. لقد بقينا فعلا، بالنسبة لهذه النقطة، خارج سلطة روما التي كانت تضع نصب أعينها ترسيخ معنى الدولة لدى مواطنيها، فتنظم، من أجل بلوغ هدفها، بشكل فخيم تربع قادتها على العرش وجنازاتهم في نفس الآن، بل إنها كانت تذهب إلى حد تأليههم. وبالطبع، فالإسلام قد قام، منذ بدايته، ضد هذا الإفراط. لكنه مضى، بدون شك، أكثر من اللازم في الاتجاه المعاكس حيث نلاحظ، طوال تاريخنا، أن هذا أضعف معنى الدولة. وبما أننا غير مشاركين في هذا التقليد الروماني، فإن الجلوس على العرش والجنازة يتمان عندنا بارتجال، مما يفاجئ كثيرا ضيوفنا المنتمين لثقافات أخرى ويجعلهم يصفوننا بعدم النضج سياسيا. نحن لا ندفن أبدا الملك، بل أبانا جميعا. هذا أمر لطيف، هذا إنساني، إنساني أكثر من اللازم، والجميع يتذكر المثل القائل «ابن أو علي، سير أو خلي». في ظل هذه الشروط، كيف نرسخ إذن في العقول طموح بناء دولة قوية، غير مشخصنة، شيء غير ملموس لكنه منذور للبقاء؟ الحسن الثاني كان هو الوحيد القادر على فهم هذا الانشغال، لأنه ظل يحمل هم تشييد دولة تستحق صفتها هذه بجدارة، لكنه لم يكن ليتجرأ يوما على مس التقليد بسبب تطيره. ربما كان عقله سيقول نعم، لكن قلبه كان سيقول لا بكل تأكيد. هو ذا الحد الذي وصلنا إليه.


- محمد الصغير جنجار:
تقول إن الحسن الثاني كان يشعر بنوع من الحصر كلما تعلق الأمر بالقضايا الدينية. وهناك مثال تسوقه في هذا الإطار: كان يريد إصلاح التعليم، لكن طرح سؤال الدين في المدرسة كان يولد الانحصار في كل المستويات.


- عبد الله العروي:
مرة أخرى، هذه حالة جميع المغاربة. إنهم لا يتكلمون سوى على الدين، لكنهم لا يتحدثون عنه أبدا بروح نقدية أو ساخرة، بمعنى أنهم يخضعون له، لكن دون أن يشعروا به فعليا.

 

الدستور، إمارة المؤمنين وانتقال العرش


- محمد العيادي:
أشرت إلى المنافسة بين الوطنيين والحسن الثاني، الذي صار زعيما، وبسطت أطروحة علال الفاسي الذي كان يريد تحويل الملكية إلى خلافة، كما حددتها، وقيامها مكان الدولة. أربط هذا بتقييمك لدستور 62، وهو دستور تسمونه بالعلمانية، لكن شهودا مباشرين يؤكدون أن صيغته الأولى لم تكن تتضمن أي إشارة إلى إمارة المؤمنين. كيف تفسر إدراج هذا الفصل حول إمارة المؤمنين؟ كيف حدث الانزياح عن المنطق العلماني أو مسلسل العلمنة الذي كانت تشارك فيه الدولة والأحزاب السياسية قبل 65؟ وكيف يمكن أن نقارب مفهوم الإمامة في علاقته مع مسلسل إحياء التقليد الذي انتشر بعد 65؟ يبدو لي أنها أسئلة تستحق توضيحات أكثر.
النقطة الثانية: تقول إن الحسن الثاني كان وحده المؤهل لتغيير مراسم الجنازة، وأن هذا كان يجب أن ينجز من أجل نجاح انتقال العرش. تقول إنه كان بالإمكان انتقال العرش وتقديم البيعة وفق سيناريو آخر يمر عبر عمل الوزير الأول والبرلمان، وتضيف أن الحسن الثاني هو الوحيد الذي كان بإمكانه الإقدام على هذا التغيير.ألم يكن هذا سيشكل قطيعة مهمة في تاريخ السياسة المغربية؟


- عبد الله العروي:
أذكر أولا أن الحسن الثاني لم يكن يعير كثير أهمية لمنطوق الدستور في حد ذاته. لقد كان متيقنا أنه سيوظفه لصالحه في جميع الأحوال. ما يجب أن يهمنا إذن هو الممارسة السياسية. إذا طرحتم علي أسئلة تتعلق بالعقيدة، فسأجيبكم بأن مواقفي في هذا الصدد معبر عنها، في نفس الوقت، في الاستشهادات التي تفتتح فصول الكتاب وفي الملاحق الخاصة بالخصوصيات المغربية. لقد تحدثت ضمنها طويلا عن الإمامة وإمارة المؤمنين.
في القرن التاسع عشر، كان الحسن الأول يقيم تمييزا بين الشؤون المندرجة ضمن اختصاصات المخزن (الشؤون المخزنية) وتلك المتعلقة بالشرع. وكان واضحا للجميع أن الأمر يتعلق بمجالين مختلفين، وهو ما نتج عنه الفصل الوظيفي بين الكتاب والعلماء، حيث لم يكونوا يخضعون لنفس التكوين، ولم يكن لهم نفس الفكر، مثلما لم تكن علاقات السلطان مع الهرمين الوظيفيين متماثلة.
بعدها جاء الفرنسيون الذين عانوا الأمرين لتنظيم الحقل الديني في الجزائر، لدرجة أنهم لم يقروا مدونة الأسرة الخاصة بالمسلمين إلا قبيل الحرب العالمية الأولى، وهذا معطى كثيرا ما يتم إهماله.
ازدواجية السلطة التي وجدها الفرنسيون بالمغرب سهلت مأموريتهم. لقد بسطوا سيطرتهم كاملة على المخزن، أي الحكومة الدنيوية، بينما بقي السلطان الشريف يمارس دوره كرئيس لهرم العلماء التراتبي. لم تكن التسمية تهمهم (سلطان، إمام، خليفة، أمير المؤمنين)، فالسلطان بالنسبة لهم زعيم ديني، وهو ليس ملكا بالمعنى الغربي. وهذا هو الرأي الذي سعوا إلى مأسسته في 1955 بتعيينهم لبن عرفة سلطانا بمباركة حلفائهما، الگلاوي والكتاني.
مع الاستقلال، لم ينتبه الوطنيون إطلاقا لكون المسألة مستعجلة. وتم نقاشها في أوساط رجال الدين. اللقب لم يكن مهما بالنسبة للفرنسيين، لكنه كان كذلك بالنسبة للعلماء. ومحمد الخامس لم يعد سلطانا، بل صار ملكا، فهل هو أيضا، أو في نفس الوقت، خليفة، إمام، أمير المؤمنين، أمير المسلمين؟ وهو النقاش الذي حصل بين مختلف التيارات التقليدانية أو السلفية. الحسن الثاني، على غرار الوطنيين، لم يعر الموضوع كثير اهتمام حينها. لكنه استوعب أهميته شيئا فشيئا، وفي جميع الأحوال، فإنه فعل هذا أسرع من منافسيه. وحسب تحليلي، فإن الحسن الثاني، إذا كان قد قبل في نهاية المطاف حل إمارة المؤمنين المقترح رغم الإشكاليات الدينية التي يطرحها، فإنه أقدم على ذلك لوقف زيغان آخر كانت تمثله الخلافة المساندة من طرف علال الفاسي وعبد الله گنون، وهو المقترح الذي كان سيخلق مصاعب مستعصية الحل داخليا وخارجيا.
هل كان الوطنيون سيستفيدون من هذا النقاش لو أتيحت لهم فرصة المشاركة فيه؟ أعتقد ذلك. كان بإمكانهم التذكير بازدواجية السلطة في المغرب التقليدي وفي مغرب الحماية، وجعل هذا أساسا لانطلاق علمنة واقعية.
إن الموضوع صعب، ويستلزم توضيحات أكثر. ومع ذلك، لا يمكننا مؤاخذة وطنيي تلك الحقبة على عدم الاهتمام به، ذلك أننا نحن كذلك لا نتوفر على نظرة جلية حوله اليوم. يستشهد بعض الإسلاميين بابن حزم أو ابن تيمية، ويقولون إن العاهل الشرعي الوحيد هو أمير المؤمنين وإنه يجب توحيد السلطتين المدنية والدينية، المخزنية والشرعية، وذلك في قطيعة تامة مع التقاليد المغربية. وهم يغضون الطرف على كون الأول صاغ نظريته والأندلس على وشك التلاشي لأنها عجزت عن بناء دولة عقلانية مستقرة. أما الثاني، ابن تيمية، فقد أنشأ آلة حربية ضد التركمان الذين طردوا العرب من السلطة ولم يعترفوا لهم إلا بحظوة رمزية. المنظران معا لم يفعلا سوى القيام برد فعل حيال أزمة تدوم منذ قرون. فكيف نقدم ما شكل أصل الأزمة على أساس كونه حلا لها؟ ومع ذلك، فهذا ما يقوم به الناس الذين لا يمتلكون أي حس تاريخي، أية معرفة بالتسلسل الفعلي للأحداث.


- محمد العيادي:
سيناريو انتقال العرش!


- عبد الله العروي:
قضية انتقال العرش جد مهمة. وحولها اندلعت أول أزمة كبرى في الإسلام. وحول هذا الموضوع بالضبط، كان الحسن الثاني متشبعا بالشرعية بمعناها لدى الملكيات الغربية. ولذا، فرض انتقال العرش إلى الولد الأكبر سنا، وفعل هذا دون أن يعترض العلماء.


- محمد العيادي:
في الواقع، كنت أعني أساسا انتقال العرش في 1999 حين أثرت الموضوع، وفاة الحسن الثاني وتربع ابنه محمد السادس على العرش ودور البرلمان.


- عبد الله العروي:
من أجل فهم نمط تفكير الحسن الثاني، يجب الاهتمام بالجانب الآخر من تكوينه، الجانب التقليدي. ويتعلق الأمر بالعائلة، العلاقة مع الأم، آداب المعاشرة، الخ. وهنا نكون أمام مستوى شعوري أعمق من مستوى التحليل السياسي. نظريا، كان من الممكن إدخال عناصر تجديدية اعتمادا على الدستور. وعلى كل حال، فالملكية معرفة بكونها شعبية واجتماعية، وهكذا فإنه كان يكفي توسيع معنى الكلمات. بدل أن يضمن انتقال العرش عبر بيعة الأسرة، الحكومة ومجموعات مختلفة مثلما ظل هذا يحصل باستمرار، يمكن أن يتم ذلك من طرف الشعب ممثلا بالبرلمان. لقد مات الملك، لكن الدولة مستمرة. فمن يمثل هذه الاستمرارية خلال برهة وجيزة من الزمن؟ إنه الوزير الأول وهو يقف أمام ممثلي الشعب المجتمعين. مات الملك، عاش الملك، ليس ثمة قطيعة إذن. هكذا، نغادر المنطق العائلي، الشريف، لنلج منطق الدولة. وهذا لا يمنع المراسم الخاصة في أوساط العائلة. أما الجانب العسكري في تنظيم الجنازة، فهو يبرز أننا ندفن القائد، المنظم.

 

التقليد و التقليدانية

- محمد الصغير جنجار:
فيما يتعلق بما تسميه «المنعطف التقليدي»، ألا تظن أن اعتماد قانون للأحوال الشخصية، في 1957 _ 1958، متخلف بجلاء عن الاختيار التونسي المعتمد في نفس الحقبة، كان عملا دالا، علاوة على مباركة مختلف القوى السياسية المغربية له، وأنه شكل، منذ ذاك، مؤشرا على هذا التوجه التقليدي؟


-عبد الله العروي:
لا يمكن الحكم على نظام، كيفما كان، بدون أخذ وضع المجتمع بعين الاعتبار

المزيد

أضف الى مفضلتك
 

موقف الجابري و اركون و نصر حامد ابو زيد من التراث

 

كتبها ameur guenbour ، في 18 أكتوبر 2010 الساعة: 22:51 م

 

موقف الجابري و اركون و نصر حامد ابو زيد من التراث
 
 
            تبلور الخطاب الفكري في عصر النهضة في خضم الصراع بين تيارات مختلفة، تحاول تأصيلأفكارها من أجل  تجاوز الأزمة الحضارية. فلقد برزت مجموعة مـن التيارات التي تناديباعتناق الـفكر الغربي كأساس منهجي علمي، يساعد العقل العربي على تخطي أزماتهالفــــــكرية واللحاق بــركب الــــحضارة العالمية ،وهناك  مـــن رفض هذا الفكروحاول الرجوع إلى التراث، باعتباره القاعدة الأساس التي من خلالها نستطيع الحفاظعلى الهــــوية العربية ،أما التيار التوفيقي فـقد نادى بضرورة التـوفيق بين الفكرالغـربي و الموروث العربي لضمان التحديث والسير بالفكر العربي في مسار الـتقدم والعلمية ،  وقد انقسمت الساحة النقدية والفكرية إلى :
         تيار علمي علمانيوتيار سلفي، يتجاذبان العقل العربي و يحاولان صياغة الخطاب الفكري العام صياغةإيديولوجية في أغلب الأحيان، فالتيار العلماني يـدعو إلى اعتناق الفكر الغربي  ونبذ التراث الذي أصبح في نظرهم قاصرا عن احتواء الإشكاليات الفكرية الراهنة، أماالتيار الإصلاحي فقد رأى في التراث العربي ضالته،لأنه يحمل من الفكر الحداثي العربيما يماثل الفكر الغربي، لــــذلك دعو إلى تبنيه . ومن هــــذا المنطلق عرفت الثقافةالعربية الحديثة مجموعة مـن المفكرين و الــنقاد الذين  حاولوا بلورة الخطابالثقافي العام من منطق فكري و منهجي ، حيث شكل التراث القاسم المعرفي المشتركبينهم.
         وقد  تعددت آراؤهم واختلفت مناهجهم، فمنهم  من درس التراث منمنطلق عقلاني ، محاولا تغيير نمطية الدراسات الفكرية وإخراج الإرث الثقافي من دائرةالاستهلاك والاجترارية، ويعتبر محمد عابد  الجابري من  أهم  المفكرين  الذين نادوا  بهـــذه  الفكرة ، كـــما نادى آخرون  بضرورة  التخلص من  الفكر الاستشراقي  وإعادة  صياغة الموقف الفكري  الـــــراهن  انطلاقا من إعادة استيعاب الذات  العربيةو جعلها المدار الأساس في الدراسة، و قد حــمل محمد أركــون  لواء هذه  الفكرة،أما  نصر حامد  أبو زيد وحسن  حنفي فـقد  حاولا  إعادة تأويل الـنص الـديني ، والخطاب الديني  من  منطلق تاريخي ، و على أسس مختلفة.
          أما النقاد فقد اختلفت  مناهجهم و تنوعت،فمنهم من  نادى بالخرق و رأىفيه معيارا نقديا، يبرز الجوانب الحداثية  في التراث العربي و يعتبر أدونيس من  أهم  ممثليه ، أما بالنــسبة  لعبد  الله  الغذامي  فقد  رأى  بأن الــــتراثتتحكم  فيه  مجموعة من الأنساق  الثاوية  بين أرجاء نصوصه الإبداعية  و التي تمارس  إشعاعها  الجمالي و الفني ، على النص و عــــلى متلقيه  لذلك  يدعو  إلى اكتشافها  من  خلال  آلية النقد  الثقافي  ،أما عــبد العزيز حمودة  فهو يرى  بأن  التراث  زاخر بمختلف الإشارات  التي  تصلح  أن  تكون  مبادئ لنظرية  عربية أصيلة .
       ولـــــكن مهما اخــــتلفت الـرؤى  والإجراءات المنهجية المتبعة منناقد إلى آخر ومن مفكر إلى آخر، فإن هؤلاء جميعهم حاولوا إثراء الموقف الثقافيالعام، وانتشال الفــــكر العــــــربي من براثن الجمود والتبعية
 
-1التراث فيكتابات محمد  عابد  الجابري  :
النظرة العقلانية  للتراث :
          ينطلقالـجابري  في مـشروعه الفكري من نقــد  مقومات  العقل العربي ومرتكزا ته المعرفية،متجاوزا بذلك  فكر المصلحين  النهضويين  لتأسيس وعي نقدي  قائم على  الديمقـراطيةوالليبرالية والحداثة، محاولا بذلك إرساء دعائم الفكر التراثي الأكثر نضجا وعلمية،وإعادة قراءته من  منطلق حداثي ، مستثمرا بذلك  المناهج  الغربية  لدراسته .
      ويرى الجابري أن  التراث  يتطلب قراءة نقدية جديدة و جدية ، تسعى إلىالكشف عن  مكامن  قصوره ومحاولة تخطيها ، وذلك  بالاستفادة من  المواقف التراثيةالتي شهد  لها  بالعلمية والـتفوق و القــدرة على التحــقق في الواقع الفكري الراهن،من خلال إعادة  صياغتها من  جديد .
ويرى  بأن هذه الإمكانية لا تتحقق إلا من  خلال  تطبيق  بعض المناهج  الغربية  باعتبارها أدوات منهجية علمية تساعده على كشفأغوار التراث،  " لذلك  استحضر أطرا مـــرجعية  مختلفة ، من الــــديكارتية  إلىفلسفة الأنــــوار التي تـــظهر جـــليـا في تركيزه على فكــرة التقـدم والعـقلانية، كما نلمس حضورا متميزا  لفلسفة فوكو M .Faucoult  و التو سير L.Athusser  وغراميشي  A Gramissi  و  الماركسية في  صورتها النقدية و ليس في  شكلها  العقائـدي" 1.
             وهـو بذلك يقول بفكرة عالمية الثقافة،وإن الفكر الغربي  بحداثته ما هو إلا  جزء من المـورث الـــحضاري الإنساني،حيث يستطيع الــــناقدالعربي استثماره بما يخدم رؤاه وخلفياته المعرفية، ،وبـذلك  فإن هذا المفكر يدعوإلى تطـويع الـــمناهج  الغربية ،وإعادة  صياغة  بعـض أسسها بما يخدم  خصوصية النصالتراثي ،انطلاقا من  فكرة قابلية المنهج  للتغيير،ولا يعني هــذا اجتثاث المنهجالغربي من سياقاته المعرفية وإنما هي دعوة علمية  رصينة  تحاول  تأطير المناهج  الغربية ضمن  فضاء  فكري و ثقافي عربي، من خلال إعادة البلورة المنهجية العلميةالدقيقة ، فهو بهذا يضع الحداثة  الغربية في ، " سياقها الـــتاريخي و ملابساتهاالسوسيوثقافية ،ومن خلال هذه الرؤية الـــنقدية الـــمتبصرة،يحـاول استثمارانجازاتها المعرفية و المادية بما يتماشى وخصوصية الواقـع العربي"2 .
            فالتراث في فكر الجابري قد شكل  القاعدة  الأساس التي  من خلالها  نستطيع تغيير الموقف الفكري الراهن ، لــذلك  يطرح  هذا  المفكر العقلانية كرهان  نقدي و فكري ،  يساعــــد  عـلى تأصيل حداثة فكرية، بدل حداثـة عصر النهضة العربيةالمستلبة التي زادت من تعميق هــوة الاغــتراب  الذاتي  للمفكر العربي ، و ضياعه  ضمــن  قـطبين متعاكسين ، إما الانبهار  بالــفكر الغربي و رفض المـوروث  بصـفـةمطلـقة ، أو الارتماء  في محراب الماضي و تقديسه و رفض الفكر الغربي رفـضا مـطلقا ،وقـد  أدى هـذا التشتت في المواقف حــسب الجابري ، إلى افتقار الساحة الفكرية  لمنهج علمي دقيق، يـساعد  الباحث على رصد الــظواهر الفكرية بطريقة ع

المزيد

أضف الى مفضلتك
 

حوار مع المفكر المغربي عبد الله العروي

 

كتبها ameur guenbour ، في 18 أكتوبر 2010 الساعة: 22:47 م

 

حوار مع المفكر المغربي عبد الله العروي
 
الرباط ـ القدس العربي : يعتبر عبد الله العروي صاحب كتاب الايديوليوجية العربية المعاصرة من اهم المفكرين العرب في القرن العشرين ولازال يلقي بين فترة وأخري أحجارا في بركة الفكر العربي يحرك مياهه ويثير جدلا في كل الاتجاهات.
عبد الله العروي كان ضيفا في برنامج وجوه وقضايا الذي تعده وتقدمه الكاتبة المغربية بديعة الراضي في القناة المغربية الاولي وذلك بمناسبة صدور كتابيه المغرب والحسن الثاني والجزء الثالث من يومياته خواطر الصباح اللذان أثارا الكثير من النقاش في مختلف الأوساط المغربية:

س : قضايا الراهن تدفعنا إلي سؤال أساسي، الراهن الأساسي العربي، واهتمام العروي بما هو شمولي يدفعنا إلي ربط هذا الراهن بالراهن السياسي العالمي؟
ج : جوابي سيكون صريحا وفي غاية الصراحة، وهو أنه يصعب علي التدخل في هذا النقاش أي الراهن السياسي لسبب واحد لا علاقة له بشخصي، وهو أني لا أستطيع كمؤرخ وكمحلل أن أقف عند الظروف الراهنة أحكم علي هذا ضد هذا، مع هذه السياسة أو ضد هذه السياسة. فلابد أني أري الجذور دائما عميقة ومتشعبة. وبناء علي هذا، فمنذ ما يقرب من ثلاثين سنة وأنا أكتب، وأكتب محللا أن هناك بعد الأمور الضرورية لنا، بالنسبة لوطننا الصغير أو بالنسبة للأمة العربية عموما. هذه الأمور تتلخص في نقطتين أساسيتين هو: الإصلاح السياسي والإصلاح الثقافي، والإصلاح الثقافي يتقدم علي الإصلاح السياسي.
والواقع الحالي نتاج أسباب وظروف متعددة، منها التدخل الأجنبي الذي لا أنساه ولا يمكن أن أضعه بين قوسين، لأن التدخل الأجنبي هو أساس ما نعانيه منذ أعوام. ومع ذلك يبقي أننا كمغاربة أو كعرب لم نقم بما يجب من إصلاح، أي خلق ثقافة عصرية تواكب العصر الذي نعيشه كما فعلت شعوب أخري.
ودور المثقفين في هذا الخضم دور أساسي وأقولها صراحة أنهم لم يقوموا- مع استثناءات- بدورهم لأسباب يطول الكلام فيها.
وبناء علي هذا فكل ما نعانيه يترتب علي تقاعسنا في الماضي، فلذلك لا أستطيع أن أحكم علي هذا ضد هذا في حين أن المسؤولية قديمة ومشتركة، بحيث الضرورة وهي إبدال ثقافة عتيقة بثقافة عصرية مواكبة للعصر الذي نعيشه وهو القرن الواحد والعشرين بعد الميلاد أو القرن الخامس عشر بعد الهجرة، وما دمنا لا نقوم بذلك فلا يمكن لنا أن نجتاز المصاعب، ولا أن نتفادى مصاعب أخري وكبيرة جدا.
س : المسؤولية يتحملها المثقف قبل السياسي؟
ج : أكاد أقول ذلك، لأن السياسي عليه إكراهات منها التدخل الأجنبي كما قلت. أما المثقف نظريا فهو حر، يقول ما يشاء في الداخل وفي الخارج، فأرض الله واسعة. وإذا  لم تستطع أن تقول ذلك في دارك فقلها خارج دارك، يبقي ما تقوله، وما قيل.. وأذكر أن كل الكلام الطويل والعريض كان عن الأصالة ومدة ثلاثين سنة : وماهي الأصالة؟ فالأصالة هي ما نراه الآن.. الأصالة ما هي الأصالة هي النتائج التي نراها الآن.
فإذا كنا نصفق لمدة عشرين سنة لكل من يتكلم باسم الأصالة، ورأينا النتائج فيما نراه كنتائج للأصالة، فلابد أن نستخلص النتيجة، وإذا كنا لا نريد ذلك ونتمادي في التصفيق، فكيف يمكن أن نري النتائج غير التي نراها.
ندعو اليوم للحداثة من بوابات متعددة بوابة الدولة وبوابة المجتمع المدني وبوابة الأحزاب السياسية إلي غير ذلك. هناك  أصوات تتعالي من أجل المطالبة بالحداثة لكن السؤال الذي يحاصرنا هل فعلا لنا شروط إنجاز هذه الحداثة ؟
الواقع أن هناك عملية التعريب. نطالب بكل شيء علي هامش الحداثة، لكن عمق الحداثة غائب.
ماذا يقول بعض المثقفين الآن. يتكلمون علي ما بعد الحداثة، كما لو أننا كنا قد حققنا الحداثة والآن نعيش ما فوق الحداثة كما لو كانت الحداثة موضة. فلما تتكلم علي المينيجيب مثلا، تقول الآن مر زمن المينيجيب ، وعندما تتحدث عن الحداثة، يقول الحداثة…. لا، الآن نحن ما بعد الحداثة، أين ما بعد الحداثة، في أي بلد في أي سماء.
س : لكن هناك دوافع لقول ذلك، تتعلق بأن الفكر يشتغل في جهة والواقع في جهة أخري؟
ج : هناك دوافع اقتصادية واجتماعية وكان من الواجب دراسة هذا الواقع، ولماذا أوجد هذا الواقع نوعا من المثقفين المتقاعسين أو المرتدين. وقد عملت علي دراسة جوانب في هذا الموضوع. لكن القارئ عموما والقارئ المثقف والأستاذ، يرفض هذا المنطق. وبما  أنه يرفض ذلك وتكون النتائج ما أري، أضطر إلي الصمت فماذا أقول، ماذا أقول ؟
س : الكل ينتظر ليسمعك باعتبارك مفكر له وزنه؟
ج : سأعيد ما قلته هو أن مهما كانت المصائب التي نعيشها، ونحن نعيش ذلك لمدة ثلاثين سنة ولكن كل مرة عوض أن نري أن الأساس هو أننا لم نقم بالإصلاح الثقافي الضروري والذي يرتكز عليه أساسا الإصلاح السياسي والاجتماعي نعاكس هذا المنطق ونقول لا الواجب هو التشبث بالأصالة دون تفسير ماهي حدود ذلك، يجب التشبث بها. لكن ماهو مدلول الأصالة.. ماهو ؟
س : هل المسؤول هي مسؤولية الدولة أم المجتمع المدني أم الحزبي أو ماذا؟
ج : كل واحد له حرية الحكم علي ذلك. أنا لدي موقف يرفضه الكثيرون وهو أنني أحمل أغلبية المسؤولية للمثقف الحر الذي له إمكانية الجهر بعقيدته. وفي غالب الأحيان لا يفعل ذلك. انظري إلي عدد  المثقفين المرتدين.. لماذا أقول المرتدين لأنهم يدافعون عن ما يسمونه الفكر الحر أو الحداثة الخ، لكنهم أمس وغدا، لأسباب كثيرة منها الإغراء المادي، قد يدافعون عن غير ذلك، وهذا الواقع منذ عشرين سنة أو ثلاثين سنة.
إذا  المسألة أخلاقية؟
طبعا، تكلمت في كتاباتي عن المسألة الأخلاقية، مع أني أعتبر أن بعض الظروف قد تدفع المثقف الي ذلك، منها حالته المادية الخ، لكن هناك مثقفين لهم حرية، ولأسباب يرتدون، وأعطيك مثالا بالمثقفين العرب الذين يوجدون خارج البلاد العربية تجدين أنهم كلهم مرتدين، لماذا؟ لأن الضغط عليهم في الخارج يجعلهم يرتدون إلي الرخاء عن موقف دفاعي. فعوض أن يتغلبوا علي هذا الموقف ويقولون أنا لا أهتم بالضيم الذي يلحقني وأنا في الخارج لكني أري أن الأمور من وجهة نظر المصلحة العامة وعلي المدي الطويل، فإنهم ينساقون مع العاصفة ويرتدون.
س : أي إننا أمام مأزق ثقافي وتاريخي، والسؤال ما العمل أمام هذا الوضع ـ خصوصا وانتم مفكر منتبه إلي الدروس التاريخية؟
ج : هذه هي النقطة الأساس. ففي غالب الأحيان المستمع أو القارئ يظن أن المثقف بما أنه يقول شيئا عليه أن يحقق ذلك الشأن بـ لا ـ لا هذا كلام لا معني له. أنا أقول ما ألاحظ لكن ليس أمامي الحل والعقد.
س : الحل والعقد بيد السياسي الذي له إكراهات أخري، لكنه لم يقم بالواجب.
ج : النقطة الأساسية في أول كتاب صدر لي عن الإيديولوجية العربية المعاصرة، كانت موجهة إلي رؤساء ـ ما كنت أسميه ـ الدولة القومية، كان عليهم أن يختاروا سياسة ثقافية تواكب الأهداف منها التصنيع والتحرير.. إلخ. لكنهم  كلهم ـ هؤلاء الرؤساء ـ اختاروا طريقا آخر وهو المصالحة مع القديم لدوافع سياسية؟
س : لكنك انتقدت بشدة حينذاك ؟
ج : نعم انتقدت بشدة.. لكن أنا لا أقول أنهم كلهم أخطأوا، لأنهم كانوا أيضا بين المطرقة والسندان، كانوا بين مشاكل داخلية وخارجية، فلابد لهم من مصالح، كما فعل نابليون مع الكنيسة في فرنسا في أوائل القرن 19، وهذه حالة تاريخية معروفة، لكن النتيجة هي النتيجة، وبعد ذلك توالت الامور ولم نر زعيما سياسيا قام بما قام به مثلا مصطفي أتاتورك في تركيا، لم نر ذلك أبدا، فكان يقال لنا انظروا تركيا، هاهي فعلت ذلك، ولم تتقدم ولم تصنع، لكن لنري النتائج بعد خمسين سنة أو ستين. طبعا هناك تفاوت بين الدول. فقد قلت في إحدى كتاباتي أن هناك مثالا بالنسبة لنا في المغرب فيما يتعلق بالدول القريبة منا، في العشر سنوات الأولي بعد الاستقلال، توجهت تونس إلي هذا الاتجاه، ونري الآن النتيجة فإننا عندما ننظر إلي حالة تونس الاقتصادية نجدها مبنية علي الإصلاح الذي قامت في الستينات، وذلك لم يمنعها من أن تري مشاكل أخري، ولكن عموما القفزة التي قامت بها تونس مكسب لا رجعة فيه.
س : صدر لكم مؤخرا كتاب خواطر الصباح في الجزء الثالث، وقد أعلنتم بالمعرض الدولي للكتاب بالدار البيضاء، أنكم ستتوقفون عن كتابة هذه الخواطر. أنا أسألك أولا أين يمكن أن تموضع هذه الخواطر بحكم أنك روائي وناقد ومؤرخ، فأي خانة يمكن أن تضع هذا المثن الذي سميته بالخواطر؟
ج : عندي عشرة أو عشرين كتاب كلها لكتاب مشهورين صدرت لهم خواطر، منهم أندري جيد، فرجينيا وولف.. إلخ. فالكتاب عموما كيفما كان اتجاههم، أكانوا يكتبون في التاريخ أو السياسة لهم مذكراتهم، وكمثال هناك المؤرخ الكبير مشلي له كتب تاريخية وله أيضا مذكرات أو يوميات لم تصدر إلا بعد خمسين سنة بعد موته وتعد من أحسن ما كتب.
س : كذلك خواطر الصباح، لا نقول من أحسن ما كتبتك ولكن من أجمل المحطات التي وقفت عندها؟
ج : كان من الممكن أن أتركها تصدر بعد وفاتي. لكني فضلت أن أنشرها لسبب واحد. أولا لأنه ليس من

المزيد

أضف الى مفضلتك
 

من ديوان السياسة:المفكر المغربي الكبير عبد الله العروي في جديده الفكري

 

كتبها ameur guenbour ، في 18 أكتوبر 2010 الساعة: 22:45 م

 

   من ديوان السياسة —-
                                              كتاب جديد للمفكر عبد الله العروي



المفكر المغربي الكبير عبد الله العروي في جديده الفكري
نبيل منصر
 

ينفرد عبد الله العروي، في الثقافة العربية الحديثة، بوضعية الكاتب الاستثنائي الذي يجمع في يده التي تكتب بين موسوعية القدماء وتخصص المعاصرين. وضعية جعلتْ مؤلفاته تنوء بحمولة فلسفية نفاذة، تجنح بها جهة العمق، الذي يجعل أسئلة المؤرخ تتبادل الإضاءة مع أسئلة المفكر، الذي يحمل على عاتقه رهان النقد والتنوير
لم يكن هذا الرهان مرتبطا بفاعلية ذهنية، لا تأخذ أسئلة الواقع بعين الاعتبار، وإنما كان دائما مؤطَّرا بخلفية الفكر التاريخاني، الذي يروم فهم الوقائع التاريخية، باستحضار سياقات بنائها، تشوفا لإمكانية تجاوزها، بما يصب في مصلحة اللحظة الراهنة، المحَررة من أثقال ماض كبير، لا يفتأ يعودُ بقوة سحرية تنفلتُ أحيانا من صيغ الضبط والتفكيك. 
لم يعد عبد الله العروي، في أعماله التحليلية الأخيرة، يحصر تأليفه في اهتمامات الأكاديمي الذي ينوء بحمله المنهجي والمفاهيمي الصارم، وإنما سمح لخياله الفكري بأن يجنح نحو التأليف الحر، المنبثق من معايشة وتأمل ملفوظات الواقع، الذي يصطبغ بكل ما يجعل منه موضوعا للنقد والتحليل، دون أن يمنع هذا الرهانُ الجديد المؤلفَ من استدعاء الخلفية التاريخية والتراث الثقافي، والملاحظة السوسيولوجية كعناصر مساعدة على الفهم والتحليل بل والتنظير أحيانا. هذا النمط من التأليف سار عليه عبد الله العروي، في كتابيه الأخيرين «السنة والإصلاح»(2008)، و»ديوان السياسة»(2009). وإذا كانت العقيدة هي مجال الكتاب الأول، فإن السياسة هي مجال الكتاب الثاني، الصادر بدوره عن «المركز الثقافي العربي». 
ينطلق الكتابُ من خلفية فلسفية تروم التعليم والنقد ورفع سقف الحوار إلى مرتبة مساءلة المرجعيات، المقدمات، وعدم الاكتفاء بالخلاصات والنتائج، مع فتح سجل الاستدلال ليشمل الحدث التاريخي والنص الثقافي سواء في شقه الفلسفي أو السياسي أو الأدبي، على نحو يسمح للقراءة بممارسة التفكيك وللتأويل ببناء المعنى السياسي والاجتماعي مرتبطا بتاريخ المغرب ودولته القديمة والحديثة. يقف المُحَلل، على امتداد المداخل التيماتية السبعين المُكَونة للكتاب، عند جُملَة من المفاهيم والقضايا، من بينها قضية «نوازع النفس» المُبَينة للفكر السياسي القديم، والتي تجعله يعرف السياسة كـ «فن توظيف النوازع»، وهو الفهم الذي ورثه فريق من مفكري العهد الحديث (ماكيافلِّي/هوبس/ مونتسكيو)، في الوقت الذي اتجه فيه فريقٌ آخر نحو تشييد نظرية مثالية، تنبني على أساس مفهوم «الفرد الحر العاقل، المنفصل عن الحيوانية، المُتَحكِّم في كل النوازع»(سبينوزا/ لوك/ روسو). 
يخلص عبد الله العروي، مدعما رأيه بموقف ابن خلدون، إلى أن النوازع هي المتحكمة، بعكس الاعتقاد السائد اليوم، في فهم الفرد للسياسة وممارسته لها. وهذه النوازع العامِلة فيه، هي، من جهة، «الخوف والحاجة والتوهم والطمع والرضى»، ومن جهة ثانية، «الطموح والغيرة والعدوان والثأر». وإذا كانت هذه النوازع، تعمل في مجال السياسة، فإن هناك أخرى مضادة لها «كالعطف والحنان والرحمة والوداعة والقناعة»، وهي تعمل في غير مجال السياسة:» ماضيا في الرهبانيات والأخوانيات والزوايا، وحاضرا فيما يُسَمى بالعمل الإنساني أو المدني»(ص8). 
إن ما يعني الباحث، برأي عبد الله العروي، هو «الإمساك بالنوازع المُؤثرة بصفة دائمة»، في المجال السياسي. وعلى رأسها نزعة «الخوف» التي سيخُصُّها بتأمل خاص، بناء على تغلغلها في المشهد العالمي، وهوما تؤكده، برأيه، أمثلة تاريخية «مِن روبسبير إلى ستالين ومن هتلر إلى صدام حسين». يسجل العروي وجود علاقة وثيقة بين الخوف والاستبداد. فـ «الاستبداد هو السياسة بدون قناع والخوف هو أول نزعة نفسانية. الاستبداد يمثل لب السياسة إلى حد أنه ينفيها. فهو بهذا المعنى تمامها وكمالها. والخوف هو الشعور الذي يقضي على كل ما سواه بل يستولي على النفس إلى حد الإفناء»(ص13

المزيد

أضف الى مفضلتك
 

جدلية النص.. والتأويل

 

كتبها ameur guenbour ، في 18 أكتوبر 2010 الساعة: 22:40 م

 

جدلية النص.. والتأويل :  صراع النظم المعرفية في التراث العربي الإسلامي
«وقد نبغ في زماننا مفسرون لو سئلوا عن الفرق بين التفسير والتأويل ما اهتدوا إليه، لا يحسبون القران تلاوة، ولا يعرفون معنى السورة أو الآية ما عندهم الا التشنيع عند العوام والتكسر عند الطغام، لنيل ما عندهم من الحطام، اعفوا نفسهم من الكد والطلب [...] يدرسون بالليل صفحا ويحكونه بالنهار شرحا اذا سئلوا غضبوا واذا نفروا هربوا».
[الإمام أبو القاسم محمد بن حبيب النيسابوري]
 أولا. من مدارات النص إلى بناء التأويل
لاشك أن اختيار الكاتب عبد القادر فيدوح لمقاربة نظرية التأويل في الفلسفة العربية الإسلامية هو اختيار منهجي ونظري صعب، ذلك لان هذا النوع من التقريب والقراءة هي بالأساس مغامرة فكرية عويصة.
وهذا يرتد إلى محاولة الباحث الإلمام بالهيكل العام للثقافة العربية ومكوناتها ونظمها المعرفية ونماذجها ومساراتها. والحال أن على طول خريطة العقل العربي القديم والحديث إنما نجد انتاجات فكرية وفلسفية ومذهبية هائلة، يعسر معها الإحاطة والإلمام. بدءا بـ (الإيديولوجية العربية المعاصرة) لعبد الله العروي و(نقد العقل الإسلامي) لمحمد اركون و(التراث والتجديد) لحسن حنفي مرورا بـ (نقد العقل العربي) لمحمد عبد الجابري و(نقد العقل الغربي) لمطاع صفدي وانتهاء بـ (فقه الفلسفة) لطه عبد الرحمان وغيرها من المشاريع القوية في البناء النظري والقوة المنهجية والصياغة الايديولوجية… والتي تحاول بصيغة أو بأخرى رسم معالم نظرية التأويل في ثقافتنا.
لذا كانت المحاولة المعرفية من قبل د.عبد القادر فيدوح معركة شاقة، وذلك لتداخل البنيات الفكرية والنظم المعرفية والمسارات الاجتماعية والإيديولوجية المساهمة في بلورة النماذج والصيغ، وتشكيل الحقائق والمقولات… لقد كانت بوابة الانخراط الفكري والنقدي ومبتداه في كتابه: (نظرية التاويل في الفلسفة العربية الاسلامية) (2005) للكاتب من خلال طرح مجموعة من التساؤلات الأساسية ذات الطابع النظري والإيديولوجي. وهي كما يلي «هل استطاع العقل العربي في منظوره الذي أسهمت الفلسفة في تحريره أن يقوم بالدور الفعال المستمد في معرفة الوجود لما هو موجود؟ أم أن مفهومه لم يتجاوز العقل العملي المكتسب من وصايا الثوابت؟ وهل استطاعت الفلسفة العربية ـ الإسلامية ـ في نظرتها التأويلية أن تميز بين المعقول واللامعقول في تطوير الفكر الإسلامي تباعا؟ وقبل كل ذلك هل نستطيع الحديث عن الفلسفة العربية الإسلامية بمعزل عن العقيدة؟ والى أي مدى استطاع هذا العقل أن يراهن على تحليل النص؟ وأي نص؟» [صفحة 11].
فلما كانت هذه الإشكالات الجوهرية ـ أعلاه ـ من صميم بنية العقل العربي وآليات اشتغاله واستثماره. فان الإجابة قد كانت معلنة في بدايتها، أعني بذلك أنه كان من اللازم على الباحث استثمارها كفرضيات.. لا مسلمات ثابتة أو خلفيات مسبقة. والحال أن تلكم الإشكالات قد كانت قوية في صياغتها وطرحها لدرجة أنها ترسم خريطة الفكر العربي الإسلامي القديم والحديث والمعاصر، بيد ان الاشتغال عليها كان اقرب الى الاختزال منه الى التريث والحذر النظري والمنهجي. وهكذا جاءت تلك الإجابات يسيرة ومعلومة. لأنها انطلقت من مدار النص الديني وتحولاته وتأويلاته، دون استشكال كثير من القضايا والأطروحات، والتي لم تكن في تاريخنا العربي والإسلامي إلا منبع الصراعات والفرق ونشوء المذاهب.. ومنها: " التأويل البياني وعلاقاته باللفظ والمعني" و"مسالة أصل اللغة التي هي أساس التفكير الكلامي والاجتهاد الفقهي" و"كذا مسالةالاعجاز القرآني" و "تأويل العرفان للرموز والإشارات في القران"… وغيرها من الأفكار والمشكلات النظرية والفكرية. وبهذا اكتفى الكاتب بالإشارة إلى أن مدار النص هو:"المرتكز الثقافي هو الذي يتحكم في الموقف من النص، وما إن تعددت الفرق والمذاهب حتى كثرت الاختلافات الخاصة في علم الفقه والمسائل السياسية"[صفحة 12].
لقد افتتح عبد القادر فيدوح نصه بالتمييز بين التفسير بالرواية والتأويل بالدراية، إن أن هاتين العمليتين إنما يرجعان إلى النص ومداره أي النص الشرعي… لذا سارع بعض المفسرين لترجمة دلالات القران ومعانيه: مجازه وحقيقته… ومن ثمة صار الحديث عن درجات أو مستويات التأويل: التأويل بالنظائر والتأويل بالحديث والتأويل بالمقتضى. ومن هنا فان للمتغيرات السياسية والإيديولوجية الحاصلة عصرئذ الدورالاساس في رسم أفق النص ومسار تأويله وتفسيره. ولعل هذا ما لم يشراليه الكاتب بصورة كافية وجلية كي يدرك إن «مصطلح التأويل في الفكر الديني قد تحول الى مصطلح مكروه لحساب مصطلح التفسير فان وراء مثل هدا التحول محاولة مصادرة كل اتجاهاة الفكر الديني "المعارضة" سواء على مستوى التراث ا م على مستوى الجدل الراهن في الثقافة». (مفهوم النص دراسة في علوم القران، نص حامد أبو زيد، ط2، 1994، صفحة 219). ومن ثم فان التفسير بالرأي قد كان نتيجة«تشعب المذاهب بدءا من اختلاف المسلمين حول مسالة الإمامة وهو ما جعلهم يستوحون من القران كثيرا من الإحكام والمفاهيم التي تلائم التيارات المذهبية مما يشجع على نشوء فرق دينية متفاوتة في الرأي» [صفحة44]. فالتأويل ومجالاته ومداره، هو الهاجس السياسي والإيديولوجي، الذي يحدد المفاهيم والمقولات حتى يتم استغلالها وتوظيفها في المعارك والصراعات.
لقد تمكن الشافعي من تقنين البيان وتحديد دلالته وأصول الفقه ودائرته. فكان من شرط التفسير والتأويل«معرفة قواعد الدين وأسسها المكنية واصول مباني الشريعة الأصلية واعتبروا ما لم يكن مطابقا للقواعد المهمة لاستنباط الأحكام الشرعية من باب وجهات نظر فاسدة». [صفحة45]. إن مقولة د. محمد عابد الجابري إنما تدل على ذلك الصراع المرير بين السلطة العلمية والسلطة السياسية

المزيد

أضف الى مفضلتك
 

 

 

كتبها ameur guenbour ، في 18 أكتوبر 2010 الساعة: 22:38 م

 

ما بعد التاريخ الجديد
فرانسوا دوس،التاريخ المفتَّت. من الحوليات إلى التاريخالجديد، ترجمة محمد الطاهر المنصوري، مراجعة جوزيف شريم، بيروت، منشوراتالمنظمة العربية للترجمة، 2009.
عبد الأحد السبتي - محمد حبيدة
مجلة رباط الكتب الإلكترونية، العدد التاسع
تظهر أهمية هذه الترجمة، التي اعتنى بها المؤرخ التونسي محمد الطاهر المنصوري في كونها تندرج ضمن رؤية معرفية تسعى إلى تقريب القراء العرب، المهتمين بالتاريخ والعلوم الاجتماعية عموما، من تيار التاريخ الجديد من وجهين، من الداخل، كما هو الأمر بالنسبة للكتاب الجماعي التاريخ الجديد الذي أشرف عليه جاك لوغوف، المترجم عام 2007، ومن خارج هذا التيار، على النحو الذي يجسده كتاب فرانسوا دوس التاريخ المفتت الذي يرسم تاريخا نقديا لنفس التيار.
في الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين ظهرت في فرنسا نزعة نقدية تجاه التاريخ الجديد الذي احتل واجهة الحقل الإسطوغرافي، بالتركيز على التمثلات الجماعية والبنيات الذهنية للمجتمعات، مع الجيل الثالث من مدرسة الحوليات خلال السبعينيات على وجه الخصوص بزعامة جاك لوغوف. وقد اتخذت هذه النزعة مظهرين رئيسين. مظهر تحفظي مثله مجموعة من الباحثين من داخل مدرسة الحوليات، المختصين في التاريخ المعاصر، والذين خلقوا مسافة معرفية حيال تصور هذه المدرسة وتوجهاتها. ونخص بالذكر بيير نورا الذي أحدث مجلة الحـوار (Le Débat)، منذ سنة 1980، وأعاد الاعتبار للبعد السياسي في الأبحاث التاريخية، وفرنسوا فوري الذي غادر رئاسة المدرسة العليا للدراسات في العلوم الاجتماعية (EHESS) بباريس عام 1985. أما المظهر الثاني فكان هجوميا، جسده باحثون شباب اشتغلوا حول تاريخ كتابة التاريخ، وخاصة منهم فرانسوا دوس في مؤلفه التاريخ المفتت (1987)، ومارسيل غوشي في مقال مرجعي منشور بمجلة الحوار عام 1988 تحت عنوان "تحول الباراديگم في العلوم الاجتماعية"، إذ انصب الاهتمام بالدرجة الأولى على "أزمة الهوية في البحث"، و"التشكيك المعرفي"، و"الفوضى الإبستيمولوجية".
من التاريخ الشامل إلى التاريخ المتشظي
يقترح فرانسوا دوس في دراسته النقدية هذه، التي هي في الأصل أطروحة دكتوراه السلك الثالث كان قد ناقشها عام 1983 بجامعة باريس 7 تحت إشراف جان شينو، تحقيبا يقوم على ثلاث مراحل أو عصور، لكل منها سياق عام، وأسماء بارزة، ومواضيع اهتمام، وعلاقة معينة مع مفهوم التاريخ.
العصر الأول: عصر التأسيس، يعود بالقارئ إلى زمن الأصول، منذ ما قبل الحوليات إلى التجديد الذي عرفته الكتابة التاريخية في سياق صدمة ما بعد الحرب العالمية الأولى التي خيمت على الثلاثينيات من القرن العشرين، والتلاقح مع سوسيولوجيين بارزين أمثال إميل دوركايم وموريس هالفاكس وفرانسوا سيميان، وجغرافيين كبار من طينة فيدال دو لابلاش وألبير دومانجون، الذي قاده "ثنائي استراسبورغ"، مارك بلوك ولوسيان فيفر اللذان انصب عملهما، من خلال مجلة الحوليات، على مناهضة الأصنام الثلاثة للتاريخ الوضعاني، أي السياسة والفرد والكرونولوجيا، ورموز هذا التاريخ، وبالأخص شارل سينيوبوس. لقد ناهض الحولياتيون الأوائل هذه المكونات السياسية كما لو أن الدولة والفاعل السياسي والحدث لا علاقة لهم بالمجتمع. وهذه الهجمات الممنهجة، اللاذعة في معظم الأحيان، والتي استمرت طوال العقد الثالث من القرن العشرين، هي التي أدت في نهاية المطاف إلى تهميش الأحداث والتقليل من سلطة الوثيقة المكتوبة، وبالتالي إلى انهيار التاريخ السياسي.
لقد تمحورت أعمال هذه المرحلة حول التاريخ الاقتصادي والاجتماعي، فبرزت سلسلة من الدراسات زاوجت بين البعدين الاقتصادي والاجتماعي، وتغذت من الماركسية، مثل أبحاث مارك بلوك، وخاصة المجتمع الفيودالي ، ودراسات أخرى تنبهت للبعد الجغرافي، كما يتبين في أبحاث لوسيان فيفر الذي وظف مفهوم المجال في عمله حول تاريخ منطقة الفرانش كونتي، أو في كتابه القيم الأرض والتطور البشري: مقدمة جغرافية للتاريخ.
العصر الثاني: عصر بروديل، وهو العصر الذهبي لمدرسة الحوليات. في هذه المرحلة من تاريخ هذه المدرسة، التي توافق ظرفية ما بعد الحرب العالمية الثانية وأولوية العامل الاقتصادي التي ميزتها، كرس صاحب البحر المتوسط والعالم المتوسطي في عهد فيليب الثاني جهوده من أجل فتح التاريخ أكثر فأكثر على مناهج العلوم الاجتماعية ومفاهيمها، وتناول الكتابة التاريخية من خلال تعدد الأزمنة أو الآماد، كشبكة مفاهيمية لإدراك التاريخ، من البنيات أو الزمن الطويل، إلى الأحداث، مرورا بالزمن الظرفي، الدوري، مع التركيز على الأمد الطويل ضمن مشروع "إعادة تنظيم مجموع العلوم الاجتماعية حول برنامج موحد تكون مرجعيته الأساسية فكرة الأمد الطويل". وهذه المرحلة التي تطور فيها التاريخ البنيوي، بشكل كبير، بالتنبه للاقتصادي والديموغرافي والجغرافي، كما يظهر في العمل المرجعي الآخر لفيرناند بروديل حول تاريخ الرأسمالية من القرن الخامس عشر إلى القرن الثامن عشر، وفي أعمال أخرى كثيرة لباحثين ساروا على هذا النهج البنيوي، الكمي، بلغ فيها إشعاع هذا الرجل، ومن خلاله إشعاع مدرسة الحوليات، درجة العالمية.
لقد أصبح فيرناند بروديل خلال الستينيات سيد الحوليات بدون منازع: "أمير التاريخ"، "أول المؤرخين"، "الرجل الذي أعاد كتابة التاريخ"، هكذا نعتته وسائل الإعلام، وهكذا نعته أتباعه الذين ظلوا "يقدسونه" رغم أنهم اختلفوا معه في الرؤية، وصاروا بكتابة التاريخ نحو وجهة أخرى.
العصر الثالث: عصر الأنثروبولوجيا التاريخية، أو تاريخ العقليات، إذ تركز اهتمام الجيل الثالث بزعامة جاك لوغوف على السلوكيات الجماعية والتمثلات والحساسيات. وهذا التوجه الجديد الذي نهل كثيرا من الأنثروبولوجيا تحكمت فيه ظرفية الستينيات، وما حملته من تطورات جديدة على المستوى العالمي، وفي مقدمتها تصفية الاستعمار، والتشكيك في مفهوم التقدم وفي مركزية الثقافة الغربية، ومن ثم الاهتمام بما افتقده الأوربيون من تقاليد في نسقهم الثقافي الوسيطي. وهكذا تناسلت سلسلة من الدراسات حول تاريخ الأطعمة، وتاريخ الجسد، وتاريخ المتخيل، وتاريخ الإحساس. لقد حوَّل جيل الحوليات الثالث وجهة الخطاب التاريخي بتطوير أنثروبولوجيا تاريخية أو ما يسميه دانيال روش بِـ "التاريخ الاجتماعي الثقافي". وردا على تحدي الأنثروبولوجيا البنيوية "ارتدى مؤرخو الحوليات لباس خصومهم الأكثر جدية وعبروا عن مواقفهم المهيمنة"، لكن الثمن الذي دفعوه مقابل هذا التحول هو "التخلي عن المجالات الاقتصادية البروديلية الكبرى"، والتراجع عن الاجتماعي لفائدة ما هو رمزي وثقافي.
وفي واقع الأمر تحيل هذه العصور إلى التغير الكبير الذي حصل في تناول التاريخ وكتابته، في سياق التأثر بتطورات المحيط الدولي والتفاعل مع العلوم الاجتماعية، ومحاولات هيمنة هذا العلم على الآخر. ويلخص فرانسوا دوس هذا الأمر بالقول: "كرد على التحدي الدوركايمي في بداية القرن [العشرين] قام التاريخ الحولياتي بتحطيم أصنام التاريخ التاريخاني الثلاثة: البيوغرافي والسياسي والوقائعي. وأمام تحدي كلود ليفي ستراوس في الخمسينيات قامت الحوليات مع فيرناند بروديل بمفهمة الأمد الطويل كتعبير قادر على توحيد العلوم الاجتماعية. وفي الستينيات، مكنت أعمال ميشال فوكو من إنهاء تحطيم البناء التاريخي انطلاقا من أشكال جزئية مناطقية مؤقتة للمعرفة. وبعد احتواء المدرسة الجغرافية الفيدالية علم الاجتماع الدوركايمي وعلم النفس التاريخي في الثلاثينيات، تم احتواء علم الاحصاء والديموغرافيا في الخمسينيات، ثم في الستينيات والسبعينيات تم احتواء الإثنولوجيا والأنثروبولوجيا". وهذا الاحتواء الأخير الذي يعرف بِـ "التاريخ الجديد" غابت عنه أسماء مهيمنة كما هو الشأن في المرحلتين السابقتين.
ويرى فرانسوا دوس، وهو يناقش هذا التغير الإسطوغرافي الضخم، من الحوليات إلى التاريخ الجديد، أن الانفتاح الواسع على العلوم الاجتماعية وتبني مناهجها إلى أقصى الحدود، خاصة مع الجيل الثاني، كان محاولة "لبناء سوق مشتركة لعلوم الإنسان الموحدة

المزيد

أضف الى مفضلتك
 

كتابة التاريخ عند فرناند بروديل

 

كتبها ameur guenbour ، في 18 أكتوبر 2010 الساعة: 22:37 م

 

 
بحر بروديل
محمد حبيدة - كلية الآداب والعلوم الإنسانية – القنيطرة
مجلة رباط الكتب الإلكترونية ، العدد التاسع
Fernand Braudel, La Méditerranée et le monde méditerranéen à l’époque de Philippe II (1558-1598), Paris, A. Colin, 1949, 2 volumes.
شكلت كتابات فيرناند بروديل في القرن العشرين محطة رئيسية في المسار الإسطوغرافي الغربي بوجه عام، والفرنسي على وجه التحديد، في سياق ما سمي بمدرسة الحوليات. وتوافق هذه الكتابات ظرفية ما بعد الحرب العالمية الثانية، التي تميزت بغلبة التحليل البنيوي، إذ اهتم الجيل الثاني لمدرسة الحوليات بالبنيات الاقتصادية والجغرافية والديموغرافية. ويظهر جهد فيرناند بروديل الإسطوغرافي في تناول التاريخ انطلاقا من تعدد الأزمنة أو الآماد، كشبكة من المفاهيم لإدراك التاريخ، من البنيات أو الزمن الطويل، إلى الأحداث، مرورا بالزمن الدوري، مع التركيز على الأمد الطويل، كما يتبين من خلال الكتاب المرجعي البحر المتوسط والعالم المتوسطي على عهد فيليب الثاني، وذلك ضمن مشروع صياغة جديدة للعلوم الاجتماعية حول برنامج رئيسي يتمحور حول مفهوم الزمن الطويل.
I- سياق إسطوغرافي كثيف :
منذ السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر كان قد بدأ حوار كبير بين التاريخ والعلوم الاجتماعية، وخاصة الجغرافيا وعلم الاجتماع وعلم الاقتصاد، تمهيدا لظهور تيار إسطوغرافي جديد هو الحوليات. وكان الفيلسوف الفرنسي هنري بير (HenriBerr) هو الذي أعطى انطلاقة هذا الحوار. يقول فيرناند بروديل: "هذا الرجل هو إلى حد ما الحوليات قبل نشوءها، منذ سنة 1900، وربما قبل ذلك، منذ سنة 1890. إليه يجب الرجوع إذا أردنا أن نعرف كيف بدأ كل شيء"1. لقد ساهم هنري بير في تطوير الكتابة التاريخية من خلال مؤسستين معرفيتين كبيرتين:
أولا، مجلة التركيب التاريخي التي أنشأها سنة 1900، والتي احتضنت صفحاتها مساهمات متعددة الاختصاصات، دعت معظمها إلى تحطيم الحواجز بين علوم الإنسان قصد الوصول إلى فهم عميق للواقع الاجتماعي. لقد شكلت هذه المجلة، حسب لوسيان فيفر (Lucien Febvre) في مقالة له تحت عنوان "من مجلة التركيب إلى مجلة الحوليات"، بؤرة انبثقت منها طموحات إنشاء مجلة جديدة تخدم هي أيضا المعرفة التاريخية وتقدمها، ألا وهي حوليات التاريخ الاقتصادي والاجتماعي2. ويلاحظ المتتبع لظرفية منعطف القرن العشرين المعرفية أن مجلة التركيب ظلت، على الرغم من النقاش العلمي العميق الذي أحدثته في الساحة الثقافية، على هامش الجامعة، وفي حاجة إلى "شرعية أكاديمية". أما مجلة الحوليات فقد ظهرت في قلب الجامعة، جامعة ستراسبورغ التي شكلت واجهة ثقافية لامعة ومجددة للفكر الفرنسي في وجه ألمانيا عقب الحرب العالمية الأولى3.
ثانيا، "أسابيع التركيب"، وهي ملتقيات فكرية منتظمة جمعت مثقفين من تخصصات مختلفة لطرح أفكارهم ومناهجهم: مؤرخون وجغرافيون وسوسيولوجيون واقتصاديون وفلاسفة، منهم المؤرخ الاقتصادي هنري هوسير (Henri Hausser)، والسوسيولوجي والاقتصادي فرانسوا سيمياند (François Simiand)، والسوسيولوجي موريس هالفاكس (Maurice Halbwachs)، والفيلسوف ليون برانشفيك (Léon Brunschwig )، والمؤرخان الشابان لوسيان فيفر ومارك بلوك.
لكن هذا الحوار ظل نظريا محضا، ولم يتجسد على نحو عملي في الأبحاث التاريخية. وهذا الانتقال باتجاه أعمال يظهر فيها بالملموس التفاعل بين التاريخ والعلوم الاجتماعية ارتبط بالمشروع الذي قاده كل من لوسيان فيفر ومارك بلوك اللذين وفرا الشروط المعرفية الضرورية للحوار المثمر، وذلك في ثلاثة اتجاهات:
  مع المدرسة الجغرافية التي كانت قد تألقت في بداية القرن العشرين بواسطة مجموعة من الجغرافيين الكبار، أمثال فيدال دولابلاش (Vidal De La Blache) وألبير دومانجون (Albert Demangeon)، إذ اقترحت "مقاربة شمولية لتحليل الواقع الاجتماعي بناءً على جدلية العلاقة بين الزمن والمجال والبشر، ممارِسة بذلك "تأثيرا مؤسسا" على المؤرخين، ومسهمة في التصور الجديد الذي حملته الحوليات4. ويُبرز كتاب لوسيان فيفر "الأرض والتطور البشري، مقدمة جغرافية للتاريخ" الصادر عام 1922، الاحتكاك الكبير بين التاريخ والجغرافية، وأيضا النقاش النقدي لبعض النظريات الجغرافية مثل "الحتمية الميكانيكية".
  مع المدرسة السوسيولوجية التي نشطت في نفس الفترة بفضل إميل دوركايم (Emile Durkheim) الذي حاول، من جهته، أن يجعل من علم الاجتماع علما موحِّدا لعلوم الإنسان، انطلاقا من مقاربة شمولية لفهم المجتمع. لقد لعبت السوسيولوجيا الدوركايمية، على الرغم من النقاشات الحادة مع التاريخ، دورا أساسيا في بلورة الرؤى الجديدة داخل مدرسة الحوليات. ويدل على هذا التلاقح كتاب مارك بلوك المجتمع الفيودالي، وحضور السوسيولوجي الدوركايمي، موريس هالفاكس، في هيئة تحرير مجلة الحوليات وقت انطلاقتها.
  مع علماء الاقتصاد الألمان، ولاسيما كارل ماركس (Karl Marx) وفون شمولير (Von Schmoller)، الذين قدموا للمؤرخين الفرنسيين الجدد أطرا نظرية وأدوات منهجية أساسية للتحليل التاريخي. على سبيل المثال، كان لهنري بيرين (Henri Pirenne) منذ سنة 1890، ومارك بلوك سنتي 1908-1909، احتكاك مع الاقتصاديين العاملين بجامعتي برلين وليبزيش، وحضور منتظم في ملتقيات المؤرخين الألمان السنوية5. ثم إن اسم المجلة الفرنسية الجديدة "حوليات التاريخ الاقتصادي والاجتماعي" التي أخرجها للوجود في يناير 1929 لوسيان فيفر ومارك بلوك، بتعاون مع المؤرخَين هنري بيرين وهنري هوسير، والجغرافي ألبير دومانجون، والسوسيولوجي موريس هالفاكس، وآخرين، اقتُبِس من اسم المجلة الألمانية "مجلة التاريخ الاقتصادي"6.
لقد خلق هذا الاحتكاك المعرفي والمنهجي العميق بين المؤرخين وجيرانهم في علوم الإنسان سلسلة من الأبحاث التاريخية، يمكن تقسيمها إلى نوعين كبيرين:
النوع الأول، ارتبط بأعمال منهجية حول البحث التاريخي، بيَّنت الإمكانيات العملية لاستفادة التاريخ من رصيد العلوم الاجتماعية. ومن أهم هذه الأعمال كتاب معارك من أجل التاريخ للوسيان فيفر، وهو مجموعة مقالات منهجية يمتد تاريخ كتابتها من 1906 إلى 1952، وكتاب مهنة المؤرخ لمارك بلوك، الذي يعد بيانا في المنهج، لم يتمكن صاحبه من إتمامه بسبب ظروف الحرب العالمية الثانية التي عصفت بحياته. وهذان الكتابان يزخران برؤى منهجية حفزت المؤرخين على متابعة نتائج الأبحاث الجغرافية والسوسيولوجية والاقتصادية، أي الخروج من الانغلاق التخصصي، وعدم الاقتصار على ما تبوح به الوثائق على النحو الذي أظهرته مدرسة السوربون التقليدية.
النوع الثاني، تجلى في أبحاث تاريخية ملموسة جسدت التلاقح بين العلوم، نذكر منها كتاب حركة الأسعار والمداخيل في فرنسا خلال القرن الثامن عشر لإرنست لابروس (Ernest Labrousse)، الصادر سنة 1933، وكتاب المجتمع الفيودالي لمارك بلوك، الصادر عام 1936.
II - ابتكار تعدد الأزمنة
هذا إذن هو الرصيد المنهجي والمعرفي الذي تشبع به فيرناند بروديل، لاسيما وأن هذا الأخير كان قد اشتغل في أطروحته حول الحوض المتوسط خلال القرن السادس عشر لمدة تقارب العشرين سنة تحت إشراف مؤسس الحوليات، لوسيان فيفر. فكانت الإضافة النوعية التي قدمها فيرناند بروديل، في أواسط القرن العشرين، هي ابتكار مفهوم الأمد الطويل ضمن رؤية تاريخية منسقة تقوم على أساس تعدد الآماد، أثرت تأثيرا محدِّدا في معظم الأبحاث اللاحقة.
يقول بروديل في مدخل أطروحته التي تقدم بها للمناقشة عام 1947، ونشرها سنتين بعد ذلك: "ينقسم هذا الكتاب إلى ثلاثة أبواب، كل واحد يعد في حد ذاته محاولة في التفسير. الأول يتعلق بتاريخ شبه ثابت، تاريخ الإنسان في علاقاته مع الوسط الجغرافي المحيط به، تاريخ بطيء السيل والتحول، مكون في الغالب من عودات ملحة وحلقات متكررة باستمرار… وفوق هذا التاريخ شبه الثابت يمتد تاريخ بطيء الإيقاع، وقد نقول عن طيب خاطر، إذا لم تنحرف العبارة عن معناها الكامل، تاريخ اجتماعي، تاريخ الجماعات والتجمعات… وأخيرا باب ثالث مخصص للتاريخ التقليدي، أو إذا أردنا تاريخ على

المزيد

أضف الى مفضلتك
 

تكوين المجتمع المغربي ج2 - بول باسكون

 

كتبها ameur guenbour ، في 9 سبتمبر 2010 الساعة: 16:57 م

 

ب-ولنأخذ حالة أخرى. حالة المجتمعالرأسمالي
إن تبلور العمل في صورة الرأسمال الأساسية في هذاالمجتمع. ذلك أن تقدم العلم والثقافة قد أتاح اكتشاف المكائد الكفيلة بتعليب العملالإنساني داخل الآلات، ثم أدى تعبئة عمل كتل بشرية متزايدة، باستمرار، ومتوفرة علىتقانة متنامية، إلى إكراه المجتمع على ابتكار ضمان الشغل واستقرارية العمل، لكيلايتم تبديد وتشتيت الرسملة التقنية التي تحققت في العمال. ثم أخذ المجتمع بعد ذلك فيمفاوضة المأجورين الذين انتظموا شيئا فشيئا في النقابات. أما على المستوى القانونيفإن ما يميز هذا المجتمع هو قيامه على العقد، أي أنه يبحث باستمرار على تقنينعلاقات القوى بين المنتجين بواسطة النصوص التشريعية والاتفاقيات والدساتيروالمؤسسات. كل شيء منظم قصد تمكين الرأسمال من التراكم ولأجل تحقيق الربح. وقصارىالقول أن المجتمع الأبوي كان ينتج البشر، في حين يعمل المجتمع الرأسمالي على إنتاجالسلع والربح.
ج-إذا ركزنا التحليل على بعضالملامح المميزة للواقع الاجتماعي، فإننا نستطيع، بناء على الحقائق التي وفرها مايقرب من قرنين من البحث الاثنوغرافي إنشاء عدد ضئيل (حوالي عشرة) من المجتمعاتالنموذجية. وإذا كان آخر تصنيف كامل، نسبيا، لأنواع المجتمعات من وضع كورفينش GURVICH، فإن المناقشات الأخيرة في كل من المدرسة التطبيقية للدراسات العليا E.P.H.E ومركز الأبحاث والدراسات الماركسية C.E.R.M، حول نموذج الإنتاج الآسيوي، قدزادت شيئا ما من هذا العدد.
إلا أن حدود هذه النماذج متمثلة في عدم واقعيتهاوطابعها المصطنع وسهولتها المغرية، تلك التي تدفع بالملاحظ إلى الاعتقاد في فهمشيماتيكي للنمط الذي ينتمي إليه مجتمع محدد، انطلاقا من بعض الخصوصيات. ويتجلىالخطر الآخر في ترك الملاحظ بدون أية إمكانيات أو وسائل، حينما يجد نفسه أمام خاصيةلا تتجاوب مع النموذج، الشيء الذي يدفعه إلى تصور وجود أجناس وأنواع كثيرة داخلالنموذج الواحد. والحقيقة البديهية هي أنه لا وجود لمجتمع نموذجي، ذلك أن تشكيلاتاجتماعية منسجمة تمام الانسجام ستكون، لو كانت موجودة، بدون تاريخ وبدون تبدل، وسوفتعيد إنتاج نفسها وفق صورتها الأصلية، بدون انقطاع، تماما مثل ميكانزمات الساعةالتي تسيرها حركة أبدية.
5-ما هو المجتمع المركب SOCIETE COMPOSITE
إن المجتمعات التاريخية والفعلية هي بطبيعة الحالمجتمعات متنافرة، مركبة ولا منسجمة. وتكتشف على مختلف مستويات واقعها الاجتماعيمعالم متناقضة، معللة في جزء منها بمنطقها الداخلي، وفي جزئها الآخر بالتأثيرالخارجي، وفي جزئها الأخير بالثوابت التاريخية، في تداخلاتها مع أنماط أخرى منالتشكيلات الاجتماعية. وسرعان ما تتضح لنا استحالة إنشاء نمط لمجتمع فعلي بدونالرجوع إلى التاريخ والبيئة (وكذلك لتاريخ البيئة، بداهة). وحتى بالنسبة للمجتمعاتالمكون، ظاهريا، من لا شيء –وأعني المجتمع الشمال أمريكي-، أو بالنسبة للمجتمعاتالتي بقيت مغلقة لمدة طويلة (البداوة العربية أو الصحراوية والطوائف الجبلية) فإننمط المجتمع الخالص أو المجتمع النموذجي غير ملائم.
ومع ذلك، فبإمكاننا أن نكشف، عند التحليل، ونبرهن علىوجود ملامح تخص هذا أو ذاك من المجتمعات المرجعية. ونخلص من هذا، بسهولة إلى الطابعالمركب لمجتمع الفعلي، كما لو كان –من وجهة نظر ميكانيكية صرفة- مكونا من أجزاءوأعضاء لمجتمعات نموذجية مختلفة، إما متجاوزة، تاريخيا، وإما واقعة على المحيط.
ففي المجتمع المغربي، مثلا، هناك تعايش بين الشراكةوالعمل المأجور والتعاون. كما أن هناك تعايشا بين الطاقات البشرية والمائيةوالميكانيكية والكهربائية. ويوجد الحق الأبوي في تعايش مع التقاليد القبلية والنظامالفيودالي والتشريع القرآني والقانون العصري. وتتواجد المؤسسة العائلية مع الجماعةالقروية وشبكة الأسياد والدستور. ونجد عبادة الأموات جنبا لجنب مع الممارساتالسحرية-الدينية والإسلام والعلم الحديث الخ… الخ..
بإمكاننا مضاعفة الأمثلة إلى ما لا نهاية. ويظهر اطلاعسريع على حقائق الأمور أن هذه الوضعية أبعد ما تكون عن الاختصاص بمجتمع معين وعلىأن هذا التفكير عادي وعام في نهاية المطاف. والسؤال المطروح هو معرفة كيفية استعمالهذا المعتاد لكي نتمكن من بناء مسألية إجرائية لفائدة تصنيف سليم.
إن الحديث عن التعايش بين الخصائص المختلفة يخفيالطبيعة الحقيقية للعلائق القائمة بين الوقائع الاجتماعية. ومن الواضح أن إثبات هذاالتعايش يعتبر لحظة نافعة وحيادية أثناء ملاحظة خاصية التعدد التي تطبع المجتمع. إلا أن الوقوف عند هذا الحد يعود بنا إلى فكرة المجتمع- «الجوطية» Société bric-à-bracحيت تتواجد جنبا لجنب الأشياء الثمينة والمنحطة، ومثلما تتعايش داخلهبقايا الماضي مع التجديدات الاجتماعية-التاريخية.
والحقيقة هي أن الوقائع الاجتماعية تدخل في تأليف معالواقع الاجتماعي على اختلاف مستوياته وتشكل أسبابا ونتائج لوقائع اجتماعية أخرى. فلا وجود لبقايا وآثار ليست لها قيمة ذاتية أو بدون تأثير على الواقع. كما لا وجودلمستحدثات لم تخلق انطلاقا من الواقع التاريخي. ومما لا شك فيه أن أداة معينة –كالشاقور الحجري مثلا- يمكن اعتبارها أثرا تاريخيا، بحيث لا يمكن استعمالها كشاقورفي مجتمعنا. إلا أنها تلعب في نفس الوقت، بالنسبة لمجتمعنا دور الشاهد العلميوالمنشط الفكري الباعث على الإيمان بالتطور والتقدم، الشيء الذي يزيل عن هذه الأداةكل صفة أثرية.
إن التعايش بين وقائع اجتماعية لا متجانسة ومتباعدةتاريخيا، من الناحية الظاهرية، هو في الواقع تعايش لا سلمي. ذلك أن التضاد هوالقاعدة التي تحكم العلاقات فيما بينها. ثم أن تناقضاتها تحتمل التجديد بل وحركةالمجتمع نفسها. والتغيير الاجتماعي ليس تعويض نموذج للإنتاج بآخر أو تشكيلةاجتماعية بأخرى، ولكن الصراع الدائم في مجتمع حقيقي معين بين جميع مكونات هذاالأخير وعلى كافة أصعدة الواقع الاجتماعي: من التكنولوجيا إلى الايدولوجيا. أي علىصعيد العلاقات الإنتاجية والاجتماعية والقانونية وعلى مستوى المؤسسات والمعتقداتوعالم الرموز… وعلى مستوى التجريد يستحيل إعطاء الأولوية لأحد هذه المستويات علىالأخرى باعتباره أكثر فعالية وتأثيرا، لكون الأمر يختلف حسب الحالات. وها هنا يمكنالاستفادة من الثروات التي تتيحها الدراسات المونوغرافية.
أ-على مستوى التكنولوجيا، لنأخذ مسألةالطاقة بالمغرب.
ففي المدن نجد الطاقات الكهربائية والغاز والمازوت هيالسائدة وفي طريقها نحو السيطرة التامة. كما نجد أن العربات التي تقودها الجياد (الفياكر) قد اختفت والمطاحن تشتغل بالكهرباء والأفران بالمازوت. وقد دخلت هذهالطاقات الجديدة في تنافس مع الطاقات الحيوانية والإنسانية وانتصرت عليها، نظرالانتظام المجتمع برمته بكيفية قوت من قدرتنا على المنافسة. ثم إننا نجد التموينالذي يغطي المسافات البعيدة قد تحقق وأحيانا بفضل الاتفاقيات الدولية. كما أنالتقانة اللازمة للقائمين على التجهيز الكهربائي والتسخيني أصبحت مضمونة بفضلانتشار المدارس الخ… لكن ما أن نبتعد عن مدينة الرباط ببضع عشرات الكيلومترات حتىنجد الطاقة الكهربائية في تلاشي مطرد، يتلوها في ذلك الغاز ثم المازوت نفسه، لكيتعوض بالطاقات الحيوانية أو المائية البسيطة (المراوح). ويشكل تثبيت مضخة آليةمشكلا كبيرا بسبب بعد الميكانيكيين وصعوبة التموين من حيث قطع الغيار والفيولالخ… وعلى عكس ما رأينا آنفا فإن الآلات الخشبية والطاقات الحيوانية والمائيةشديدة المنافسة هنا بالقياس إلى الطاقة الحديثة. وكلما توغلنا في الجبال لاحظناالمنافسة قائمة بين الطاقتين الحيوانية والبشرية. هناك إذن نوع من التمركزية فيالتنافس القائم بين الطاقات والمستويات التكنولوجية في هذا البلد.
ب-ولنأخذ على سبيل المثال نية المشرع فيتغيير الإيجار بالقرى (نسبة الريع العقاري ومدة الكراء…)
في لحظات محددة من التاريخ وفي مناطق معينة نلاحظ أنمميزات الإيجار المطبقة فعلا (أي النسبة والمدة) خاضعة لمجموعة من العوامل. بداهةنجدها مرتبطة بعلاقات القوى القائمة بين ملاك الأرض ومالكي قوة العمل. لكنها مرتبطةأيضا بتوزيع الأرض والتكنولوجيا ونظام الأسعار ونوع الاقتصاد (تبالي، كفائي) والتنظيم الاجتماعي (نظام الأحلاف) والايدولوجيا (قدسية الملكية) الخ… وهكذافبإمكاننا الإتيان بالمزيد من العوامل المتحكمة في نسب ومدد الإيجارات القائمةوننطلق منها للمغامرة في تعيين العوامل الراجحة التي يجب التأثير عليها، كالتشريعالجديد المفروض بواسطة القوة العمومية، مثلا. غير أنه سرعان ما يتضح، أمام التحليل،بأن إغفال العوامل الاجتماعية السائدة فعلا أو الاختيار فيما بينها، بناء على رؤيةإيديولوجية أو دوغمائية للواقع، مخاطرة كبيرة. ذلك أن الأسئلة الرئيسية التي تتطلبالجواب لا تتعلق فقط بالعلاقات القانونية ولكن بالتناقضات السائدة في المجتمع. فكيفيتطور هذا الأخير؟ وإذن فلن يمكن تناول مشكل تغيير النسب إلا بالانطلاق من المعرفةالشاملة للمتضادات الأساسية، ليس فقط على مستوى المجتمع بأكمله، ولكن على مستوىالعوالم الصغيرة التي تمثلها المناطق والقرى.
ج- ولنأخذ الآن مستوى العلاقاتالاجتماعية
استطيع الإتيان بنفس الوصف. ففي المدينة يوجد إجراءقارون ومختصون، يتمتعون يضمان الشغل واحترام نسبي للحقوق النقابية والضمانالاجتماعي وربما بحق الاستشفاء والتقاعد إلى غير ذلك من الأشياء التي أصبحت منمتطلبات المستوى العالي للتقانة. وكلما ابتعدنا قليلا وجدنا أنفسنا أمام إجراءمؤقتين، فصليين، بدون أية ضمانة، إلا ما كان من أجرة محددة تؤخذ في آخر النهار أوعند نهاية كل أسبوعين. وكلما ابتعدنا أكثر وجدنا الشركة والخماسة، أي أجرة غيرمضمونة تؤخذ من منتوج العمل بعد تأدية الديون المستحقة. وكلما زدنا توغلا وجدنانماذج إنتاجية أخرى تميزها قنانة تكاد تكون كاملة أو عمل عائلي لا يؤدي عليه.
وبالإمكان القيام بنفس الوصف على مستوى العلاقاتالقانونية والإيديولوجية، بالنسبة لجميع المستويات وكافة العوامل المؤثرة فيالمجتمع، وصف ليس في واقع الأمر شيئا آخر غير الذي تقومون به أنتم أنفسكم، كليوم.
لقد تتبعت في هذا الوصف خط الابتعاد عن المدينة. لكنهذا مجرد خدعة. والحقيقة، كما تعلمون جيدا، فهذا موجود في المدينة الواحدة. ويكفيأن ننتقل في مدينة الرباط من حي إلى حي لكي نمر من علاقات اجتماعية منتمية لمجتمعرأسمالي جد متقدم إلى علاقات اجتماعية فيودالية أو شبيهة بالرقية. المدينة الواحدة! ماذا أقول؟ أحيانا نجد في العائلة نفسها مالكا رأسماليا، لديه خادمة تخدمه مقابلالإعالة، على الطريقة الفيودالية، وفي نفس الوقت ولدا مناضلا تقدميا. لكن هذا موضوعسنرجع إليه فيما بعد.
إن الوقائع الاجتماعية المتبارية في المجتمع الواحدتمتلك قدرات متباينة على التنافس حسب الزمان والمكان. إلا أن هناك على المدى الطويلاتجاها نحو هيمنات لا رجعة فيها، وإن كنا أحيانا شهود تراجعات مؤقتة.
6-مجتمع مركب أم مجتمعانتقال؟
لكن لنعد إلى وصف المجتمع المغربي. نستطيع أن نقول منذالآن على أنه مجتمع مركب، بمعنى أنه لا ينتمي لا إلى هذا الصنف ولا ذاك، بصفةأصيلة، وإنما تساهم مجموعة من النماذج الإنتاجية في تكوينه الاجتماعي. فما

المزيد

أضف الى مفضلتك
 

تكوين المجتمع المغربي ج1- بول باسكون

 

كتبها ameur guenbour ، في 9 سبتمبر 2010 الساعة: 16:54 م

هناك تاريخ مكتوب، هو تاريخ السلالات الحاكمة والملوك، تاريخ المعارك الظافرة أو الخاسرة، ضد المنافسين المحليين أو الغزاة الأجانب. إلا أن هذا التاريخ لا يعلمنا شيئا ذا بال، ما خلا بعض الوقائع التي نستطيع التقاطها وجمعها فيما بين السطور.

وبإمكاننا إعادة كتابة هذا التاريخ بواسطة أدلوجة مخالفة للسير السلالية المقدسة أو للامبريالية الاستعمارية: وقد يمدنا هذا التاريخ المجدد بالقوة التي ستمكننا من التخلص من الأداليج السابقة. غير أنه مثل سوابقه لن يعلمنا شيئا كثيرا، ما عدا اكتساب وسيلة تمكننا من تنظيم نفس الوقائع والحكم عليها، على شاكلة مغايرة.

كما أن هناك اثنوغرافية مكتوبة من طرف المحتل، انتهت إلى إثبات وجود فروق جهوية فعلية، لكنها كانت مصحوبة بنية معلنة في العمل على استغلال هذه الاختلافات من أجل التفرقة، بحجة سكونية ما سمي بالأجناس غير قابلة للانصهار فيما بينها.

وبمقدورنا اليوم إعادة كتابة هذه الاثنوغرافية، على أساس إنقاذ محصول غني من الوقائع الثابتة علميا، وإن كانت هذه الأخيرة قد سخرت سياسيا، لأهداف غير علمية. وإذن فباستطاعتنا تحويل هذا الكنز وهذا التنوع إلى ثروة ثقافية. إلا أن هذا العمل لن يؤدي في أحسن الأحوال سوى لتكوين متحف فولكلوري وإلا إلى تجميع وقائع هي بدورها غير قابلة للتجانس.

وعليه، فيظهر لنا أن المهمة الأكثر استعجالا ونجاعة هي التي تحدد كموضوع لها إيجاد التفسير عبر التاريخ، لا لكيفية تكون الأمة المغربية، الشيء الذي سيرجع بنا إلى المتاهات الأولى، ولا لكيفية تشكل الثقافة المغربية، وهو ما سيقودنا إلى المتاهات الثانية، وإنما للطريقة التي تم عليها تكون المجتمع المغربي. ذلك أن هذه الطريقة تمكننا في آن واحد من التوصل إلى فهم علمي للنوعين الآخرين من القضايا اللذين تمثلهما الأمة والثقافة.

إن مشروعا من هذا النوع لا يمكن أن يكون ثمرة عمل إنسان واحد، في يومنا هذا. وفيما يخصني فليس لي لا من الطموحات ولا من الكفاءات ما يسمح لي بانجاز هذه المهمة لوحدي. ما أنوي القيام به بكل بساطة، هو محاولة تمهيد الطريق في هذا الاتجاه، بواسطة مجموعة من المحاولات والأخطاء، لكي يصبح بالإمكان، وفي آن واحد، إعادة تأويل الوقائع المتراكمة للتاريخين الاستعماري وما قبله، ومن أجل فتح سبل جديدة أمام البحث الاثنوغرافي والسوسيولوجي، بالمغرب.

1-لماذا تختلف المجتمعات، الواحدة عن الأخرى؟

سبق لعبد الله مازوني أن أبدى تبرمه من المواقف المتميزة بالحشو، لبعض مواطنيه، حينما كتب: .«لقد أصبح من باب تحصيل الحاصل أن هناك خصوصية جزائرية، من شدة ما تكررت هذه الفكرة لدرجة أن كل شيء، أو تقريبا كل شيء خصوصي في الجزائر. الإنسان، المشاكل، الحلول، الاشتراكية، الثقافة، السينما، المسرح، الموسيقى بل وحتى البرتقال. وعلى هذا النحو، نلجأ لاستعمال النعت «خصوصي» والاسم «خصوصية» في كل المجالات، وكأنهما أداة تفسير كونية، لما لهما من مفعول سحري ودلالات ثرة».

إن التيار الفكري المدان هنا، ليس في الواقع جديدا. ومن المفارقات العجيبة التقاؤه مع التيار الذي يدعو إلى سكونية الأعراف والعادات كتبرير للجمود والمحافظة. وإن المعني الحقيقي لأقوال مثل «هكذا خلقنا» و«تلك طبيعة الأشياء» لهو تبرير تقطيع العالم على هويات مجانية من طرف المستفيدين الحاليين من هذه الوضعية. وفي العمق فإن هذا الموقف الفكري لا يعدو أن يكون تحديثنا بسيطا لخلفيات باحثي الحقبة الاستعمارية من اثنوغرافيين وفولكوريين.

إلا أن هذا لا يتنافى مع الحقيقة القائلة بالاختلاف الفعلي للمجتمعات، بعضها عن بعض، في فترات معينة من التاريخ، واتصافها بنوع من «الخصوصية». وبمعنى أنه لا يمكن مقارنتها مع أي مجتمع آخر، وكونها تسلك في تحولاتها مسارات منفردة.

ونخلص من هذا إلى أن انتقاد أسلوب النفاق –أو الهوس- الكامن في الاعتصام خلف الخصوصية الفاتنة يعتبر ممارسة ناجعة لصالح الوقاية الفكرية، شريطة الاعتراف بالواقع المنفرد لمجتمع ما، ومحاولة تشخيص هذا الواقع، بصورة أفضل، وعلى أساس بذل المجهود المطلوب من أجل تفسيره.

إن القول باختلاف المجتمعات يفرض في حد ذاته وضع التساؤلات حول الأدلوجة الثاوية خلف تأملات عالم الاجتماع أو المؤرخ، عن وعي من طرفهما أو دون وعي بها. وكان المرفوض أن يكون من واجبنا قبل الإقبال على المغامرة العلمية، التصريح لدى الجمارك الابستمولوجية للعلم بنوعية السلع الفكرية التي نحملها، تحت مظاهر الكلمات وبطاقات الفرضيات.

إن أقل المحادثات شأنا، إزاء هذه المسألة، سواء كانت بسيطة أو متعالمة، لتثير الكثير من الغرابة، وكأن لم تكن للعلوم السياسية دوما سوى إسقاطات ضعيفة على التعليمين الثانوي والعالي. هناك افتراضات، بل ومسلمات متفيهقة في هذا الخصوص. ولكي نتمكن من إدراك مداها سنعمل على عرض ديوان من الحماقات المناقضة للسوسيولوجيا، كعلم.

أ-النظرية العنصرية أو المتسترة خلف العرقية هي الأكثر ذيوعا

تؤكد هذه النظرية أن مجتمعا ما يختلف عن مجتمعنا لكون أعضائه مختلفين عنا: أي أن بيننا وبينهم فروقا طبيعية تكاد تكوون قطيعة، ثابتة ونهائية، خصوصا عندما يكون أفراده جد مختلفين عنا من الناحية الجسمانية، من جراء لون البشرة أو القامة أو نسق الشعر، أو أحيانا بسبب الاختلاف في المظاهر المرتبطة بنموذج الحياة، بل وحتى بفعل المغايرة الناتجة عن مظهر جد مؤقت مثل اللباس. وتعتبر العرقية ETHNISME بدورها مقدمة للعنصرية أو عنصرية غير مكتملة بمجرد ما تنسب لشعب ما «نفسانية أساسية» مع اعتبار هذه الأخيرة معطى أوليا بدل معالجتها على أساس كونها منتوجا مجتمعيا ليس غير. وحتى ابن خلدون لم يستطع مقاومة هذا الإغراء عندما كان بصدد الحديث عن الشعوب المغربية. أما بالنسبة للاثنولوجيا الاستعمارية فإن أوج السياسية التي كانت تنهجها قد تجلى في إقامة تعارضات من نوع التعارض بين العرب والبربر، ذلك الوهم الذي لم يعدم حتى الآن من يعتقد فيه. وما يزال بين معاصرينا اليوم من يصدر أحكاما مسبقة على سكان مدينة أو ناحية ما، لا من أجل الفكاهة، ولكن لاتخاذها أسسا للتفسير السياسي، بكل بساطة.

إن العنصرية والجنسية ETHNISME تصدران في الواقع عن تيار كامل من المواقف و«التفسيرات» حيال «طبيعة» المجتمع المغربي، شبيه جدا، في عموميته، بمنظور الكيمياء الوسطوية للعناصر المادية للكون، من حيث أنها ثابتة ومتعارضة: كالنار والماء والتربة الخ. وما ترك المجال فسيحا أمام هذه الفيتيشية FETICHISME هو غياب نظرية جدية، حتى لو كانت بسيطة، وعلى شكل خطاطة، بل حتى ولو كانت خاطئة نسبيا، إلا أنها مع ذلك معممة على نطاق واسع.

ب-أما النظرية الجغرافية فأكثر رقة: وبحسبها فإن المجتمعات تختلف بعضها عن البعض الآخر، لوقوعها داخل مناطق «طبيعية» مختلفة (هذا بدون اعتبار الخصوصية الانتروبولوجية لمفهوم المنطقة الطبيعية). وهكذا فللمناخ وللنواحي التي يعيش فيها الناس مفعول على العادات والقوانين ونظام الحكم ومستوى الحضارة. وفي هذا الإطار فإننا نجد ابن خلدون، مرة أخرى، يثير مسألة تأثير الصحراء على المجتمعات الظاعنة. كما نجد مونتسكيو مصرا على مفعول المناخ في الأمزجة وروح الشرائع. بل أننا نجد في المغرب بعض المؤلفات التي لا تغفل عن إثبات العلاقة بين المناخ والتنقل الموسمي، مع أن مجتمعات مستقرة قديمة كانت متواجدة تحت مناخات مشابهة أو أكثر قساوة بل وأكثر تعارضا. وأمام هذه الحجة يصيح أصحاب الرأي السابق: لكن الأمر يتعلق في هذه الحالة إما ببني هلال وأما بالأمازيغ أي بالعنصر الليبي-البربري. وبعبارة أخرى فإن العرقية والنظرية العنصرية تأخذان، مجددا، في الظهور.

ج. تبتدئ مرحلة التعميق النظري التعميق بظهور النظريات التطورية. وبالنسبة لهذا الأخيرة، فإن السبب في الاختلاف القائم بين المجتمعات راجع للدرجات المتباينة التي تحتلها في سلم التطور، باتجاه تحقيق التقدم الذي يتحقق عبر سلوك مسار خطي LINEAIRE ووحيد. وإذا كانت دواعي الحيطة قد حالت دون التعبير عن الأشياء بهذا الوضوح التام، فإلى ذلك يعود جوهر النظريات التطورية، على العموم. وكيفما كان الأمر فلن يعود العنصر أو الجغرافية هما المحددين لـ«طبيعة» المجتمع، وإنما يجب البحث عن جوانب لهذه المسألة في التاريخ الخاص الذي مكنه من تجميع قسط من التجارب والتقدم، على منوال مغاير (لماذا؟ وكيف؟) لبقية المجتمعات. وبما أن مفكري القرن التاسع عشر الاشتراكيين كانوا سباقين إلى تطوير هذه الأفكار فإلى التيار الفكري الاشتراكي، على العموم، ترجع مساندة هذه التطورية، الحتمية، اللارجعية والسائرة وفق خط وحيد.

د- ثم جاءت النظرية الوظيفية الأكثر تفقها، وإن كانت متهمة بالسوداوية، لتزعزع أركان هذا النسق الجميل والمتصاعد. وحسب هذه النظرية، فمرد الاختلاف الحاصل بين المجتمعات إلى مشيئة الصدفة وإلى نتائج المحاولات والأخطاء المكتنزة عبر التاريخ. فعلى شاكلة التنظيمات البيولوجية، هناك بعض المجتمعات التي تتوفر أكثر من غيرها على «قدرة» في مجال من المجالات. فقد يكون هناك ميلان نحو تضخيم المقدسات، كما قد يكون هناك نزوع تجاه التضخم التقني. وعلى هذا النحو (؟) فإن مجتمعا ما قد يكون مجرورا نحو إنتاج المزيد من السلع، في يحن يساق الآخر نحو إنتاج المزيد من الأداليج أو الديانات: ومرجع الاختلاف في هذا الشأن إلى «حاجيات» الشعوب المعنية وإلى المنافسات فيما بينها. وإذا كان هناك من تغاير بين تطور الأنواع البيولوجية وتطور «الأنواع» المجتمعية فإن العلة في ذلك تئوب إلى السرعة في إيقاعات التبدل بالنسبة لهذه الأخيرة، وعلى الأخص إلى ظواهر المثاقفة (لكيلا نسميها ظواهر التدجين) التي أصبحت تفرض نفسها كقاعدة، على مر الأيام. واستنادا إلى هذه النظرية، فإن المجتمعات حينما تدخل في علاقات فيما بينها تصبح في نفس الوقت متنافسة في هذا المجال أو ذاك، مما تنتج عنه السيطرة المتبادلة أو الكلية، ومما يؤدي في نهاية المطاف إلى تغيير كبير في كينونتها، جميعا.

وبالنسبة للمغرب، لم تكن هناك حاجة إلى «توظيف» هذه النظرية، ذلك أنها كانت معاشة بحدة، لدرجة صرنا معها عاجزين عن إدراك التخلف على أساس كونه سيطرة، ليس غير.

ه- ثم ظهرت البنيوية التي طمحت لأن تلعب دور الطليعة في هذا النوع من الأبحاث. وتبسيطا لهذه النظرية –التي نجدها مع الأسف، مبثوثة في نصوص عسيرة الفهم، غامضة غالبا إلى الحد الأقصى، وإن كان هذا التبسيط يحتمل إثارة الجدال مع معتنقي هذه المدرسة، فإن الفروق التي يمكن ملاحظتها بين مختلف المجتمعات ما هي إلا سطحية وثانوية. فالإنسانية واحدة، ووظائفها الأساسية مكفولة في كل مكان، تبعا لعدد محدود من الأشكال الممكنة. ومما تشترك فيه كافة المجتمعات، انتظامها وفق أشكال يحددها نظام من التعارضات الديالكتيكية، معيشة على كافة المستويات، وداخل بنيات ممثلة تمثيلا متساويا، في جميع أرجاء المعمور. كفى إذن من العلية المبتذلة، ومن المعلولات التي تظهر وكأنها مسلمات! كل ما هناك أن اللعبة المجتمعية تحتوي على عدد قليل من الأوراق والقواعد، تتوزع باستمرار وفق أشكال تبدو وكأنها متغايرة، ولكنها في الواقع جد محدودة. وبإمكان خريطة أساسية لمواقع الارتفاع والانخفاض وأماكن الامتلاء والفراغ وكذا لنقط البياض والسواد الخ… تلخيص الفلسفة برمتها، فعلى سبيل المثال هناك توزان بين الدال والمدلول: أي أن تضخيم الشكل (الطقوس والاجتماعات الرسمية) يؤدي إلى تقليص المضمون (اللغو وعدم الإخبار)، ثم أن تقليص الشعائر (الأعلام على عجل) يؤدي إلى تضخم المضمون (الشائعات) وهكذا… وعلى هذه الصورة نتعرف على مجموعة من «قوانين البندول» و«القوانين المتاضدة» المنتمية لديالكتيكية شكلانية، تلك القوانين التي تشكل اللحمة الضرورية لعدد كبير من الأبحاث الجامعية «المتأرجحة».

و-ثم عملت النظريات البنيوية-التوليدية على تعديل التطورية بواسطة البنيوية. وتبسيطا للموضوع، مرة أخرى، فإن النظريات البنيوية-التوليدية تشرح لنا على أن هناك مجالات تكدس فيها المجتمعات، إلى ما لا نهاية (الحياة المادية، على سبيل المثال) أكثر مما توازن. في حين أن هناك مجالات أخرى تعمل فيها على تحقيق التوازن، أكثر من التراكم (الشكل، الفن…).

فقبل اكتشاف الكتابة لم يكن ممكنا للعلوم والتقنيات أن تنتقل وتتراكم إلا بواسطة المواد نفسها (بما يستتبعه ذلك من خلط بين الشكل والمضمون، بين الفن والمهارة، بين الأفعال والطقوس)، وإلا باعتماد الطريقة الشفاهية التي لا تخلو هي الأخرى من الخلط. وفي المرحلة اللاحقة تميزت المجتمعات الما قبل تاريخية بمظاهرها أكثر مما تميزت بمستوياتها المادية. بمعنى أنها كانت متسمة بتضخم في الطقوس وتعقد في المقدسات والبنيات الفوقية، وبمستوى واطئ للقوى المنتجة والتكنولوجيا. إن كل هذا هو ما يفسر الهوس الاثنولوجي وحب الاستطلاع البنيوي تجاه هذه المجتمعات.

وبعد اكتشاف الكتابة، وعلى الخصوص بعد استخدامها في الأغراض الدنيوية، والتي لا علاقة لها بالمقدسات، انقلبت الآية بفعل مسلسل التراكم ذاته الذي أتاحته الكتابة. وكان من نتيجة ذلك أن حققت قوى الإنتاج والتكنلوجيا وإنتاج الخيرات المادية تقدما كبيرا بالنسبة لما تم في مجالات الشعائر والبحث عن الأشكال: الشيء الذي يفسر نزوع التطورية إلى التبسيطات.

فهل يعني هذا أن هناك مجالات تحتفظ فيها النظرية بقوتها التفسيرية، في الوقت الذي تبقى فيه اللعبة البنيوية أكثر ملاءمة في مجالات أخرى؟ لا! إن تداخل هذه المجموعات التفسيرية أشد تعقيدا لكونها تتمفصل حسب أشكالا متغايرة في كل مجتمع على حدة، وعلى مستوى كل صعيد صعيد. وكيفما كان الأمر، فإن كل حديث عن هذه المسألة يجب أن يكون منطلقا من الوقائع.

ز- بين الفولكلورية والشيماوية SCHEMATISME هناك اتجاه آخر للبحث.

كان هذا الاستطراد المدرسي، نسبيا، والمبسط إلى حد ما، ضروريا، لكون المحاولة التفسيرية التي لدى جرأة الإقدام عليها خالية من الحياد والأحكام المسبقة وكثير من المسلمات. وبعبارة أخرى، ففيما يخص هذه المسألة، نجدنا أمام ثلاث احتمالات: أما أن نستمر في الطريق التي انتهجها قبلنا علماء الانثروبولوجيا والفولكور. فنضيف ملاحظاتنا إلى ملاحظاتهم، مع قليل أو كثير من التوفيق والموهبة. وأما أن نقدم على بناء انساق تعتمد في توضيحاتها على الوقائع المعروفة مسبقا، وأما أن نغامر في الطريق المؤدية إلى التقدم في معرفة الواقع، بفتح النقاش حول النظريات انطلاقا من الحقائق.

ويظهر لنا على أن الالتجاء إلى تجميع وقائع يطبعها التشتت والعزلة، بعيدا عن النظريات السارية الآن في العالم، أمر متجاوز وفولكلوري في نفس الوقت. كما يبدو لي أن الإعلان عن نظريات غير مدعومة بالوقائع، مثله مثل انتقاء الوقائع وترتيبها، داخل هذه النظريات، مسألة على قدر كبير من الدوغمائية. وإذن فمن الضروري، كما يتراءى لي، المغامرة بالبحث عن التفسيرات للكيفية التي تم عليها تشكل المجتمع المغربي، في خصوصيته التاريخية، انطلاقا من الوقائع التي تعرفها.

وإذا كان تصنيف مجتمع ما، في مرحلة معينة من التاريخ، مسألة تبدو وكأنها ضرورة أولية بالنسبة لعالم الاجتماع أو للرجل العملي، فإن الباحث المحلل سرعان ما يصطدم بتعقد وانتشار وتزايد الأنواع، فضلا عن الأنواع المصغرة الخاصة، جهوية كانت هذه أم محلية أم مؤقتة. ومن أجل الخروج من هذه البلبلة، غالبا ما يتم اللجوء، أما إلى المونوغرافية وإما إلى الشيماوية والتعميمية، أو يقع الارتداد إلى النوع المسيطر، باعتباره محملا بالمستقبل، من الناحية التاريخية.

ودونما ريب، فمن شأن تراكم المونوغرافيات، إثبات وقائع اجتماعية ملموسة، على مستوى الزمان والمكان، يمكن استمالها في التفسيرات والتركيبات. غير أنه في الظرف الراهن، وبسبب الافتقار إلى نظرية عامة في تصنيف المجتمعات الحقيقية، فإن المونوغرافيات تغفل عن الخصوصيات المميزة لهذه المجتمعات وتعمل بالتالي على تأجيل فهمها.

ومن باب تحصيل الحاصل أن الشيماوية والتعميمية واعتبار

المزيد

Posté par quissa à 23:21 - - Commentaires [0] - Permalien [#]

mardi 18 octobre 2011

بيداغوجيا الإدماج في سياق تطوير مناهج التعليم : قراءة نقدية

بيداغوجيا الإدماج

في سياق تطوير مناهج التعليم : قراءة نقدية

                                                             

                                                             إعداد : د. محمد الدريج

                                                             جامعة محمد الخامس- الرباط

mderrij@hotmail.com                                                                      

 

أولا :تقديم وملاحظات تمهيدية

 

انطلق البرنامج الاستعجالي كما هو معلوم (2009-2012) لتجاوز تعثر الميثاق الوطني للتربية والتكوين وإعطاء نفس جديد لإصلاح التعليم ، وتجاوز اختلالا ته المسجلة في العديد من الدراسات والتقارير. ومن مشاريع هذا البرنامج ، مشروع التطوير البيداغوجي ، الذي يهدف إلى استكمال إرساء المقاربة بالكفايات،  وتوفير إطار منهجي لأجرأتها. و تبعا لذلك تم اختيار نموذج بيداغوجيا الإدماج ،دون غيره من النماذج الكثيرة،كإطار منهجي ،على ما يبدو، لتطبيق المقاربة بالكفايات في التعليم،وهو في نهاية الأمر عبارة عن قراءة  من بين القراءات الممكنة لهذه المقاربة، والذي لنا عليه جملة من الملاحظات والانتقادات نبدأ بها كخطوة أولية ، قبل اقتراح  وفي دراسات مستقلة ، بعض البدائل الممكنة أو على الأقل بعض المراجعات ، التي يمكن أن تجنبنا  طعم الفشل المرير الذي تجرعناه من مختلف تجارب الإصلاح البيداغوجي السابقة.

1 - تبنت وزارة التربية الوطنية إذن ،وتحمست بشكل غير مسبوق ، لبيداغوجيا الإدماج، وجعلت منها نموذجا لتطوير المناهج .  وجندت لها عدة من البرامج والمشاريع والأطر والتدريب والوسائل والدلائل والمذكرات ... لكن ، وبعد مرور حوالي سنتين على بداية "تطبيق"هذه البيداغوجيا ، جزئيا في المراحل الأولى وبشكل تجريبي في بعض الأكاديميات، تم"تعميمها" بعد ذلك على المدارس المغربية والابتدائية منها على وجه الخصوص، حتى دون  تقديم وتوظيف نتائج التقويم الأولي للتجريب وحتى قبل أن يفتح في شانها نقاش وطني ، كان يمكن أن يساهم بفعالية في معرفة نقاط قوتها وضعفها و مدى مراعاتها لخصوصيات بلدنا ، قبل بلورتها في صياغتها النهائية ثم تطبيقها.

2-  لكن وفي مقابل ذلك ، فإن أزيد من 85% من المدرسين المستجوبين في استفتاء وطني للرأي ، سجلوا موقفا سلبيا من بيداغوجيا الإدماج . فهم إما غير مقتنعين بها (بنسبة 38% (، أو لم يفهموها (بنسبة  11%) ، رغم استفادتهم من الدورات التدريبية الخماسية أو يطالبون بمراجعتها ( 25%) أو يرفضونها جملة وتفصيلا ويطالبون بإلغائها ،بنسبة تفوق 52 في المائة.(النسبة هنا باعتماد عدد الإجابات وليس بعدد المستجوبين ،راجع موقع منتديات دفاتر التربويةwww.dafatir.com  والذي أشرف على هذا الاستطلاع الوطني / ماي 2011).

ولا يفوتنا أن نسجل بهذا الخصوص،  سابقة خطيرة تتمثل في رفض نقابات تعليمية وازنة لهذه البيداغوجيا والمطالبة بإلغائها بكل بساطة ،حيث أصدرت المكاتب الإقليمية لأربع نقابات تعليمية محترمة بسلا ، بيانا تطالب فيه بمقاطعة بيداغوجيا الإدماج ،وهي (النقابة الوطنية للتعليم CDT والنقابة الوطنية للتعليم FDT والجامعة الوطنية لموظفي التعليمUNTM والجامعة الوطنية للتعليم UMT) عقب اجتماعها الاستثنائي في2يونيو 2011، لتدارس مشاكل نساء ورجال التعليم حول بيداغوجيا الإدماج، طالبت فيه بمقاطعة هذه البيداغوجيا إثر توصلها بعرائض في الموضوع من الشغيلة التعليمية وبالنظر إلى عدد من الأسباب الإدارية والتربوية، منها:

-استيراد بيداغوجيا الإدماج بعد ثبوت فشلها في العديد من البلدان ( ونضيف إلى هذا استغرابنا لعدم تطبيقها حتى في بلدها الأصلي، بلجيكا).

 -غياب رؤية موحدة في الفهم والتنزيل نتيجة لسوء التكوين و التأطير.

 - الشرخ التربوي الحاصل بين محتوى الوضعيات من جهة والموارد و التعلمات من جهة أخرى.

-الطابع التقني المعقد للمذكرة 204 الخاصة بالتقويم ، لاتخاذ قرارات الانتقال من مستوى إلى آخر وتغليب الجوانب الكمية على الجوانب الكيفية، وعدم ملاءمة و انسجام المناهج و مقتضيات هذه المذكرة ( التي حملت في نظري نوعا من التراجع).

-حذف حصص الدعم التربوي الدوري بصفة نهائية .

-الإجهاز على مبدأ تكافؤ الفرص عند تقويم المتعلمين .

 وكتعقيب من المدونة ،التي نشرت هذا الخبر،على هذا البيان ورد ما يلي: "ومعلوم أن هذه البيداغوجيا قد فرضتها الوزارة من جانب واحد، وخصصت لها أموالا طائلة، سواء من أجل التكوين أو توفير العدة اللازمة خاصة الكراسات التطبيقية، لكن إنزالها إلى أرض الواقع يثير مشاكل كثيرة، منها أوراق التفريغ، تعقد التقويم، صعوبة إدماجها مع نقط المراقبة المستمرة ونقط الامتحانات الإشهادية وفق معادلة معقدة وطويلة… كما أن جل الوضعيات المقترحة بشكل موحد على المغرب بأسره لا تساير واقع التلاميذ وأحيانا مستواهم المعرفي والعمري… بينما كان من اللازم أن تكون بعض المواد الدراسية هي "المدمجة" فعلا، كمواد التفتح، عبر توفير الوسائل التعليمية وضمان الانتقال إلى وسط طبيعي للاطلاع والتطبيق…" ( عن عبد الإله عسول ، مدونة سيدي سليمان  ،SidiSlimane.com ، يونيو 2011).  

3- فعلا ، يطالب أزيد من25% من المستجوبين في الاستفتاء الوطني المذكور وعدد كبير ممن قابلناهم شخصيا واستجوبناهم ، بمراجعة بيداغوجيا الإدماج وليس بالضرورة مقاطعتها. لكن السؤال هو، من سيقوم بهذه المراجعة ؟ وكيف ؟ إننا نلاحظ وبأسف شديد ، أن كل (جميع) المؤلفين المغاربة الذين نشروا كتبهم حول هذه البيداغوجيا وهم كثر ومنهم من المهرولين من نشر حولها و لوحده أزيد من 10 كتب في بضع سنوات ، أقول هؤلاء الكتاب لا ينتقدونها ولو بجملة واحدة وكأنها وحي يوحى . ومعظم اللذين انتقدوها ، هم فقط ممن نشروا مقالات او دراسات ، تركزت انتقاداتهم على ظروف استيرادها و فرضها كسلعة غربية – غريبة وتحدثوا ،كما يفعل بيان النقابات السالف الذكر ،عن صعوبات تطبيقها في المدرسة المغربية ( مشكلات الاكتظاظ ، الأقسام المشتركة ، ضعف التكوين ، غياب الكتب المدرسية الملائمة لهذه البيداغوجيا ،عدم توزيع الكراسات في الوقت المناسب ، غياب أجهزة الاستنساخ والحواسب والبرمجيات ، صعوبات ملاءمة التقويم... ) ولم يمسوا هذه البيداغوجيا في الصميم ،من حيث أسسها وخلفياتها ومفاهيمها و مسلماتها و عناصرها ونتائجها...إلا لدى القلة القليلة ،لمن تفطن بالفعل ، إلى أن هذه البيداغوجيا كغيرها من البيداغوجيات لها ما علمت وعليها ما اكتسبت .

4- إننا وإن كنا سجلنا  موقفا مبدئيا ضمن المطالبين بالمراجعة وليس الإلغاء أو المقاطعة، نؤمن بضرورة التأني في إصدار الأحكام ، فنحن بحاجة إلى أكثر من استطلاع وأكثر من دراسة تقويمية معمقة  وشاملة  وبحاجة قبل هذا وذاك، إلى أن نترك الفرصة الكافية للتطبيق الفعلي وللممارسين في الميدان ليقولوا كلمتهم . وإن كان الكثير ممن قابلناهم من المدرسين والمشرفين، يتشكك في ضرورة هذا التأني ، و يقولون إن هذه البيداغوجيا ورغم فرضها لا تطبق حاليا من قبل المدرسين ، سوى بنسبة تقل عن 15في المائة. ومع ذلك وقبل استصدار أي حكم ، فضلنا القيام بدراسة للوضعية وقراءة متأنية وناقدة لهذه البيداغوجيا ، سواء من خلال ما كتبه مؤسسوها أو من انبرى لشرحها وفرش البساط لها  في بلادنا ، نقدم بعض نتائجها من خلال العناوين التالية :

 

 

ثانيا- التعريف ببيداغوجيا الإدماج في خطوطها العريضة

 

يقتضي مدخل الكفايات في المجال المدرسي  وحسب زاوية النظر التي أسست لها مجموعة لوفان برئاسة كزافيي روجييرس Xavier ROEGIERS وعضوية جان ماري دوكطيل Jean-Marie DE KETELE وفرانسوا ماري جيرارFrançois-Marie GERARD وغيرهم...والتي سميت ببيداغوجيا الإدماج ، نقول يقتضي هذا المدخل ، دمج المعلومات (المعرفة) والمهارات والإجراءات ( معرفة-الفعل) والاتجاهات والقيم (معرفة-الوجود) التي يكتسبها التلميذ ، وتوظيفها في محيطه الاجتماعي. ولتحقيق ذلك ، فإن المدرس (والمدرسة بشكل عام ) يختار ويحدد الكفايات التي على كل تلميذ اكتسابها  في نهاية سلك او سنة دراسية ،وفي كل مادة دراسية مثل اللغة والعلوم والرياضيات ...ثم يحدد بعد ذلك ،ما على التلميذ اكتسابه من معارف وعمليات (مهارات) واتجاهات وقيم .فتكون الكفايات هي المنطلق وهي في نهاية المطاف ، الهدف النهائي من التدريس ،أي محصلة العملية التعليمية.

لذلك فمن الهام جدا بالنسبة للمدرس من وجهة النظر هذه ، أن يبين للتلميذ أوجه الفائدة من المعلومات التي يتعلمها ومغزاها وأهميتها و تطبيقاتها في حياته...لغاية جعله أكثر استعدادا وأكثر قابلية للتعلم ولغاية خلق لديه ما يكفي من المحفزات للاهتمام بموضوع التعلم .لأن القاعدة الذهبية على ما يبدو في بيداغوجيا الإدماج، هي أنه  وكما يقول روجييرس ( الذي "ربحت" مقاولته صفقة إدخال هذه البيداغوجيا إلى بلادنا): "لا أحد يتعلم فقط من أجل التعلم،  ولا أحد يتعلم لذات التعلم".إن التعلم يتضمن بالضرورة قيمة دافعة ومحفزة عندما يكون مفيدا للمتعلم في حياته اليومية .

*   *   *

وهكذا وفي مدخل الكفايات كما هو معلوم ، يكون من الأساسي إدراج أنشطة ديداكتيكية تتطلب من التلميذ مواجهة مستمرة لوضعيات بسيطة أو مركبة ، تجبره على البحث عن الحلول وإيجاد إمكانيات واختيارات  وآفاق جديدة أمام المشكلات التي عادة ما تواجهه في حياته اليومية. وهذه من الحقائق التربوية البديهية و المعروفة والمعمول بها لدى مختلف المدارس البيداغوجية  منذ القدم.

ولتوضيح ما نحن بصدده ، نقدم الأمثلة التالية والتي اقتبسناها من أدبيات بيداغوجيا الإدماج:

فإذا أردنا في مواد اللغة والآداب ، أن يكون التلميذ قادرا على إنجاز تحليل نص أدبي على سبيل المثال ،فإننا كمدرسين لابد أن نتأكد من كونه :

أولا : يعرف أنماط التحليل الممكنة ونوع النص المقصود والسياق الاجتماعي والتاريخي لهذا النص المكتوب وصاحبه وأسلوبه والحقبة التي ينتمي إليها ...ولأجل ذلك لابد أن يكون قد اكتسب جملة أو عدة من المعلومات (المعرفة) الضرورية .

ثانيا :أن يكون التلميذ متمكنا من مختلف استراتيجيات التحليل وخطواتها والخطوة الملائمة لما هو مطلوب منه ...الخ .ولأجل ذلك لابد أن يتمكن من الإجراءات الضرورية (معرفة- الفعل).

ثالثا :أن يقيم التلميذ النص ويشعر بلذة في قراءته وتحليله ، و يتماهى مع المؤلف ...ولأجل ذلك عليه ان يستدخل اتجاهات نحو محتويات النص ونحو المؤلف (معرفة -الوجود).

وإذا أردنا في مادة الرياضات كذلك ،أن يقدر التلميذ على سبيل المثال ،على حل وضعية مشكلة أو مسألة ، تتطلب استعمال الجبر ،فإننا كمدرسين علينا أن نتأكد من أن التلميذ:

أولا: يعرف العناصر الأساسية في الجبر التي يحتاجها لحل المعادلات من مثل القيام بالعمليات بأحادي الحدود ومتعددي الحدود ...وخصائصها وقواعد الرموز ...وحتى ينجزها عليه أن يكون قد اكتسب معلومات بتلك العناصر (المعرفة).

ثانيا : يتمكن من استخدام اللوغاريتمات الضرورية وتوظيف مختلف مراحل وخطوات الانجاز ...ولأجل ذلك لابد من أن يكون قد اكتسب مهارات عملية إجرائية .

ثالثا :أن يكون التلميذ منظما وحذرا في إنجازه للعمليات ويختبر مختلف الإجابات المحصلة و الحلول الممكنة . ولأجل ذلك يجب أن يكون قد تمثل اتجاهات نحو مختلف المحتويات .

ويتساءل كزافيي روجييرس ، ماذا يعني أن يكون عامل ميكانيكي كفؤا ؟ ويجيب :

- يعني ذلك أن يكون قد اكتسب معلومات في الميكانيكا ويعرف أسماء قطع وأجزاء المحرك وكيفية تركيبها ...(المعرفة).

- أن تكون له معرفة عملية (معرفة- الفعل) ،أي أن يعرف كيف يستعمل أدواته وكيفية تغيير إطار وتبديل الفرامل (الفرانات)...

- وأن تكون له معرفة- الوجود المهنية ، بما تقتضيه من رضا الزبناء وثقتهم فيه ،نظرا لبشاشته وحسن طالعه وسرعته في الانجاز وأمانته ...

- ولكن وأساسا لأنه جرب وصادف مختلف الوضعيات المهنية ويعرف كيفية مواجهتها من حيث ردود الفعل ، وحل ما تطرحه تلك الوضعيات من مشكلات.

وانطلاقا من هذه الحقائق والأمثلة تكون الكفاية هي معرفة عملية ، معرفة مطبقة .إن الكفاية ليست مجرد معرفة لما سننجزه فالمعرفة لا تكفي ،إذ لا بد من معرفة ما سننجزه وإنجازه بالفعل .إن الكفاية هي أكثر من المعرفة إنها المعرفة لكن لغاية الفعل والعمل.

كما أن تقويم الكفايات ينبغي أن يخضع لتعليم يتمحور ليس فقط على معرفة الفعل ولكن وقبل كل شيء على الفعل ذاته .كما لا تكفي معرفة الخطوات والإجراءات لمواجهة موقف (وضعية) أو لحل مشكلة ،بل الأساسي أن يقوم التلميذ بالتطبيق والتنفيذ في ذلك الموقف .فأن أكون كفؤا في مجال ما ، يتضمن أن أطبق على الوجه المطلوب ،عملا أو مهمة مركبة .

إن بيداغوجيا الإدماج والتي انطلقت منذ نشأتها الأولى كمدخل للتعليم بالكفايات الأساسية ، تسعى لتحقيق ثلاثة أهداف رئيسة :

1- التركيز على الكفايات التي على التلميذ أن يتحكم فيها في نهاية السنة الدراسية وفي نهاية مرحلة التعليم الإجباري ،أكثر من التركيز على ما ينبغي للمدرس أن يدرسه وهذا مبدأ من المبادئ الأساسية التي تستند عليها بيداغوجيا الأهداف والتي ليست بيداغوجيا الإدماج في نظرنا ، سوى امتداد مغلف لها.

2- إضفاء معنى على التعلمات (وهذا ليس بالأمر الجديد في التربية) بحيث نبين للتلميذ وجه  الفائدة من كل ما يتعلمه في المدرسة.و لأجل ذلك لابد أن تتجاوز البرامج التعليمية ، لوائح المحتويات.لأنه إذا بقيت المعارف والمهارات عارية من أي معنى ،فإنها تحدث مللا لدى التلميذ وتضعف حافزيته نحو التعلم .وعلى العكس من ذلك ، فإن مدخل الكفايات يلزم التلميذ موضعة وباستمرار، التعلمات في وضعيات ذات مغزى بالنسبة إليه وتوظيف ما تعلمه في هذه الوضعيات .ولا باس أن نذكر بأن أقطاب البيداغوجيا الحديثة بدءا من روسو ومرورا بمنتسوري و دكرولي إلى ديوي  ثم بعده فريري وغيرهم ، سبقوا إلى تأكيد هذه المبادئ التي تربط في تربية الأطفال ، بين الفكر والعمل وبين النجاح و الحافزية التي تتغذى من مدى إضفاء المعاني على كل ما يتعلمه الإنسان.

3- الهدف الرئيس الثالث يكمن في تثبيت مكتسبات التلميذ بواسطة مواجهة الوضعيات وحل ما تتضمنه من مشكلات بفضل ادماج معلوماته وتوظيفها  وليس بواسطة تجميع المعلومات وتكديس الإجراءات(العمليات) دون أن يعرف التلميذ كيفية استعمالها في حياته اليومية ، وسرعان ما ينساها .وبالنسبة لأنماط إدماج التعلمات فإن كزافيي روجييرسيعتقد أنه لا المعارف المدرسية ولا القدرات،  كافية لوحدها لتشكيل قاعدة صلبة لعملية الإدماج .إنها المهام والوضعيات بارتباطها بالمحتويات والقدرات ،هي التي تبني الكفايات .إنها القاعدة الذهبية التي ينبغي البحث فيها عن الإدماج .

 

ثالثا : بيداغوجيا الإدماج نموذج مبني على السوسيلوجيا الفرنكفونية.

 

- تندرج قراءة كزافيي روجييرس لمدخل الكفايات ، فيما يعرف بالنموذج المبني على السوسيلوجيا الفرنكفونية والتي تؤكد على أهمية الجانب الاجتماعي في الكفايات .في مقابل النموذج الانجلوسكسوني وهو نموذج فرداني يركز في تعريفه للكفايات على الجوانب الفردية الداخلية والمعرفية  المستبطنة.

وجد النموذج الفرداني مجالا خصبا في الأدبيات التربوية الانجلوسكسونية خلال التسعينات من القرن الماضي ، معززا ببعض النظريات السيكولوجية وخاصة السيكلوجية الفارقة و توأمها البيداغوجيا الفارقة والتي تنتظم استنادا إلى العناصر الأساسية الكامنة و راء عدم تجانس المتعلمين داخل القسم ومن أهم هذه العناصر:

 الفوارق المعرفية ( cognitifs ): وترتبط بسيرورات اكتساب المعارف ،و تشمل: الاشتغال الذهني و غنى العمليات المعرفية التي تتركب أساسا من التمثلات و الصور الذهنية وأنماط التفكير (مشخص /مجرد,تحليلي/تركيبي ، استنتاجي/استدلالي...) إستراتيجيات التعلم... درجة تحصيل التعلمات و تخزينها.

الفوارق السيكولوجية-الوجدانية ( psychologiques-affectives ) : وترتبط بالمعيش على مستوى الشخصية (المعيش الخاص بكل متعلم) و تشمل بصفة خاصة :الدافعية – الإرادة -الانتباه - الإبداعية - الفضول - الطاقة - التوازن - الإيقاعات...

الفوارق السوسيوثقافية ( Socioculturelles ) : و ترتبط بالسياق الثقافي و الاقتصادي العام الذي يتحرك داخله المتعلمون و يشمل على الخصوص : القيم والاتجاهات الضابطة للسلوك، المعتقدات السائدة ، التاريخ الثقافي للأسرة ،الرموز اللغوية المستعملة ،أنماط التنشئة الاجتماعية المتعبة ، الغنى الثقافي العام و مميزاته....

ومنذ تسعينيات القرن الماضي ، سيتعرض هذا النموذج الأنجلوسكسوني للعديد من الانتقادات .على أن أهم ما يؤاخذ عليه هو تركيزه على الخصوصيات الفردية والابتعاد بالتالي عن الجوانب الاجتماعية والتاريخية في التعلم واكتساب الكفايات. فبرز انطلاقا من هذه الانتقادات النموذج الذي يمكن أن تندرج ضمنه بيداغوجيا الإدماج ،والذي يؤكد على الجوانب الاجتماعية .وهو وإن كان يقبل تعريف الكفايات الذي يقدمه النموذج الانكلوسكسوني من حيث أنها قدرات فردية مستدخلة (مستبطنة) وهي في نهاية التحليل تركيبة (كوكطيل) من عناصر متعددة (معلومات، مهارات ،اتجاهات...) ،إلا أنه يضيف على هذا التعريف عناصر متضمنة في الانتقادات المشار إليها ، كمحاولة منه لتوضيح وبشكل صريح ،كيف تشتغل الكفايات ، بمعنى كيف يتم اكتسابها وكيف يتم توظيفها ،بطبيعة الحال وكما هو معروف ، يتم اكتسابها وتوظيفها من خلال الممارسة والعمل في إطار الوضعيات ذات الطبيعة الاجتماعية.

فيأتي هذا النموذج ( بيداغوجيا الإدماج ) ، كتركيب لتوجهين :الفردي والاجتماعي .

إذن نحن أمام تصورين متعارضين ، تصور يتموضع على المستوى الفردي ويعمل على شحذ الاستعدادات الفردية للتفكير والعمل والتي تكتسب من خلال انجاز مهام في إطار وضعيات محددة ومشخصة وفي هذه الحالة يستحسن استعمال كلمة قدرة  capacitéللدلالة على تلك الاستعدادات الداخلية  التي يتم شحذها وتطويرها. وتصور ثاني يتموضع اجتماعيا ويتمثل في إكساب التلاميذ الكفاية compétence    على انجاز مهام والقيام بادوار تلائم معايير متوقعة .وهكذا فإذا كانت القدرات ترتبط بعمليات معينة ومحددة ، فإن الكفايات لها مدلول أكثر اتساعا حيث يتعلق الأمر بالتحرك في وضعيات مركبة وأكثر تعقيدا.

إن الكفايات بالنسبة لبيداغوجيا الإدماج عند كزافيي روجييرس والذي يتبنى النموذج الاجتماعي-البنائي كما قلنا، لا تعرف باعتبارها وضعيات محددة ومشخصة ،بل تعرف حسب مجموعة أو فئة (عائلة) من الوضعيات الاجتماعية المهمة بالنسبة للمجتمع . لذا فإنه يعرف الكفاية ،مستفيدا من تعريف بيرنو بأنها: " الإمكانية التي يكتسبها الفرد لتجنيد بكيفية باطنية(داخلية) مجموعة مندمجة من الموارد (معلومات ،معارف،خطاطات ، آليات، عادات،قدرات ،مهارات اتجاهات...) لغاية مواجهة وحل فئة من الوضعيات – المشكلة". وقبله قدم فليب بيرنو  (1997) Philippe Perrenoud   ، تعريفا قريبا من هذا المعنى بل وملهما له، حيث يعرف الكفاية على أنها "القدرة على تجنيد مجموعة من الموارد (معلومات ،قدرات، معارف...) لحل وبنجاح وفعالية ، فئة أو سلسلة  من الوضعيات" وهكذا وحسب هذا التصور ،فإن الكفايات ترتبط بسياقات ثقافية ومهنية وبشروط اجتماعية (...)كما أن مصطلح الكفاية لا يرادف مصطلح القدرة أو مصطلح المهارة ، لأن المفهوم الاستكشافي للكفاية لا يقتصر على البعد المعرفي أو على البعد المهاري في النشاط الإنساني. فإذا كانت القدرة تشير إلى إمكانية إنجاز بسهولة ودقة ،عمليات عقلية و مهارية محددة ،فعلى العكس من ذلك، فإن الكفاية تشير إلى مجموعة من الأنشطة التي تتضمن قدرا من التعقيد وتحتوي على مهارات عقلية واتجاهات وأمور أخرى غير معرفية. وبالتالي فإن للكفاية بنية داخلية تعمل وتنشط بتجنيد استعدادات و قدرات ومهارات وإجراءات ... للاستجابة للطلب الذي تمليه الوضعيات. لكن ذلك لا يعني أن الكفايات تشتغل في فراغ اجتماعي ، بل إنها مترابطة وغير مستقلة بيئيا و سياقيا.

 

رابعا :بيداغوجيا الإدماج نظريات قديمة في حلة جديدة

 

كما أسلفنا فإن القاعدة الذهبية التي ينبغي البحث فيها عن الإدماج ،تكمن في تثبيت مكتسبات التلميذ بواسطة مواجهة الوضعيات المشخصة وحل ما تتضمنه من مشكلات وليس بواسطة تجميع المعلومات وتكديس الإجراءات(العمليات) دون أن يعرف التلميذ كيفية توظيفها في حياته اليومية ، وسرعان ما ينساها . والحقيقة أن هذه القاعدة ليست جديدة ، بل تتقاسمها جميع البيداغوجيات (تقليدية و حديثة ) . فقد كان أبو حامد الغزالي قديما ، يرى على سبيل المثال أن الأخلاق الفاضلة لا تولد مع الإنسان، وإنما يكتسبها عن طريق التربية والتعليم من البيئة التي يعيش فيها،  والتربية الأخلاقية السليمة في نظره تبدأ بتعويد الطفل على فضائل الأخلاق وممارستها .فالطريق إلى تربية الخلق عند الغزالي هو التخلق أي حمل النفس على الأعمال التي يقتضيها الخلق المطلوب ، فمن أراد مثلا أن يحصل لنفسه خلق الجود فعليه أن يتكلف فعل الجود.

كما جعل عبد الرحمن ابن خلدون الملكة (القدرة او الكفاية في تعبيرنا الراهن) جسمانية وعقلية معاً؛ فلم يفرق بين تعليم عقلي وآخر عملي؛ بل ربط القوى العقلية والجسمانية، وجعلها تتعاون في اكتساب الملكة. أما من الناحية العملية فقد وضع مبدأين صحيحين، هما مبدأ المباشرة ومبدأ المعاينة. ويعني بالمباشرة القيام بالفعالية العملية: فمن يريد تعلم فعالية عملية، يجب عليه أن يباشرها بنفسه، لا أن يكتفي بمعاينة من يقومون بها، أو الإصغاء إلى كلام من يتحدثون عنها. ولكن المعاينة ضرورية مع ذلك؛ لأنها الطريق إلى المباشرة. وتعني المعاينة أن يشاهد (يعاين) المتعلم المتمرسين بالفعالية العملية، وهم يقومون بها و يؤدونها. ولا شك أن من يريد مباشرة فعالية ما، هو بحاجة إلى معاينتها قبل مباشرتها.‏

وإذا أخذنا البيداغوجيا التقدمية في إطار ما يسمى بالتربية الحديثة ،على سبيل المثال، لدى كل من بستالوتزي ( 1827) و منتسوري (1870) وخاصة لدى جون ديوي (1915)، فإنها تؤكد على:

ضرورة تزويد التلاميذ باستراتيجيات حل المشكلات  وليس بالمعرفة والحفظ..
و يجب ان يشتق المنهاج من اهتمامات التلاميذ وليس من المواضيع الأكاديمية ، وما يقتضي ذلك من عناية بحاجياتهم العقلية والانفعالية والنفسية الحركية ،و المدرسون الفعالون هم الذين يزودون التلاميذ بخبرات تمكنهم من التعلم عن طريق العمل .

أما طرق التدريس التي يعتمدونها ، انسجاما مع مبادئ التربية الحديثة ، فتنطلق من أهمية التعليم عن طريق مجموعة من الأنشطة المعدة بشكل منظم ، حتى يستطيع كل تلميذ المشاركة الايجابية التي تساعده في نموه الشخصي والاجتماعي ، و السماح له بالتجريب . ومن هنا تصبح المدرسة مضطرة لاستخدام مواقف الحياة الحقيقية في التعليم ولا تتركها إلى الدراسة النظرية- الأكاديمية ، فتتحول المدرسة إلى معمل اجتماعي يتم فيه التعلم عن طريق الخبرة بدلا من التعلم الشكلي .

 

وحاليا في بلادنا وكدليل على ما نحن بصدده، هناك من يلاحظ أن العديد من الصياغات المتضمنة للكفايات والواردة في الكراسات و التي تدعي اندراجها ضمن بيداغوجيا الإدماج، ليست سوى نقل للصياغات التي كانت متداولة قبل تنزيل هذه البيداغوجيا . وعلى سبيل المثال ، يلاحظ مراد لخصيم  "أن صياغة  العديد من الكفايات في دليل الإدماج الصادر عنوزارة التربية الوطنية ، تحتفظ بنفس الصيغ المستعملة في السابق و منها على سبيل المثال:

"في نهاية المرحلة الرابعة من السنة…وباعتماد أسناد مكتوبة أو مصورة أو وسائط متعددة،يكون التلميذ قادرا على حل وضعية مشكلة دالة ومركبة، وذالك بتوظيف بشكل مدمج، مجموعة من الموارد المتعلقة ب…"

ويضيف مثالا آخر من مجال التقويم،"إذا تفحصنا مواضيع امتحانات نيل الشهادة الابتدائية المغربية، خلال فترة الستينات و السبعينات من الألفية الماضية، نجد أنها كانت تتمحور حول ما يلي:

- وضع وانجاز عمليات الجمع والطرح والضرب والقسمة.

- تحويل وحدات القياس.

- الحساب الستيني.

- مسائل ذات دلالة لتقييم إدماج المكتسبات .

وبالرجوع إلى شكل هذا الامتحان ألإشهادي، يمكننا القول إن المغرب تعامل مع دمج المكتسبات منذ زمن بعيد ، في ظل إدماج يعتمد على طرائق غير نمطية ،تسمح للأستاذ بحق التصرف وفق ما تقتضيه المتغيرات ومستوى المتعلمين ، بعيدا كل البعد على ما تفرضه بيداغوجيا الإدماج من تقنين و ترتيبات تقيد مبادرة الأستاذ وتجعله يستجيب حرفيا لمتطلباتها".( مراد لخصيم ، تعلم الإدماج: هل هو مستجد في المناهج المغربية؟ ، عن موقع "وجدة البوابة" يونيو-2011).

وبخصوص ترسيخ الكفايات من خلال مواجهة الوضعيات والمشكلات ، فهي كما أسلفنا ليست مسالة جديدة ، فهناك ما يعرف بالتعلم النشط والتعلم بالعمل  وأسلوب حل المشكلات وغيرها...و كلها تؤكد على :

- أن العمل أداة تربوية تساعد في إحداث تفاعل التلميذ مع عناصر البيئة لغرض التعلم وإنماء الشخصية .. .

-يمثل العمل وسيلة تعليمية تقرب المفاهيم وتساعد في إدراك معاني الأشياء.
-وأن التعلم بالعمل أداة فعالة في تفريد التعلم وتنظيمه لمواجهة الفروق الفردية وتعليم الأطفال وفقاً لإمكاناتهم وقدراتهم.

-يعمل التعلم بالعمل على تنشيط القدرات العقلية وتحسين الموهبة الإبداعية لدى الأطفال.
-ربط التعلم بالعمل يثير دافعية المتعلم ويحفزه على التعلم ما دام يشارك يدوياً وفعليا بالنشاطات التي تؤدي إلى التعلم.

 ويرى يوسف قطامي  (2002) أن أهمية هذه الأساليب في التعليم تأتي من أنه : " يضع المتعلم أو الطفل في موقف حقيقي يعمل فيه ذهنه بهدف الوصول إلى حالة اتزان معرفي . وتعتبر حالة الاتزان المعرفي حالة دافعية يسعى الطفل إلى تحقيقها . وتتم هذه الحالة عند وصوله إلى حل أو إجابة أو اكتشاف ، وبالتالي فإن دافعية الطفل تعمل على استمرار نشاطه الذهني وصيانته حتى يصل إلى الهدف وهو : الفهم أو الحل أو الخلاص من التوتر ، وذلك بإكمال المعرفة الناقصة لديه فيما يتعلق بالمشكلة ."

 وهكذا كان من الواضح دائما، أن توظيف أسلوب حل المشكلات في التعليم يجعل التعلم مشوقا وفعالا ؛ لأنه يستدعي الخبرات السابقة لدى المتعلم فيربطها بالخبرات اللاحقة،  إضافة إلى أنه يتم من خلال الممارسة العملية و المشاركة الفعلية.

كما كان معروفا ،أن من أبرز مبررات توظيف أسلوب المشكلات في التعليم ما يلي:

1- إثارة دافعية الطلبة للتعلم، حيث يولد لديهم الرغبة في التفكير من أجل التوصل إلى الحل السليم.:"إن أسلوب حل المشكلات يثير دافعية التلاميذ للتعلم و يمكن توظيفه في تدريس المفاهيم و القدرات التكنولوجية".

2-  تنمية المهارات والقدرات و المعلومات. فإذا أتقن المتعلمون أسلوب حل المشكلات ، و تدربوا على استخدامه في المدرسة ، فإنهم سيستفيدون منه في حياتهم العملية للتغلب على المشكلات التي تواجههم. ويدربهم على مهارات العمل الجماعي فينجزون أعمالهم بروح الفريق ، مما يحدث لديهم تغيرا اجتماعيا مرغوبا إضافة إلى تزويدهم بمهارات تطبيق النظريات ، ويقودهم الى الإبداع في العمل.

كما تستند بيداغوجيا الإدماج على حقائق ونظريات معروفة في علم النفس التربوي ومنها على سبيل المثال قانون "انتقال أثر التعلم".والمقصود به هو أن يكون الفرد قادراً نتيجة لما يتعلمه في المدرسة ، على التصرف في مواقف أخرى في الحياة ذات صلة بمواقف سابقة . بحيث يكون قادراً على الإفادة من معلوماته ومهاراته واتجاهاته في حياته سواء داخلالمدرسة ،عن طريق توظيف التعلم السابق في اكتساب تعلم جديد أو في حياته بعد المدرسة ، حيث أن التعليم المدرسي مازال قائماً على الافتراض بأن ما يتم تعلمه داخل القسم يمكن نقله للاستفادة منه في أمور الحياة اليومية.

على أن هوس التركيز على تبعية الفكر للعمل و التعلق المفرط بمحراب الوضعيات (ربما إلى حد التقديس ) قد يشكل مدعاة نقد قاتل لبيداغوجيا الإدماج  ، باعتبارها تنشط في المجال التطبيقي وتلح على الجانب الإجرائي-العملي ،على حساب الجانب العقلي والمعرفي لدى المتعلم .وكما هو معلوم فقد ثبت بطلان الفصل بين التفكير والعمل .

لكن الحقيقة أن هذه البيداغوجيا والمقاربة بالكفايات بشكل عام ، لا تقول بضرورة وجود تعارض بين تنمية المحتويات المدرسية (والتي تعني أساسا حفظ المعلومات من طرف التلميذ) وبين اكتساب الكفايات . يقول روجييرس(2010) بهذا الخصوص :

"المرتكز الأساسي في أنظمتنا التربوية (ويعني أنظمتنا التربوية التقليدية) هو تأزيم المواجهة بين تعليم عام ، ينبني أساسا على الاشتغال على المحتويات المعرفية وما يرتبط بها من قدرات ، تعليم يهدف إلى تزويد التلميذ بقدر كبير من المعلومات ليصبح "قادرا" و"متمكنا" مستقبلا ، لكنه يبقى ضعيفا من الناحية العملية و أقل إجرائية .وتعليم محدد ومضبوط وأكثر وظيفية ، يستند بالأساس على تطوير الكفايات والتي تقوم على جعل التلميذ قادرا على تحويل المعلومات إلى وضعيات ذات دلالة " .

 

خامسا : بيداغوجيا الإدماج امتداد لبيداغوجيا الأهداف

 

من الانتقادات الأساسية التي نلاحظها على بيداغوجيا الإدماج ، هي عدم قدرتها على التخلص من بيداغوجيا الأهداف ومن المدرسة السلوكية عموما، ولبيان ذلك نقدم التوضيحات التالية :

مدخل الكفايات يندرج أساسا في المدرسة  المعرفيةcognitivisme  في حين تتأثر بيداغوجيا الأهداف بالمدرسة السلوكيةbehaviorisme   والفرق بين المدرستين واضح ومعروف .

لكننا نلاحظ أن بيداغوجيا الإدماج عندما تريد اختيار وصياغة الكفايات ومختلف الخطوات التي تروم بناءها في شخصية المتعلم ،فإنها تلجأ للاستعانة ببيداغوجيا الأهداف  بالمعنى السلوكي ولبيان ذلك نقدم الحقائق التالية :

كما هو الأمر بالنسبة للأهداف ، فإننا نقوم بتحديد ماذا ننتظر من التلميذ في نهاية الحصة أو في نهاية برنامج او في نهاية العملية التعليمية برمتها ،مع انشغال أساسي يلاحقنا باستمرار هو كيف نصوغ أهدافنا بوضوح وكيف نعبر عنها بالوجه الصحيح. و يعمد روجييرس إلى الاستنجاد بجدول التخصيص (table de spécification  ) في التقويم والذي يقترحه أصلا بنيامين بلوم    Bloom .B وهومن رواد بيداغوجيا الأهداف  في الوقت الذي لا يتوقف فيه  روجييرس عن انتقاد هذه البيداغوجيا .وكما هو معلوم فإن جدول التخصيص، هو أداة عملية لتحديد:

- الأهداف(القدرات) المراد اكتسابها ونسبة أهميتها.

- أهمية المادة بالنسبة للوحدة الدراسية.

- ييسر عملية التقويم.

- يساعد على تحديد عدد الأسئلة وعدد النقاط (الدرجات) وفق الأهمية النسبية.

- يوجه إلى الجوانب المراد تكوينها لدى المتعلم.

و يتكون جدول التخصيص من مدخلين :

-   مدخل القدرات الضرورية لتنمية الكفاية. ويتضمن الكتاب الأبيض (الجزء 1) القدرات الضرورية لتنمية مختلف الكفايات المستهدفة سواء ذات الطابع التواصلي أو المنهجي أو الاستراتيجي ...).

- والثاني مدخل مضامين المادة الدراسية، والتي ستمارس عليها هذه القدرات.

وبما أن الهدف التعلمي Objectif d’apprentissage  حسب روجييرس يتمثل في تطبيق قدرة ما على محتوى معين، فإن خانات جدول التخصيص تتضمن مختلف الأهداف التي توجه الممارسات البيداغوجية، وتشكل الموارد الضرورية التي يتم إدماجها في إطار تنمية الكفاية أو تقويمها.

الهدف التعلمي هو إذن ممارسة قدرة على محتوى معين. فقدرة الكتابة مثلا وكتابة رسالة ما كمحتوى (موضوع) تعلم ، يمكنان من الحصول على الهدف التالي : كتابة رسالة... كذا. ويوافق هذا التعبير مرقى الهدف الخاص المعتمد في إطار التدريس بالأهداف. ويبقى من مهمة المدرس العمل على أجرأته، لضبط وتقويم وتوجيه أنشطته، باعتبار المدرس منشطا ووسيطا.

وفي بيداغوجيا الإدماج فان الأجرأة تتم على مستوى أنشطة التلاميذ باعتبارهم فاعلين أساسيين في العملية التعليمة-التعلمية وعلى مستوى ما يقوم به المدرس من تقويم لمدى نجاحهم في ذلك النشاط بالرجوع إلى  المعايير والمؤشرات  الجزئية والقابلة للملاحظة والقياس ( وهذا بالضبط هو تعريف الهدف الإجرائي في بيداغوجيا الأهداف) . فتنحل الكفايات بجميع أنواعها ومستوياتها في نهاية المطاف،  إلى أهداف إجرائية من خلال انحلالها إلى معايير حصول الأهداف التعلمية ومؤشراتها.

إننا في الأسابيع الأولى ( الستة في الطبعة المغربية )التي نكسب فيها التلاميذ الموارد فإننا نعلمهم بشكل جزئي وتراكمي عن طريق تحقيق أهداف جزئية ( إجرائية ) وتأتي أسابيع الإدماج أو المراجعة أو حصص التطبيق ...( تغيير في المسميات ليس إلا) لإحداث التركيب والتراكم الضروريين لترسيخ التعلمات الجزئية وتركيبها وبالتالي لترسيخ الكفاية الأساسية او الهدف النهائي للإدماج والتي تسمى في بيداغوجيا الأهداف بالغايات او الأهداف العامة.

كذلك تحافظ بيداغوجيا الإدماج وبشكل أمين ،على التقسيم  الثلاثي الكلاسيكي لشخصية الإنسان الذي يتبناه التدريس بالأهداف ، إلى الجوانب المعرفية والحس- حركية والوجدانية ، حيث ينص جدول التخصيص على ضرورة تصنيف القدرات (الأهداف الخاصة )إلى معارف ومهارات ومواقف، تبعا لطبيعة القدرة :

- المعارف(savoirs) : وتتمثل بالنسبة لمادة ما، في ممارسة القدرات المعرفية على موضوع ما للتعلم. 

-  المهارات (savoir-faire): وتتمثل في تطبيق قدرة حس – حركية على موضوع للتعلم. ويتم تطويرها من خلال التمرن على تنمية مراحلها في مواضيع تعلم مختلفة. وتتمثل أهمية تنويع مواضيع التعلم في تمييز المهارة عن المعرفة. 

- المواقف والاتجاهات(معرفة الوجود أو حسن التواجد - savoir-être): ويمكن الحصول عليها بتطبيق قدرة سوسيووجدانية على موضوع تعلم، كالإنصات إلى اقتراحات الأقران، والتعود على تصفح القاموس للبحث عن معنى كلمة...

وهكذا تفيد جداول التخصيص (أو ما قد يعوضها من شبكات ولوائح التقويم ) في استخراج مختلف السلوكات المؤشرة الدالة على وجود الكفاية وكذا المضامين التي تستدعيها ، وأيضا القدرات التي يتم السعي إلى تنميتها وتطويرها من خلال الكفاية …ويتم الحصول عليه من خلال تقاطع محور المضامين التي تتطلبها الكفاية ومحور القدرات المراد تطويرها ، بحيث تشكل نقط تلاقي المضامين والقدرات في المستوى المحدد بالمحورين ، ونعبر عنها بالمؤشرات ويقصد بها السلوكات الملاحظة و التي يتم التعرف من خلالها على حصول الكفاية أو أحد مستوياتها وفق المعايير المحددة سلفا.

وهكذا يبدو لنا كيف تنهل بيداغوجيا الإدماج من بيداغوجيا الأهداف بتوجهها التجزيئي وطابعها الإجرائي – السلوكي ، عند التعامل عمليا مع مراحل وخطوات اكتساب الكفايات وعند محاولة قياس وتقويم مدى تحققها لدى التلاميذ.

 

سادسا : تطبيق بيداغوجيا الإدماج بشكل غير مندمج

في المنهاج الدراسي السائد

 

إن معالجة أوجه الخلل في النظام التعليمي والرفع من فعاليته ، يقتضي بشكل أساسي استهداف المنهاج المدرسي في شموليته ،من حيث هندسته التنظيمية و التدبيرية ونماذجه وطرقه ومقارباته البيداغوجية... لكن وكما يعتقد الكثير من المشتغلين (نظريا وعمليا) بالموضوع ،" فإن مجرد اعتماد نموذج جديد (وغالبا بطريقة النقل الميكانيكي) غير كاف بحد ذاته لتحقيق فعالية وجودة "مدرسة النجاح"،لأن النموذج البيداغوجي هو عنصر واحد من عناصر أخرى، تشكل نظام التربية والتكوين،كنظام ترتبط متغيراته من خلال علاقات بنيوية ووظيفية ،تتفاعل ويؤثر بعضها في البعض الآخر،ولكل عنصر فعاليته الخاصة، وآثاره في إنجاح النظام ككل،.بمعنى أن نجاح مقاربة بيداغوجيا الإدماج وتحقيق أهدافها المنتظرة،يجب أن نوفر لها شروط أخرى وظروف موضوعية ، لها علاقة بنيوية ووظيفية لضمان نجاحها.. (عن محمد صدوقي بتصرف ، الاتحاد الاشتراكي ،عدد 11-11-2010 ).

ما لاحظناه يؤيد هذا النقد الهام لتطبيق بيداغوجيا الإدماج في بلادنا ، من حيث علاقتها بالمنهاج السائد . فلم تواكب زرع هذه البيداغوجيا عملية التهيء الضرورية للتربة قبل زرع العشبة السحرية .

فمثلا ما زلنا في الأسابيع الخاصة بالتعلمات ( الأسابيع الستة الأولى ) ندرس وفق المنهاج السابق-السائد  ولا أقول القديم،حيث يعتمد المدرسون على الكتب المدرسية الموجودة ( للعلم فان الكثيرين يطلقون على الكتب المدرسة كلمة المقررات ) .قبل ان نركب عليها حصص الإدماج في الأسبوعين المخصصين لذلك .وكما هو معلوم فان هذه الكتب ليست مجرد نصوص محايدة بل إنها نصوص موجهة نحو خدمة أهداف و أغراض وفيها معلومات وأفكار وآراء و صور وجداول وبيانات  وتمارين ومسائل ومشكلات ووضعيات وتطبيقات ... لا تواكب بالضرورة مقتضيات بيداغوجيا الإدماج ولا يكون بإمكان المدرس أن يركب عليها توجيهات الإدماج الواردة في دلائل الإدماج و شبكات التقويم وجداول التخصيص.

مثال آخر يؤكد هذه الملاحظات المرتبطة بتطبيق هذه المقاربة دون تهيئ للمنهاج الملائم ، أو ما أسميه بتطبيق بيداغوجيا الإدماج بشكل غير مندمج ، نجده عند عبد العزيز قريش في دراسته النقدية المتميزة،"قضايا وإشكالات تنزيل بيداغوجيا الإدماج"، والتي تنطلق من السؤال الجوهري التالي : هل يمكن الحديث عن بيداغوجيا الإدماج خارج الوضعيات؟ وإلى أي درجة يمكن الاشتغال على الكفايات خارج الوضعيات؟

ينبه قريش إلى  القطيعة التي تحدث على مستوى التفكير بالنسبة لسيرورة بناء الكفايات بسبب الانتقال المفاجئ من مرحلة إرساء الموارد( والتي تدوم 6أسابيع ) إلى مرحلة الإدماج ( التي تليها وتدوم أسبوعين ) لقد أثبتت المعطيات الميدانية في مدارس التجريب وجود انتقال مفاجئ لدى المتعلم( عند انتقاله من المرحلة الأولى إلى المرحلة الثانية ) الامر الذي يربك تعاطيه مع الوضعية الإدماجية وينعكس سلبا على أدائه. وذلك ناتج عن وجود سياقين للتعليم والتعلم (منهاجين أو مقاربتين )مختلفين تمام الاختلاف! سياق إرساء الموارد ويتم عبر الهدف التعلمي بالمعنى السلوكي ،على اعتباره يشكل ممارسة قدرة على محتوى. وهو سياق يختلف عن سياق الوضعيات، وبالتالي تقدم الموارد بالطريقة العادية عمليا في القسم، ولا يتعاطى المتعلم في هذا السياق مع الوضعيات. وإنما يتعاطى مع مادة مدرسية منفصلة في سياق تعليم تقليدي ( أي في إطار المنهاج السائد )يرتكز على المحتوى دون القدرة، مما يسبب إرباكا كبيرا خاصة انه يكون قد تعود لمدة شهر ونصف على التعلم (اكتساب الموارد) بالطريقة السائدة قبل" النزول" ، وسياق آخر هو سياق الإدماج سواء في شقه الأول: " تعلم الإدماج " أو في شقه الثاني " تقويم الإدماج " والذي يمتد أسبوعين و يتطلب عمليات تركيبية معقدة (على الأقل بالنسبة للتلميذ في الابتدائي )تحتاج إلى توظيف الموارد التي اكتسبها في المرحلة السابقة (وربما طول حياته السابقة منذ ان كان في بطن أمه)، لمواجهة الوضعيات وحل ما تتضمنه من مشكلات   ، وهو سياق يختلف عن الأول من حيث طبيعة وظيفته وغايته. فانتقال المتعلم من سياق يتعاطى فيه مع التعلمات خارج إطار الوضعيات ، إلى سياق يتعاطى فيه مع استثمار تلك التعلمات في الوضعيات يؤثر سلبا في العملية برمتها. وهو ما أكدته  حسب عبد العزيز قريش ،نتائج الأسبوع الثاني من الإدماج في المرحلة الأولى من السنة الدراسية 2009/2010 في مدارس التجريب . (عن موقع منتدى الجمعية الوطنية لمديرات و مديري التعليم الابتدائي بالمغرب ، 5 يناير 2011).

ونحن نعتقد أن طرح هذا الإشكال له ما يبرره ويكمن بالضبط في انعدام الانسجام والتلاؤم والتكامل بل وانعدام الاندماج بالمفهوم الشمولي ، بين تطبيق بيداغوجيا الإدماج والمنهاج الموجود أصلا قبل "النزول " . أي هناك وضعيات تستوجب موارد لم يتم إرساؤها بعد (وضعيات مظلمة - سوداء) وهناك موارد لا تجد ما يلائمها من وضعيات (موارد عمياء) فضلا عن عدم وجود ، كما أسلفنا ، تلاميذ يسمح لهم نموهم العقلي الطبيعي بتوظيف ما ينبغي أن يكونوا قد اكتسبوه من موارد لفك ألغاز الكثير من الوضعيات. وهذا بسبب على ما يبدو، ضعف التكوين في علم نفس النمو لدى واضعي الوضعيات الذين لم ينتبهوا في نظرنا ، إلى القطيعة بين طريقة تدريس واكتساب التعلمات (الموارد) وطريقة إدماجها و توظيفها في مواجهة المشكلات خلال فترة الإدماج . إننا إذن كالأعمى الذي يبحث في الليل داخل غرفة مظلمة عن قبعة سوداء لا وجود لها .

 الأمر الذي نرجو تجاوزه قريبا ،خاصة عندما ستتوفر مقررات وكتب دراسية جديدة ملائمة (بدل كراسات الإدماج الحالية الحافلة بالأخطاء وبالصور الغريبة والمنفرة )،قد يتم تحديد وترتيب موادها و ملاءمة أساليبها انطلاقا من الوضعيات الإدماجية وانطلاقا من انسجام المقررات ككل ( أي انسجام المنهاج بالمعنى الشمولي وبفهمنا النسقي  المتكامل لمصطلح الاندماج ، انظر العنوان الأخير في هذه الدراسة والذي نقارن فيه بين بيداغوجيا الإدماج والمنهاج المندمج للمؤسسة)، وجعلها أكثر اندماجا وأكثر استحضارا للفروق الفردية بين التلاميذ ، ذلك أن الاقتصار على الوضعيات الإدماجية الواردة في دليل بيداغوجيا الإدماج، من شأنه أن يقحم الفاعلين التربويين في بيداغوجيا تنميطية اختزالية لا تراعي خصوصيات التلاميذ السيكولوجية (وتيرة وأسلوب التعلم ...) والثقافية وطبيعة الفوارق الموجودة بينهم، مما يتطلب الحذر من تعميم الوضعيات على جميع المدارس المغربية .

وفي هذا السياق ، سياق الخوف من القطيعة بين المراحل (مرحلة تعلم الموارد ومرحلة إدماجها في وضعيات ) والانتقال المفاجئ بالتلميذ من مرحلة إلى أخرى ،يلاحظ مراد لخصيم أن القول بان التلميذ كفؤ في لحظة زمنية معينة ليس له أية ضمانة فعلية، ذالك أن المتعلم يتعلم إدماج مكتسباته باستمرار و على مدى مساره الدراسي.كما أن الكفاية تنمو لدى المتعلم عبر الزمان و من  خلال التمرن و التمرس المستمرين. فلا يكفي أن يتمرس المتعلم على وضعية أو وضعيتين ليصبح كفؤا، حيث أن تجنيد المكتسبات في مادة الرياضيات مثلا، يتم عبر التعلم المستمر و المتدرج لاستراتيجيات حل المسائل و النمذجة و ترييض الوضعيات و الاستدلال الرياضي .

"إن اعتماد بيداغوجيا الإدماج كإطار منهجي لإرساء المقاربة بالكفايات يفرض قبل كل شيء، تحسين التعلمات الأساسية ( أي ترسيخ الموارد على أسس متينة ، أولا وقبل كل شيء) و التي بدونها يصبح من العبث دفع المتعلم إلى إدماج ما يفتقده و فاقد الشيء لا يعطيه.فكان من الأجدر أن يعزز تعلمه الذاتي عن طريق بناء تعلماته حتى ينتقل تدريجيا إلى ممارسة الإدماج".

إن التدريس بشكل نمطي لمجموعة غير متجانسة من المتعلمين و الذي تكرسه حاليا منهجية تمرير بيداغوجيا الإدماج بمؤسساتنا التعليمية ، يحد من مبادرات الأستاذ من جهة ويحد من تدرج المتعلم في بناء تعلماته من السهل إلى الصعب و من البسيط إلى المعقد و من المعلوم إلى المجهول، من جهة ثانية".(  مراد لخصيم ،تعلم الإدماج: هل هو مستجد في المناهج المغربية؟، موقع وجدة البوابة على النت-2011).

والحقيقة أن هذا الإشكال قد يجد حلا له في التطبيقات والمراجعات الجزئية والمستمرة منذ الأسبوع الأول من التدريس ، والتي كنا ننجزها دائما وفي العادة بعد كل حصة او لربط  الدرس السابق باللاحق .تطبيقات عادة ما يقوم بها المدرسون باعتماد حدسهم وحسهم السليم والذي ينبع من خبرتهم و من احتكاكهم اليومي بتلاميذهم ومعرفتهم بحاجياتهم وفروقهم في تتبع كل حصة وكل موضوع ومدى جودة ما يكتسبونه. ويمكن إنجاز تلك التمارين والتطبيقات من خلال وضعيات بسيطة يتدرب التلميذ من خلالها على الإدماج وبشكل جزئي.  لكن وفي هذه الحالة سيواجهنا السؤال التالي:  هل سنكون في هذه التطبيقات الجزئية نستهدف حفظ معارف ومعلومات والتعود على مهارات  (كما في البيداغوجيا التقليدية) ام نستهدف أهدافا خاصة – إجرائية (كما في بيداغوجيا الأهداف) تتجمع لتشكل في النهاية الهدف العام ؟ ام  سنستهدف تحقيق كفايات (قدرات ومهارات) جزئية – مرحلية (أي نمر من برشيد - سطات - مراكش - امنتانوت... قبل ان نصل إلى أكادير) كما في مدخل الكفايات قبل "النزول" ، قدرات تتجمع في ذهن التلميذ بقدرة قادر، لتشكل في نهاية المطاف  الكفاية الأساسية الموعودة (أو الهدف النهائي للإدماجOTI ).

وما يثبت كذلك قولنا بان تطبيق بيداغوجيا الإدماج  لا يتم بشكل مندمج مع المنهاج الدراسي السائد ،الأمرالذي يشتكي منه كثير من التربويين والممارسين منهم على وجه الخصوص،هو انعدام التوفيق في اختيار التنظيم البيداغوجي الملائم للتعلمات.

التنظيم البيداغوجي المغربي الحالي للتعلمات اختار في تطبيقه لبيداغوجيا الإدماج :6أسابيع لتعلم الموارد،و أسبوعين لتعلم الإدماج وتقويم ومعالجة الكفاية ، وذلك في كل مرحلة من المراحل الأربع المخصصة في السنة الدراسية (34 أسبوعا).لذلك يجد المتعلم نفسه أمام ثلاث فرص فقط لتعلم الإدماج، و3 فرص على الأقل لدعم ومعالجة تعثراته . ويتساءل المدرسون ،هل هذا كاف لتعلم الإدماج المستهدف الأساسي من عملية التقويم؟ ويضيفون "لماذا لم يتم اختيار التنظيم البيداغوجي التدريجي للتعلمات،والذي اقترحه روجييرس نفسه: ثلاثة أسابيع لتعلم الموارد،ثم أسبوع الدمج الجزئي،حيث سنتيح للمتعلم أكثر من 12 فرصة في السنة لتعلم الإدماج(8 جزئية،و4 كلية)،وأكثر من 12 فرصة في السنة لدعم ومعالجة التعثرات".

والحقيقة أن ما ينبغي أن نطالب به ،هو تغيير المنهاج برمته (برامج ، مواد وكتب مدرسية ، التنظيمات البيداغوجية للسنة ، الطرق، الإيقاعات والأغلفة الزمنية ، الاختبارات وأساليب القياس والتقويم ومعاييره....) مع إحداث التعديلات الضرورية في هذا النموذج المتمحور على الكفايات ، بما سيشكل نموذجا منهاجيا أصيلا نابعا من خصوصيتنا ومن حاجياتنا، عوض الاستمرار في التركيز على المحتويات والمواد والتنظيمات السائدة ،كما هو الشأن في  المنهاج "القديم" ومحاولة تطبيق (فوطوكوبي )مقتضيات بيداغوجيا جاهزة "جديدة ".

 ولنا مثال آخر على تطبيق بيداغوجيا الإدماج بشكل غير مندمج وغير ملائم ، يكمن في عدم مواءمة ما تسعى اليه بيداغوجيا الإدماج من إخضاع كل المستويات التعليمية لنفس التقويم،  أي التقويم انطلاقا من الوضعيات المركبة؛حيث أن عملية التركيب التي يجب أن يقوم بها كل المتعلمين على حد سواء ومهما كان مستواهم وبغض النظر عن سنهم لمواجهة هذه الوضعيات ،تنتمي إلى العمليات العقلية العليا(حسب كل الصنافات)،وهذه العملية العقلية المجردة والعليا تتطلب عمليات ذهنية أخرى سابقة ( حفظ ،إدراك وفهم، ربط،انتقاء،استنتاج....).وبما أن معظم المتعلمين في التعليم الابتدائي، وحسب القوانين المرتبطة بمراحل نمو ذكاء الإنسان ،كما اكتشفها جان بياجي ،هم إما في مرحلة الذكاء المشخص أو مرحلة الذكاء ما قبل العملياتي،أو مرحلة الذكاء العملياتي الحسي،فلا يجوز تقويم تلاميذ كل المستويات الدراسية(وخصوصا الدنيا منها) من خلال وضعيات مركبة،والتي تستند على معطيات رمزية و مجردة . ذلك أن التركيب كعملية عقلية عليا لا يكتمل نموه إلا خلال المرحلة الأخيرة أي مرحلة الذكاء العملياتي الصوري/المجرد،حولي 11/12 سنة وما فوق). وهذا ما لمسه المدرسون والباحثون على حد سواء.

"الكل يعرف أن المتعلمين يجدون صعوبات كبيرة فقط في تذكر الموارد(المعرفة أي الحفظ والاسترجاع حسب صنافة بلوم) ، فما بالك أن المتعلم سيجد نفسه أمام مهمة مزدوجة ومعقدة:  تذكر الموارد وتركيبها لحل وضعية معينة"(انظر محمد صدوقي، 2011).

بطبيعة الحال لسنا مطالبين ان ننتظر اكتمال نمو عملية عقلية عليا حتى نطبقها ،بل بإمكاننا المساعدة على نموها في الاتجاه الصحيح وبشكل تدريجي وفي هذه الحالة يختار المدرس      ( بكل حرية وبناء على معرفته المباشرة واليومية لتلاميذه)تمارين و تطبيقات ووضعيات سهلة وبسيطة تكون في مستوى النمو العقلي للتلميذ ، ثم ينتقل شيئا فشيئا نحو ما هو اقل بساطة و أكثر تعقيدا.

 

 

 

 

 

سابعا : بين بيداغوجا الإدماج والمنهاج المندمج للمؤسسة

 

تتبنى بيداغوجيا الإدماج مفهوم الإدماج الذي وضعه المجلس الأعلى للتربية في كيبك بكندا ، والذي يعرفه بكونه "السيرورة التي يربط بها التلميذ معارفه السابقة بمعارف جديدة، فيعيد بالتالي بناء عالمه الداخلي، ويطبق المعارف التي اكتسبها في وضعيات جديدة ملموسة". نستشف من هذا التعريف الضيق ،ما يأتي:

-الإدماج هو ربط المعارف السابقة بالمعارف الجديدة، وتركيبها، ثم توظيفها لحل وضعيات-مشكلات جديدة.

-إن إدماج المكتسبات عملية شخصية وفردية بالأساس، لا يمكن أن يقوم بها متعلم مقام آخر.

لكننا نقترح في تصورنا للمنهاج الدراسي، أن يتسع مفهوم الاندماج حتى لا يبقى محصورا في جانب واحد من النشاط الذهني للمتعلم وهو إدماج الموارد والمكتسبات .لأن  ذلك في نظرنا هو العيب الأساسي لبيداغوجيا الإدماج، إنها بيداغوجيا تقنية تجزيئية وسلوكية  في العمق رغم ادعائها بالاشتغال في إطار مدخل الكفايات وهو مدخل معرفي - ذهني، فلا تختلف كثيرا عن بيداغوجيا الأهداف السلوكية بل تختلف عنها كما أثبتنا ،شكلا وليس في المضمون.

بطبيعة الحال فإن الحديث عن الوضعيات وتعويد التلاميذ على مواجهة المشكلات ،في هذه البيداغوجيا خاصة في حمولتها الاجتماعية ، فيه إلى حد ما ، سعي نحو الاندماج . لكنه اندماج ضمني ويركز على دمج التعلمات فلا تتضح أبعاده الاجتماعية وغاياته الشمولية التي ينبغي إظهارها وتوظيفها منذ البداية ، سواء في محتويات البرامج او في أساليب أدائها و في طبيعة الأنشطة الموازية او في مشاريع المؤسسة وغيرها والتي ينبغي ان تعزز ما تستهدفه المدرسة من اندماج  حقيقي في المجتمع بشكل شمولي .

لذلك فإننا قدمنا منذ سنوات ، تصورا أكثر شمولية ،أسميناه "المنهاج المندمج للمؤسسة"  (م 3) والذي يتسع فيه مفهوم الاندماج (نظريا وعمليا) ليشكل نسقا متكاملا . من بعض مميزاته أنه يمنح على سبيل المثال، المناطق والمؤسسات والجهات، سلطة ( حرية) تعديل ومواءمة المقررات الدراسية، للاحتياجات والخصوصيات المحلية مع احتفاظها بالأسس المشتركة في المنهاج الوطني العام أي نسمح للمدرسين والقائمين على التعليم عموما بنوع من المرونة بدل النمطية والأحادية اللتان تميزان كلا من بيداغوجيا الأهداف و بيداغوجيا الاندماج، شريطة خلق نوع من التوازن بين المستوى الوطني والمستوى الجهوي .

 ويمكن أن يتشخص هذا النوع من المناهج في مشاريع الشراكة التربوية ، حيث تترك للمؤسسات حرية المبادرة وعقد اتفاقيات تعاون و شراكة مع القطاع الخاص وفعاليات المجتمع المحلي،وتعديل مناهجها الدراسية بشكل مندمج ، بما يساير خصوصياتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ويلبي في نفس الآن احتياجات التلاميذ ومتطلبات أسرهم.كما يساير مختلف المستجدات في مجال بناء وتطوير المناهج التعليمية وما ظهر حديثا في مجال إدارة الجودة الشاملة واعتماد معايير الجودة في التعليم (انظر محمد الدريج  " المعايير في التعليم ،نماذج وتجارب لضمان جودة التعليم " ،2008).

هذا وقد وجدنا لهذا النموذج بعض الآثار في  نظامنا التعليمي، فمثلا تحدد نسبة حرية التصرف في المنهاج الوطني بالتعديل  وإضافة مواضيع جديدة، و المتروكة جهويا للمؤسسات ،  في 15 بالمئة. .( محمد الدريج،1996 و 2002).

ونحن بصدد تطوير وتحديث هذا النموذج والذي سنخصه قريبا بدراسات مستقلة،لكن يمكننا أن نشير الآن إلى أن الاندماج المنشود ينبغي أن يسير بشكل متواز ومتكامل في أربعة اتجاهات :

1- اندماج على مستوى المنهاج بمختلف مقرراته وهو اندماج أفقي (مستعرض) بين المواد الدراسية.

2- اندماج منهاجي على مستوى الأهداف العامة أو الكفايات الأساسية ،  (المعارف ، المهارات ، منظومة القيم /الأخلاق ،الهوية ، مشاعر المواطنة...).

3- واندماج على مستوى المؤسسة. سواء داخل المؤسسة (بين أطرها وتنظيماتها وروادها من التلاميذ) وبينها وبين البيئة المحلية ( الطبيعية والمجتمعية والثقافية).

4- واندماج على مستوى المنطقة ( الجهة) والوطن أي على مستوى المجتمع ككل.

 

المراجع

-عبد الرحمن ابن خلدون (1960).‏ " المقدمة"، (ج3، ص983). تحقيق علي عبد الواحد وافي، لجنة البيان العربي .

-عبد الكريم غريب ( 2010):" بيداغوجيا الإدماج "، منشورات عالم التربية –الدار البيضاء.

- عبد الكريم غريب(  2004   )" بيداغوجيا الكفايات". منشورات عالم التربية، البيضاء ط5

- عبد العزيز قريش (2011)، "بيداغوجية الإدماج وفق التجربة المغربية /.عن موقع منتدى الجمعية الوطنية لمديرات و مديري التعليم الإبتدائي بالمغرب ، 5 يناير 2011

-عبد الإله عسول ،( 2011 )"بيان نقابي حول بيداغوجيا الادماج"مدونة سيدي سليمان  ،SidiSlimane.com ، يونيو. 

- منتديات دفاتر التربوية www.dafatir.com (2011)  "الاستفتاء الوطني حول بيداغوجيا الادماج" / ماي 2011).

- محمد الدريج (1996) : "مشروع المؤسسة والتجديد التربوي في المدرسة المغربية"، (في جزئين)، سلسلة دفاتر في التربية ـ الرباط.

- محمد الدريج (2002): "الكفايات في التعليم"، سلسلة المعرفة للجميع، العدد 16، الرباط.

- محمد الدريج (2002): "الشراكة التربوية في التعليم الثانوي: مشروع المؤسسة نموذجاً"، مداخلة ضمن أعمال المؤتمر الدولي حول: التعليم الثانوي من أجل مستقبل أفضل"، وزارة التربية والتعليم، مسقط، سلطنة عمان.

- محمد الدريج  (2008):" المعايير في التعليم ،نماذج وتجارب لضمان جودة التعليم " ، منشورات سلسلة المعرفة للجميع، الرباط.

- محمد صدوقي ،( 2010)"شروط إنجاح بيداغوجيا الإدماج"، الاتحاد الاشتراكي ،عدد 11-11-2010 ،الدار البيضاء.

- مراد لخصيم (2011).،تعلم الإدماج: هل هو مستجد في المناهج المغربية؟، موقع وجدة البوابة على النت.

-يوسف قطامي  (2002) "إدارة الصفوف : الأسس السيكولوجية"، : دار الفكر, عمان الأردن.

- كزافيي روجييرس Xavier ROEGIERS (2007) ترجمة عبد الكريم غريب، "التدريس بالكفايات ووضعيات لإدماج المكتسبات"، الطبعة الأولى ، منشورات عالم التربية، الدارالبيضاء.

-ROEGIERS, X. (2010). Des curricula  pour la formation professionnelle initiale. La pédagogie de l'intégration comme cadre de réflexion et d'action pour l'enseignement technique et professionnel.Bruxelles : De Boeck Université.

-PERRENOUD, Ph. (1999). Construir competencias desde la escuela. Santiago de Chile : Dolmen Ediciones (trad. en espagnol de Construire des compétences dès l'école. Paris : ESF, 1997.

 

 

Posté par quissa à 02:40 - - Commentaires [0] - Permalien [#]

دليل علوم التربية

 

 

الحسن اللحية

 

دليل علوم التربية

الخاص بهيئات التدريس الابتدائي والإعدادي والثانوي

للإعداد للامتحانات المهنية

 

الأطر المرجعية الخاصة بعلوم التربية

نظريات التعلم

البيداغوجيات

دينامية الجماعات

سوسيولوجيا التربية

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بيان سيرة الباحث

 

 

الاسم الكامل:   الحسن اللحية

الإطار:  أستاذ مكون

المهمة الحالية: أستاذ علوم التربية بالمركز التربوي الجهوي بالرباط

رقم الهاتف:0669779142

العنوان الإلكتروني: lahiahassan

 

 التكوين والشهادات الجامعية والمهنية: 

 

1- الإجازة في الفلسفة من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط – يونيو1991.

2- دبلوم الدراسات المعمقة من نفس الكلية؛ تخصص تاريخ الفلسفة – أكتوبر1992.

3- دبلوم مركز تكوين المعلمين بالعرائش- يونيو1992

4- دبلوم الدراسات العليا من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط؛ تخصص تاريخ الفلسفة، في الفكر الماكيافللي، دجنبر1999.

5- حاصل على عدة دبلومات وشواهد تقديرية من عدة جهات: مراكز للدراسات، مؤسسات تربوية، جمعيات تربوية وحقوقية، منظمات وطنية مختلفة.

 

 الاستفادة من التداريب والتكوين المستمر:                 

 

 

*- الاستفادة من تكوينات جمعوية تحت إشراف خبراء أجانب في التواصل وتقنيات تنشيط مجموعات العمل.

*- الاستفادة من تكوينات مهنية متعددة في المجال البيداغوجي تحت إشراف باحثين مغاربة وأجانب.

 

 المهام والمسؤوليات:

 

1992- 1999:

*- التدريس بالتعليم الابتدائي: تدريس الأقسام المشتركة والمنفردة في مناطق جغرافية مختلفة من المغرب (أزيلال، الخميسات، سلا الجديدة، الرباط).

*- الالتحاق بديوان السيد وزير التربية الوطنية، حيث أوكلت إلي المهام التالية:

*- تدوين وتنسيق أعمال لجنة التوجهات والاختيارات .

*- المشاركة في أشغال اللجنة البينسلكية وتدوين أعمالها.

*- متابعة أشغال لجن البرامج والمناهج من التحضير وصولا إلى الكتاب الأبيض.

 

 

 

 

 

 

 

 الإنتاجات والأنشطة التربوية والعلمية:

 

أ- التأليف:

 

 

 

 

 

1- مسارات النخب السياسية- دراسة في النخبة والانتخابات والنقابة.دار إفريقيا-الشرق 1998.

2- مدخل إلى قراءة ماكيافللي- ماكيافللي والماكيافلية، دار نشر المعرفة2002.

3- فتنة المجهول –رواية، دار نشر المعرفة 2003.

4- المدرسة والعولمة، إصدارات أنتير غراف، الرباط 2004

5- نهاية المدرسة: الشغل والكفايات والمعارف النفعية، توب إدسيون، الدار البيضاء 2005

6- موسوعة الكفايات: الألفاظ والمفاهيم والاصطلاحات 2006

7- الكفايات في علوم التربية، دار إفريقيا الشرق، الدار البيضاء 2006

8- الميثاق الوطني للتربية والتكوين: شروح وتعليقات، دار الحرف القنيطرة 2007

9- نصوص في الفلسفة، دار نشر المعرفة، الرباط 2007

10- دليل المدرس(ة): التكويني والمهني، دار الحرف 2008

 

ب- الترجمات الثقافية والفكرية:

 

1- الرد على ماكيافللي لفرديرك الثاني- إفريقيا –الشرق 1999.

2- الأجهزة السرية لأحمد البوخاري، إفريقيا-الشرق2003.

4- ماهي الكفايات؟: نصوص مختارة. ترجمة مشتركة، نشر بني يزناسن الرباط 2003

5- بيداغوجيا الكفايات لعبد الرحيم هاروشي، ترجمة مشتركة، دار الفنك 2004

6- السياسة والخيال، إفريقيا الشرق 2008

 

ج –  قيد الطبع:

 

1- الأمير لنكولاس ماكيافللي، دار إفريقيا الشرق، البيضاء

2- ماكيافللي وتاريخ الفكر السياسي، نصوص مختارة، دار إفريقيا الشرق، البيضاء

3-  إصدار سلسلة بيداغوجية بتعاون مع دار نشر المعرفة في 12 جزء

 

الأنشطة الصحفية التربوية:

 

1- متعاون مع جريدة الصحيفة من 2000إلى 2002.

2- مشرف على القسم التربوي لجريدة الأخبار من 2002إلى2004.

3- عضو هيئة تحرير مجلة الحياة المدرسية2003-2004.

4- المشرف العام على القسم التربوي والملحق التربوي لجريدة النهار المغربية2004-2005.

 

 

 

 

 

 

توجيهات:

ربما تبدو الحاجة اليوم ليس إلى دليل واحد للامتحانات المهنية وإنما إلى دلائل كثيرة متنوعة لا تنحصر في مادة دون أخرى، وإنما في جميع المواد. فالحاجة المتحدث عنها هي أكبر من خلق سوق تجارية للكتب والدلائل التي تهتم بالامتحانات المهنية. علينا أن نستحضر أن المغرب دخل في عهد إصلاحات تربوية كبرى منذ 1999، هو عهد الميثاق الوطني للتربية والتكوين، وعلينا أن نستحضر كذلك بأن هذا الإصلاح كان موضوع مفاوضات بين الدولة الراعية له والأحزاب والنقابات والمقاولات، وهو كذلك كان تحت أنظار مجلس النواب، بل إنه إصلاح مراقب من قبل الأحزاب والنقابات والمجتمع المدني واللجنة الخاصة التي ما فتئت تصدر تقاريرها بشأنه، ومراقب كذلك من قبل منظمات دولية مالية وسياسية واقتصادية. إذن فالإصلاح الذي نتحدث عنه، مهما كانت مواقفنا منه أو من بعض تصوراته أو أسسه وغاياته، اتسم بالإشراك، أي بالتفاوض والحوار والنقاش والاقتراح. ولعل هذه المنهجية قد طبعت كثيرا من أوراشه، ومنها ورش الحوار والنقاش بين الوزارات المعنية والفرقاء الاجتماعيين حول النظام الأساسي لرجال التعليم، وورش البرامج والمناهج والحياة المدرسية والكتاب المدرسي والتربية المدنية...إلخ.

إذن، ففي سياق هذا التحول الذي يعرفه النظام التربوي والتكويني المغربي كان لا بد من التفكير في ورش آخر هو ورش التكوين الأساسي والتكوين المستمر لرجال ونساء التعليم، انسجاما مع النظام الأساسي (المواد الخاصة بالترقي) لرجال ونساء التعليم، وتفعيلا للقوانين المنظمة لامتحانات الكفاءة المهنية، وضمانا للرفع من الأداء المهني لنساء ورجال التعليم، أي ينبغي أن يتخذ التكوين المستمر وجوها وأنماط عدة منها التحضير للامتحانات المهنية. لكن كيف يمكن أن يتم ذلك في غياب تصور واضح للتكوين المستمر، أي في غياب عقلنته على جميع المستويات؟.

نسجل بارتياح كبير أن المركز الوطني للامتحانات شرع في وضع أطر مرجعية عديدة تهم الشواهد كشهادة نهاية التعليم الابتدائي والإعدادي الثانوي، وأطر مرجعية خاصة بولوج المراكز التربوية الجهوية ( الجذع مشترك كتابي والاختبارات الشفوية)، ومراكز المعلمين والمعلمات (كتابي وشفوي)، ثم أطر مرجعية عامة تهم الامتحانات المهنية والكفاءة التربوية...إلخ.

لا بد وأن نسجل أن وضع أطر مرجعية هو مدار حوار لا يهم المركز الوطني للامتحانات وحده لأن الأمر كما سبق وأشرنا إلى ذلك يدخل في باب التكوين المستمر واستكمال التكوين من جهة أولى، ويهم تصورا ما للموارد البشرية وهذا يعني من يعنيهم الأمر كذلك كالوزارة (الموارد البشرية) والفرقاء الاجتماعيين من جهة ثانية. ولعل إيرادنا لهذه الملاحظات لا تنقص من المبادرة كما لا نكتفي بها لأن السؤال المطروح هو: لماذا الامتحانات المهنية؟ ماذا ينبغي أن تغير في مهنية رجال ونساء التعليم؟ وأي مهنية نريد من خلال الامتحانات المهنية؟....

ربما علينا أن نفكر بالمهنية والجودة: مهنية المدرس وجودته، بدل الحديث عن الترقي، وإن كان مشروعا، هكذا دون بوصلة واختيار واع بمهنة التدريس. ولهذه الدواعي وجب التفكير الجدي في التكوين المستمر وفي الامتحانات المهنية كوجه من وجوه التكوين الذاتي المعبر عنه بالتكوين مدى الحياة.

قد نجازف بالقول أن الأطر المرجعية، في صيغتها الراهنة، نوع من الشفافية بين الوزارة والممتحنين، وهو عهد جديد ينبغي مواصلة العمل فيه ليصبح مقياسا لوضوح ممكن: أين سيمتحن الممتحن؟ كيف سيمتحن؟ لماذا سيمتحن فيما سيمتحن فيه؟...إلخ.

ولكي لا نغفل الأهمية الكبيرة للأطر المرجعية في تتبيث ودعم وتركيز المهنية والجودة وجب التذكير بأنها تعاقد حول المهنية بالذات، وهذا ما سنستنتجه من خلال التعارف التالية:

 

  • الإطار المرجعي هو مرجع الدبلوم أو الشهادة أو شهادة الشغل أو التكوين أو الحرفة. والمرجع أنشطة مهنية ينبغي أن يمارسها الشغيل أو صاحب الدبلوم، ويرتكز المرجع على تحليل النشاط واستباق تطوره.
  • المرجع افتحاص للأفعال والأعمال والأداءات القابلة للملاحظة المشكلة لقدرات معينة.
  • يرتبط الإطار المرجعي بالكفايات، ويمثل ترجمة لبرامج التكوين إلى عناصر مموضعة وقابلة للتقويم. وكان الإطار المرجعي يستعمل في التكوين المهني. والإطار المرجعي لائحة متطلبات دنيا يطلب التحكم فيها من قبل المتكون حتى يحصل على شهادة مهنية مصادق عليها أو ذات صلاحية لممارسة مهنة أو حرفة.
  • يمثل النظام المرجعي للكفايات بيانا أو كشفا أو جردا كاملا للكفايات المراد تحقيقها في مجالات الأنشطة المحددة سلفا. يوجد نوعان من المراجع هما:

أولا: النظام المرجعي للكفايات المهنية ويشمل الأنشطة المهنية والكفايات المطلوبة.

ثانيا: النظام المرجعي للدبلوم الذي يثبت وظيفة مثبتة الصلاحية والذي يسمح بتقويم وفق تكوين ما إذا كان طالب قادرا على تعبئة الكفايات المطلوبة في المجالات المحال عليها بدقة.

 

 

 

 

 

نستخلص مما تقدم أن الأطر المرجعية:

 

 1. هي أطر مرجعية للدبلوم والشهادة كيفما كانت الشهادة وكيفما كان الدبلوم؛ ويعني هذا الأمر التلميذ (في المدرسة والإعدادية والثانوية)،  والطالب ( في الكلية والمعهد والمدارس العليا...)، والمقبل على تكوين أساسي مهني كالطالب الأستاذ، والأستاذ الممارس (التكوين المستمر أو استكمال التكوين): أي تكوين لأي أستاذ؟ أي امتحان لأي ممتحن؟...إلخ.

2. هي تدقيق لما سيقوم به المعني أثناء التكوين وبعده: أي كشف للكفايات التي ينبغي تحديدها بدقة لمزاولة المهنة واجتياز امتحان أو اختبار الولوج.

3. هي تقويم للأداء المهني أثناء التكوين الأساسي وفي الميدان، وهو ما يعني وجوب تغيير الرؤية للترقي بشكل عام: وضع معايير أو مؤشرات عن أداء مهني للترقي، جعل الامتحانات بعدا يجسد التمهين والتكوين مدى الحياة...إلخ.

انطلاقا من هذا التصور، اعتقدنا، أن الإعلان عن أطر مرجعية للامتحانات المهنية سيساهم في أبعاد كثيرة، وإن لم تبلغ بعد المراد، منها التعاقد مع الممتحن، ونزع طابع الارتجالية عن الامتحانات، بل القطع مع جميع الممارسات التقليدية المرتبطة بتمثلاتنا الامتحان...إلخ.

 

 

 

 

 

 

ما ينبغي التركيز عليه:

سيكون الممتحن أمام:

  1. 1.    مجالات محددة وفروع مجالات أكثر تحديدا.
  2. 2.     أوزان تميز أهمية كل مجال. فما يهم هو أن يقرأ الممتحن النسب المئوية المخصصة لكل مجال لأنها تترجم درجات الأهمية التي يحظى بها هذا المجال أو ذاك.
  3. 3.    . ليعلم الممتحن أن موضوع الامتحان لن يخرج عن المجالات المذكورة في كل إطار مرجعي.
  4. 4.     ليعلم الممتحن أن طبيعة الامتحان قد تتخذ أشكالا متعددة كالامتحان الذي يغطي جميع المجالات أو الذي يقتصر على مجال دون غيره...إلخ.
  5. 5.    وليعلم أن الأسئلة تكون منفصلة مركبة، حيث يتطلب كل سؤال إجابة منفصلة.
  6. 6.    وليعلم كذلك أن الامتحان يكون نصا مزدوج اللغة أو أسئلة مزدوجة اللغة.

 

 

 

 


 

 

 

 

 

 

 

 

الأطر المرجعية الخاصة بعلوم التربية

هيئات التدريس

 

 

 

مواصفات اختبارات الكفاءة المهنية - 2006

 

 

نوع الامتحان: امتحان الكفاءة المهنية لولوج الدرجة الثانية من إطار المعلمين (س9)     المادة:  التربية وعلم النفس             المدة: 2س.                        المعامل: 2

مواصفات الاختبار: þتحليل ومناقشة نص.

المحاور أو المجالات أو الأبعاد الرئيسية

تفصيل المحاور أو المجالات أو الأبعاد الرئيسية

وزن المحور (%)

 

1. المحور الرئيسي الأول : سوسيولوجيا التربية.

 

1.2. المجال الفرعي1: تيارات سوسيولوجيا التربية

33%

2.2. المجال الفرعي2: التنشئة الاجتماعية

 

3.2 المجال الفرعي3 :  سوسيولوجيا المعرفة المدرسية

 

4.2. المجال الفرعي4: سوسيولوجيا النظام التربوي

 

5.2. المجال الفرعي5: سوسيولوجيا وإشكاليات التنمية

 

2. المحور الرئيسي الثاني:  دينامية الجماعات

 

 

1.3. المجال الفرعي1: مقاربات دينامية الجماعات

 

33%

2.3. المجال الفرعي2: دينامية الجماعات الصغرى : جماعة القسم

 

3.3. المجال الفرعي3: القيادة وأدوار المدرس

 

4.3. المجال الفرعي4: التفاعلات داخل جماعة القسم: التفاعل البيداغوجي

 

3. 5. المجال الفرعي 5: آليات التواصل داخل جماعة القسم : التواصل البيداغوجي

 

3. المحور الرئيسي الثالث: تدبير وتنشيط التعلمات

 

1.6. المجال الفرعي1: البيداغوجيات: الأهداف، حل المشكلات، الفارقية، الكفايات، المشروع، الخطأ... 

 

34%

2.6. المجال الفرعي2: تقنيات التنشيط: العرض، لعب الأدوار، تقنية فيلبس، الحوار، المساءلة، دراسة الحالة...

 

 

 

مواصفات اختبارات الكفاءة المهنية -2006-

 

 

نوع الامتحان: امتحان ولوج الدرجة الثانية من إطار أساتذة التعليم الابتدائي 

   المادة:  تحليل ومناقشة نص تربوي          المدة: 2 ساعات.       المعامل: 2     مواصفات الاختبار:  þ  تحليل ومناقشة نص

المحاور أو المجالات أو الأبعاد الرئيسية

تفصيل المحاور أو المجالات أو الأبعاد الرئيسية

وزن المحور (%)

1. المحور الرئيسي الأول:  دينامية الجماعات

 

 

1.3. المجال الفرعي1: مقاربات دينامية الجماعات

 

50%

2.3. المجال الفرعي2: دينامية الجماعات الصغرى : جماعة القسم

 

3.3. المجال الفرعي3: القيادة وأدوار المدرس

 

4.3. المجال الفرعي4: التفاعلات داخل جماعة القسم: التفاعل البيداغوجي

 

3. 5. المجال الفرعي 5: آليات التواصل داخل جماعة القسم : التواصل البيداغوجي

 

 

2. المحور الرئيسي الثاني: البيداغوجيات والتنشيط

 

1.6. المجال الفرعي1: البيداغوجيات: الأهداف، حل المشكلات، الفارقية، الكفايات، المشروع، الخطأ... 

 

50%

2.6. المجال الفرعي2: تقنيات التنشيط: العرض، لعب الأدوار، تقنية فيلبس، الحوار، المساءلة، دراسة الحالة...

 

 

 

مراجع للاستئناس:

مراجع باللغة العربية ووثائق رسمية:

الميثاق الوطني للتربية والتكوين.

الكتاب الأبيض، وزارة التربية الوطنية المغربية، لجن مراجعة المناهج والبرامج، غشت 2001:أجزاء الكتاب الأبيض من واحد إلى ثمانية.

 

مواصفات اختبارات الكفاءة المهنية – 2006

 

نوع الامتحان: امتحان ولوج الدرجة الثانية من إطار أساتذة التعليم الابتدائي 

   المادة:  اختبار في التربية وعلم النفس التربوي          المدة: 3 ساعات.       المعامل: 3     مواصفات الاختبار:  þ  تحليل ومناقشة نص في التربية وعلم النفس التربوي  

المحاور أو المجالات أو الأبعاد الرئيسية

تفصيل المحاور أو المجالات أو الأبعاد الرئيسية

وزن المحور (%)

 

1. المحور الرئيسي الأول: سوسيولوجيا التربية.

 

1.2. المجال الفرعي1: تيارات سوسيولوجيا التربية

15%

2.2. المجال الفرعي2: التنشئة الاجتماعية

 

3.2 المجال الفرعي3 :  سوسيولوجيا المعرفة المدرسية

 

4.2. المجال الفرعي4: سوسيولوجيا النظام التربوي

 

5.2. المجال الفرعي5: المدرسة والتنمية

 

2. المحور الرئيسي الثاني:  دينامية الجماعات

 

 

1.3. المجال الفرعي1: مقاربات دينامية الجماعات

 

25%

2.3. المجال الفرعي2: دينامية الجماعات الصغرى : جماعة القسم

 

3.3. المجال الفرعي3: القيادة وأدوار المدرس

 

4.3. المجال الفرعي4: التفاعلات داخل جماعة القسم: التفاعل البيداغوجي

 

3. 5. المجال الفرعي 5: آليات التواصل داخل جماعة القسم : التواصل البيداغوجي

3. المحور الرئيسي الثالث: نظريات التعلم

 

 

 

1.5. المجال الفرعي1: ا.النظريات السلوكية

 

25%

2.5. المجال الفرعي2: النظرية الجشطلتية

 

3.5. المجال الفرعي3: النظرية البنائية

 

4.5. المجال الفرعي4: النظرية السوسيو-  بنائية

 

5.5. المجال الفرعي 5: النظريات المعرفية

 

 

 

4. المحور الرئيسي الرابع: تدبير وتنشيط التعلمات

 

1.6. المجال الفرعي1: البيداغوجيات: الأهداف، حل المشكلات، الفارقية، الكفايات، المشروع، الخطأ... 

 

35%

2.6. المجال الفرعي2: تقنيات التنشيط: العرض، لعب الأدوار، تقنية فيلبس، الحوار، المساءلة، دراسة الحالة...

 

مراجع للاستئناس:

مراجع باللغة العربية ووثائق رسمية:

الميثاق الوطني للتربية والتكوين.

الكتاب الأبيض، وزارة التربية الوطنية المغربية، لجن مراجعة المناهج والبرامج، غشت 2001:أجزاء الكتاب الأبيض من واحد إلى ثمانية.

 

مواصفات اختبارات الكفاءة المهنية - 2006

 

نوع الامتحان: امتحان ولوج الدرجة الأولى من إطار أساتذة التعليم الابتدائي     المادة:  التربية وعلم النفس             المدة: 3 ساعات.                        المعامل: 3 

مواصفات الاختبار: þتحليل ومناقشة نص في التربية وعلم النفس التربوي.

 

المحاور أو المجالات أو الأبعاد الرئيسية

تفصيل المحاور أو المجالات أو الأبعاد الرئيسية

وزن المحور (%)

 

1. المحور الرئيسي الأول: سوسيولوجيا التربية.

 

1.2. المجال الفرعي1: تيارات سوسيولوجيا التربية

20%

2.2. المجال الفرعي2: التنشئة الاجتماعية

 

3.2 المجال الفرعي3 :  سوسيولوجيا المعرفة المدرسية

 

4.2. المجال الفرعي4: سوسيولوجيا النظام التربوي

 

5.2. المجال الفرعي5: المدرسة والتنمية

 

2. المحور الرئيسي الثاني: نظريات التعلم

 

 

 

1.5. المجال الفرعي1: ا.النظريات السلوكية

 

25%

2.5. المجال الفرعي2: النظرية الجشطلتية

 

3.5. المجال الفرعي3: النظرية البنائية

 

4.5. المجال الفرعي4: النظرية السوسيو-  بنائية

 

5.5. المجال الفرعي 5: النظريات المعرفية

 

 

 

3. المحور الرئيسي الثالث: البيداغوجيات وتنشيط الجماعات

 

1.6. المجال الفرعي1: البيداغوجيات: الأهداف، حل المشكلات، الفارقية، الكفايات، المشروع، الخطأ، الفارقية... 

 

35%

2.6. المجال الفرعي2: تقنيات التنشيط: العرض، لعب الأدوار، تقنية فيلبس، الحوار، المساءلة، دراسة الحالة...

 

4. المحور الرئيسي الرابع: التقويم التربوي

 

1.8. المجال الفرعي1:  التقويم: أنواعه وأنماطه

20%

2.8. المجال الفرعي2: التقويم:  أهميته ، خصائصه، أدواره.

مراجع للاستئناس:

مراجع باللغة العربية ووثائق رسمية:

الميثاق الوطني للتربية والتكوين.

الكتاب الأبيض، وزارة التربية الوطنية المغربية، لجن مراجعة المناهج والبرامج، غشت 2001:أجزاء الكتاب الأبيض من واحد إلى ثمانية

مواصفات اختبارات الكفاءة المهنية – 2006

 

نوع الامتحان: امتحان الكفاءة المهنية لولوج الدرجة الثانية من إطار أساتذة التعليم الثانوي الإعدادي. 

 

مادة: التربية وعلم النفس التربوي والتربية العامة          المدة: ساعتان       المعامل: 2 

مواصفات الاختبار:  þ تحليل ومناقشة نص.

المحاور أو المجالات أو الأبعاد الرئيسية

تفصيل المحاور أو المجالات أو الأبعاد الرئيسية

وزن المحور (%)

 

1. المحور الرئيسي الأول: سوسيولوجيا التربية.

1.2. المجال الفرعي1: تيارات سوسيولوجيا التربية

20%

2.2. المجال الفرعي2: التنشئة الاجتماعية

 

3.2 المجال الفرعي3:  سوسيولوجيا المعرفة المدرسية

 

4.2. المجال الفرعي2: سوسيولوجيا النظام التربوي

 

5.2. المجال الفرعي2: المدرسة و التنمية

 

2. المحور الرئيسي الثاني: دينامية الجماعات

 

1.3. المجال الفرعي1: مقاربات دينامية الجماعات

 

25%

2.3. المجال الفرعي2: دينامية الجماعات الصغرى : جماعة القسم

 

3.3. المجال الفرعي3: القيادة وأدوار المدرس

 

4.3. المجال الفرعي4: التفاعلات داخل جماعة القسم: التفاعل البيداغوجي

 

5.3. المجال الفرعي 5: آليات التواصل داخل جماعة القسم : التواصل البيداغوجي.

3. المحور الرئيسي الثالث: نظريات التعلم

 

 

 

1.5. المجال الفرعي1: ا.النظريات السلوكية

 

20%

2.5. المجال الفرعي2: النظرية الجشطلتية

 

3.5. المجال الفرعي3: النظرية البنائية

 

4.5. المجال الفرعي4: النظرية السوسيو-  بنائية

 

5. 5. المجال الفرعي 5: النظريات المعرفية

 

4. المحور الرئيسي الرابع: تدبير وتنشيط التعلمات

1.6. المجال الفرعي1: البيداغوجيات: الأهداف، حل المشكلات، الفارقية، الكفايات، المشروع، الخطأ... 

35%

2.6. المجال الفرعي2: تقنيات التنشيط: العرض، لعب الأدوار، تقنية فيلبس، الحوار، المساءلة، دراسة الحالة...

 

 

 

مواصفات اختبارات الكفاءة المهنية – 2006

 

 

نوع الامتحان: امتحان الكفاءة المهنية لولوج الدرجة الأولى من إطار أساتذة التعليم الثانوي الإعدادي. 

 

مادة: التربية وعلم النفس التربوي والتربية العامة          المدة: ساعتان       المعامل: 2       مواصفات الاختبار:  þ تحليل ومناقشة  

المحاور أو المجالات أو الأبعاد الرئيسية

تفصيل المحاور أو المجالات أو الأبعاد الرئيسية

وزن المحور (%)

 

1. المحور الرئيسي الأول: سوسيولوجيا التربية.

1.2. المجال الفرعي1: تيارات سوسيولوجيا التربية

15%

2.2. المجال الفرعي2: التنشئة الاجتماعية

 

3.2 المجال الفرعي3:  سوسيولوجيا المعرفة المدرسية

 

4.2. المجال الفرعي2: سوسيولوجيا النظام التربوي

 

5.2. المجال الفرعي2: المدرسة والتنمية

 

2. المحور الرئيسي الثاني: دينامية الجماعات

 

1.3. المجال الفرعي1: مقاربات دينامية الجماعات

 

25%

2.3. المجال الفرعي2: دينامية الجماعات الصغرى : جماعة القسم

 

3.3. المجال الفرعي3: القيادة وأدوار المدرس

4.3. المجال الفرعي4: التفاعلات داخل جماعة القسم: التفاعل البيداغوجي

 

5.3. المجال الفرعي 5: آليات التواصل داخل جماعة القسم : التواصل البيداغوجي

3. المحور الرئيسي الثالث: نظريات التعلم

 

 

 

1.5. المجال الفرعي1: ا.النظريات السلوكية

 

15%

2.5. المجال الفرعي2: النظرية الجشطلتية

 

3.5. المجال الفرعي3: النظرية البنائية

 

4.5. المجال الفرعي4: النظرية السوسيو-  بنائية

 

5. 5. المجال الفرعي 5: النظريات المعرفية

 

 

 

4. المحور الرئيسي الرابع: تدبير وتنشيط التعلمات

1.6. المجال الفرعي1: البيداغوجيات: الأهداف، حل المشكلات، الفارقية، الكفايات، المشروع، الخطأ... 

25%

2.6. المجال الفرعي2: تقنيات التنشيط: العرض، لعب الأدوار، تقنية فيلبس، الحوار، المساءلة، دراسة الحالة...

 

 

5. المحور الرئيسي الخامس: التخطيط الديداكتيكي والبيداغوجي

1.7. المجال الفرعي1:  التخطيط الديداكتيكي والبيداغوجي للتعلمات: المقاربة المضمونية، المقاربة بالأهداف، المقاربة بالكفايات، المقاربة الوضعياتية.

20%

2.7. المجال الفرعي2: التخطيط وهندسة التعلمات: المناهج، البرامج، الدروس، المقاطع، الوضعيات(إدماج، دعم...)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مواصفات اختبارات الكفاءة المهنية - 2006

 

 

نوع الامتحان: امتحان الكفاءة المهنية لولوج الدرجة الأولى من إطار أساتذة التعليم الثانوي الإعدادي. 

مادة: دراسة حالة تربوية وتعليمية            المدة: ساعتان       المعامل: 2      مواصفات الاختبار:  þ تحليل ومناقشة   

 

 

المحاور أو المجالات أو الأبعاد الرئيسية

تفصيل المحاور أو المجالات أو الأبعاد الرئيسية

وزن المحور (%)

 

1. المحور الرئيسي الأول: حالة اجتماعية

المجال الفرعي1: فوارق اجتماعية

25%

المجال الفرعي 2: عنف اجتماعي

 

المجال الفرعي 3: هدر دراسي........

2. المحور الرئيسي الثاني: حالة تواصلية

 

المجال الفرعي1: انعدام التواصل

25%

المجال الفرعي2: مستوى التواصل ونوعيته

المجال الفرعي3: انعدام الاهتمام

المجال الفرعي4: تفاوت الخطاب التواصلي

 

المجال الفرعي5: تعددية الزعامات أو انعدامها............

 

3. المحور الرئيسي الثالث: حالة ثقافية

 

 

 

المجال الفرعي1: الوسط والمدرسة

25%

المجال الفرعي2: التنشئة الاجتماعية (تأثير الأسرة والوسط) /الخطاب المدرسي

المجال الفرعي3: المتخيل الاجتماعي والمعرفة المدرسية

المجال الفرعي4: تعددية الثقافات داخل القسم والمدرسة

 

4. المحور الرئيسي الرابع: حالة تربوية

المجال الفرعي1: التأخر، التغيب، عدم الاهتمام، عدم المشاركة، النزوع الفردي، عدم الاجتهاد، انعدام الاستعداد، الغش....

25%

المجال الفرعي2: الاستهتار بالنظام المدرسي، الإخلال بالأخلاق المدرسية، عدم الاهتمام بفضاء المدرسة............

المراجع للاستئناس:

مراجع باللغة العربية ووثائق رسمية:

- الميثاق الوطني للتربية والتكوين

- الكتاب الأبيض، وزارة التربية الوطنية المغربية، لجن مراجعة المناهج والبرامج، غشت 2001:أجزاء الكتاب الأبيض من واحد إلى ثمانية

مواصفات اختبارات الكفاءة المهنية – 2006

نوع الامتحان: امتحان الكفاءة المهنية لولوج الدرجة الأولى من إطار أساتذة التعليم الثانوي التأهيلي   المادة: التربية وعلم النفس التربوي  المدة: ساعتان   المعامل: 2.

مواصفات الاختبار:   þ تحليل ومناقشة نص    

المحاور أو المجالات أو الأبعاد الرئيسية

تفصيل المحاور أو المجالات أو الأبعاد الرئيسية

وزن المحور (%)

 

1. المحور الرئيسي الأول:  سوسيولوجيا التربية.

 

 

1.2. المجال الفرعي1: تيارات سوسيولوجيا التربية

15%

2.2. المجال الفرعي2: التنشئة الاجتماعية

 

3.2 المجال الفرعي3:  سوسيولوجيا المعرفة المدرسية

 

4.2. المجال الفرعي2: سوسيولوجيا النظام التربوي

 

5.2. المجال الفرعي2: سوسيولوجيا وإشكاليات التنمية

 

2. المحور الرئيسي الثاني: علم النفس الاجتماعي

 

 

1.3. المجال الفرعي1: مقاربات دينامية الجماعات

 

25%

2.3. المجال الفرعي2: دينامية الجماعات الصغرى : جماعة القسم

3.3. المجال الفرعي3: القيادة وأدوار المدرس

4.3. المجال الفرعي4: التفاعلات داخل جماعة القسم: التفاعل البيداغوجي

3. 5. المجال الفرعي 5: آليات التواصل داخل جماعة القسم : التواصل البيداغوجي

3. المحور الرئيسي الثالث: تدبير وتنشيط التعلمات

 

 

1.6. المجال الفرعي1: البيداغوجيات: الأهداف، حل المشكلات، الفارقية، الكفايات، المشروع، الخطأ... 

 

 

25%

 

2.6. المجال الفرعي2: تقنيات التنشيط: العرض، لعب الأدوار، تقنية فيلبس، الحوار، المساءلة، دراسة الحالة...

 

 

 

 

4. المحور الرئيسي الرابع: التخطيط الديداكتيكي والبيداغوجي

 

1.7. المجال الفرعي1:  التخطيط الديداكتيكي والبيداغوجي للتعلمات: المقاربة المضمونية، المقاربة بالأهداف، المقاربة بالكفايات، المقاربة الوضعياتية.

25%

2.7. المجال الفرعي2: التخطيط وهندسة التعلمات: المناهج، البرامج، الدروس، المقاطع، الوضعيات(إدماج، دعم...)

5 . المحور الرئيسي الخامس: التقويم التربوي

 

 

 

1.8. المجال الفرعي1: التقويم

10%

2.8. المجال الفرعي2: التقويم والقياس

 

3.8. المجال الفرعي3: التقويم: أنواعه وأنماطه

 

4.8. المجال الفرعي4: سيرورات وإجراءات التقويم

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

               

 

 

 

 

 

 

 

التعلم

إن التعلم هو موضوع نظريات التعلم الكبرى في علم النفس كالمدرسة السلوكية والجشطلتية وعلم النفس النمو وعلم النفس المعرفي والسوسيوبنائية. وقبل التطرق لكل مدرسة على حدة سنعمل على إعطاء نظرة عامة عن مدارس علم النفس، ومفهوم الدافعية، ثم سنتوقف عند مفهوم التعلم، وأخيرا سنتعرض لكل نظرية في التعلم على حدة.

أولا: مجالات علم النفس

تتعدد مجالات علم النفس فنجد:

- علم النفس الفيزيولوجي

- علم النفس الحيوان

- علم النفس الفارقي

- علم النفس الطفل

- علم النفس التربوي

- علم النفس الإكلينيكي

- علم النفس الصناعي

- علم النفس الحربي (العسكري)

- علم النفس التطبيقي...إلخ.

 

ثانيا:الدوافع

يهتم علم النفس بالدافع، وهو مفهوم افتراضي، يرادف الحافز والباعث والرغبة والميل والحاجة والعاطفة والغرض والقصد والغاية...إلخ، والدوافع أنواع كثيرة كالدوافع الجسمية والنفسية والدوافع المؤقتة والفطرية والموروثة والدوافع اللاشعورية...إلخ.

يتميز الإنسان بدوافع كثيرة قد تنجم عن الحاجيات الجسمية أو النفسية أو الثقافية أوالتعلمية أو العضوية...إلخ. وإن تلبية الدافع تميل نحو التوازن الفرد.

قسم علماء النفس الدوافع إلى ما يلي:

أ- دوافع فطرية كالحاجات الأولية ودافع الهرب والخوف والأمن والتقدير والغضب والقتال والاستطلاع واللعب...إلخ.

ب- دوافع مكتسبة كالمحاكاة والسيطرة وإثبات الذات وغريزة العدوان والاتجاهات والمواقف...إلخ.

ج- دوافع لا شعورية تعبر عن نفسها بفلتات اللسان وزلات القلم والنسيان والأحلام وضياع الأشياء والسلوكات العرضية...إلخ.

 

 

 

 

 

 

 

 

ثالثا: التعلم

1- تعريف التعلم:

  • نشاط أو مجموعة أنشطة تسمح للشخص باكتساب أو تعميق استعداداته.
  •  التعلم نسق تكويني منظم يستهدف الاعتراف المهني في حرفة محددة.
  •  التعلم هو فعل التعلم، أي القدرة على إعطاء معنى للأشياء بغاية القدرة على فعل شئ لم نكن نستطيع القيام به قبل تعلمه، أو تحصيل معارف وقدرات وتنمية استعدادات ومواقف.
  • التعلم مجموعة من الأنشطة تسمح للشخص باكتساب أو تعميق معارفه أو تنمية استعداداته ومواقفه.
  •  التعلم تكوين بالتناوب يتم وفق عقد الشغل.
  • التعلم تغيير دائم في السلوك، حيث لا يعزى هذا التغير لما هو فيزيولوجي.ويرى علماء النفس أن جميع الحيوانات قابلة للتعلم.
  • التعلم سيرورة داخلية تتم (تحت تأثير عوامل التغير) باكتساب تمثل داخلي لفكرة (معرفة) أو إقامة مهارة أو موقف. ولا يمكن قياس هذه السيرورة الداخلية مباشرة لأنها تبين عن نفسها من خلال تمظهرات خارجية قابلة للملاحظة مشكلة الإنجاز الممكن بالنسبة للسلوك المتوخى أو الموضوع المراد. وأخيرا فإن هذا التحول يعود للتجربة أو الممارسة أوالديمومة التي ترتبط بدورها بعوامل كالتحفيز والنسيان.

●  يتمثل التعلم في التغير النسقي للتصرف في حالة تكرار نفس الوضعية. فالتغير الحاصل ينبغي أن يحوز نسبيا على بعض الديمومة، ولا يظهر، فقط، على شكل تغير كثيف خالص أو كمي مثل تسارع في السرعة أو تقلص مطرد في المجهود... إلخ.

● يمكن اعتبار التعلم مجموعة من التغيرات حيث يكون الفرد مسرحا لها تكون بدورها نتيجة استجابات لمثيرات تمثيلية حاضرة أو ماضية.

● يكون التعلم حينما يكون تغير في السلوك وثبات فيه. فالتغير في السلوك الثابت يسمى تعلما، وعليه أن يحتفظ به لوصف ما يحدث حينما تدخل عضوية معينة في تفاعل مع محيطها.

● التعلم هو كل تغير، نسبيا، دائم في السلوك يظهر في بعض التجارب أو في مجموع التجارب المعيشة من قبل العضوية على المستوى الفزيولوجي. والتعلم و الذاكرة يرتبطان باكتساب طرق جديدة في التواصل أو أكثر نجاعة في النسق العصبي.

ففي المنظور السلوكي (المدرسة السلوكية) يؤكد بافلوف على وجود أنشطة تتعلم وأنشطة لا تقبل التعلم، إلا أن كل نشاط للعضوية عبارة عن استجابة (محددة أو محكومة بقانون) لحركة من العالم الخارجي.

● التعلم هو التغير المتنامي في صورة الفهم وفي أشكال السلوك وذلك بغاية التكيف مع الحاجيات المحسوس بها في الحياة.

 

 

 

 

 

خاصيات التعلم:

نستطيع أن نستخلص من مجموع هذه التعاريف عدة خاصيات للتعلم تعتبر ملازمة لفعل التعلم منها:

1- التعلم هو شئ خاص بالمتعلم الذي يمتلك ذكاء وينتمي لمملكة الحيوان.

2- يجب التوفر على موضوع للتعلم أو على سلوك مستهدف، أي على هدف للتعلم.

3- يظهر التعلم من خلال تغير أو تبدل في السلوك أمام ذلك المرمى أو الهدف.

4- ينبغي أن يكون هذا التغير المتنامي نسقيا ويعود إلى تكرار نفس الوضعية.

5- إن التغير أو التحول في التصرف هو أولا وقبل كل شئ يعود إلى النظام الداخلي للعضوية، ويكون هذا التحول قابلا للإدراك خارجيا تحت شكل إنجاز قابل للقياس. ثم إن الإنجاز لا يمكنه أن يبين تعلم الفرد برمته لوجود عوامل مشوشة مثل العياء والقلق والراحة والمرض والتحفيز.. .إلخ.

6- لا يكون التغير دوما كميا، بل كيفيا كذلك. يمكن القيام بهذا التغيير في اتجاه ايجابي (سلوك مرغوب فيه) أو في اتجاه سلبي ( سلوكات منحرفة أو سلوكات التشرد).

7- يتميز التغير ببعض الديمومة والاستمرارية.

 

 

 

 

 

2- التعلم والظواهر المقرونة به:

2-1- ردود الفعل

هي الظواهر العصبية المتمثلة في استجابة محددة مباشرة ولا إرادية للعضوية بفعل استثارة خاصة. نجد مثلا أن صعقة كهربائية لرجل تحدث تمدد الساق، وأن رياحا تمس العين تجعلها تجمع جفنيها... إلخ. فردود الفعل هذه طبيعية يمتلكها كل إنسان منذ الولادة، وهي تسمى ردود فعل فطرية أو مطلقة حتى يمكن تمييزها عن ردود الفعل الشرطية التي درسها في المقام الأول بافلوف (1903)، ومفادها أن الكلب يتداعى لعابه حينما ندخل في فمه قطعة لحم ( وهذا رد فعل فطري)، لكننا إذا ما جمعنا الأكل بانتظام وخلال مدة طويلة بصدمة كهربائية طفيفة سنلاحظ بأن هذه الأخيرة كافية لتحدث رد الفعل الذي هو سيلان اللعاب. فنقول عن هذه الاستجابة بأنها استجابة شرطية، وهي تتناسب و تعلم برابطة بين رد الفعل المطلق و مثير جديد. والملاحظ أن تطبيق الاستجابات الشرطية يخضع لترويض الحيوانات.

 

2-2- رد الفعل الطبيعي

  هو توجه أو انحراف طبيعي نحو شئ معين كانحراف غصن الشجرة إلى الأسفل أو إلى الأعلى.

التوجه ناحية الضوء phototropisme كتوجه زهرة أو نبتة نحو الضوء.

التوجه نحو الماء hydrotropisme كتوجه الطيور والسلاحف نحو الماء.

التوجه نحو الأرض géotropisme ويشمل جذور النباتات والأشجار.

ومن بين ردود الفعل الطبيعية نجد كل ما له علاقة بالغرائز وتشمل، مثلا، غرائز البقاء والهروب من الخطر والتوالد. وقد اعتقد فيما سبق أن بعض الغرائز كانت تصنف فطرية لكنها أضحت خاضعة للتعلم.

 

2-3- التعلم والنضج

يشير النضج إلى تغير في بنية العضوية. فبعض التعلمات ترتبط ارتباطا عميقا بالنضج كاللغة، وهي عند الحيوانات سلوكات أخرى. فإذا تطور شكل موحد عند مجموعة نجد بأن هذا السلوك يعود إلى النضج: الوظائف الجنسية مثلا. و يمكن لتغير في سلوك عضوية أن يحدث في لحظة لا تكون فيها العضوية مهيأة للتعلم. وبعض السلوكات تظهر فجأة في العضوية دون أن تخضع عند هذه الأخيرة لتعلم ما مثل السلحفاة التي تتوجه نحو البحر وتشرع في السباحة أو الطائر الذي يبدأ في الطيران ما أن يصبح ناضجا.

 

2-4- التعلم والتقويم

 من أجل تقويم ما إذا حدث تغير في السلوك الظاهر في وضعية اختبار يكون كافيا للدلالة على سيرورة داخلية للتعلم نعمل على وضع مؤشرات للتعلم. ومعيار التعلم هو مجموع الخصائص التي ينبغي أن تتوفر في سلوك معين ليظهر التعلم.

كما يسمح استعمال معايير التعلم بأخذ قرار يهم تغيير السلوك المتعلم. ثم ينبغي التأكد من كون بلوغ المعايير لا يجب أن يكون مشوشا عليها بتغيرات فيزيائية أو حالات ظرفية أو خاضعة لعوامل النضج وحدها أو أخرى عرضية. لكن ينبغي أن يخضع التغيير لعوامل التجربة والمراس.

 

2-5- التعلم الشرطي

الشرط هو إجراء يتمثل في حافز أخذ من المحيط لإحداث أو قولبة سلوك. فبفضل تقنية الشرط ( المؤثر) يبحث السلوكيون عن كشف المتغيرات التي تراقب السلوك وتحديد العلاقات الدقيقة بينها، وذلك بغاية تحليل ومراقبة السلوك.

عرفت معظم نظريات التعلم ثلاثة متغيرات كبرى في هذه السيرورة هي: 1- المحيط الذي يثير السلوك، 2- العضوية المستثارة، 3- السلوك أو استجابة العضوية بعد الاستثارة.

يوجد نوعان من الشرط، هما الاستجابة الشرطية أو الشرطية الكلاسيكية ورائدها هو بافلوف، ثم الاستجابة الفاعلة أو المؤثرة التي جاء بها سكينر.

 

2-6- السلوك الاستجابي البافلوفي

يسمى السلوك البافلوفي أو الكلاسيكي أو السلوك من الدرجة الأولى. وفي هذا النوع من السلوك يتحرك المعني بسبب كذا أو كذا

سنورد حالتين توضحان ذلك من تجارب بافلوف و واطسن.

 

 

 

 

2-7- تجربة بافلوف

إن أحسن وسيلة لوصف العناصر الأساسية للشرط أو الاكتساب تتمثل في تخيل تجربة بافلوف الكلاسيكية. هناك كلب جائع أعد بعناية بعدة تسمح بالإدارة الدقيقة للمثيرات والقياس الدقيق لردود فعل الكلب. نضع الأكل في فم الكلب وذلك ما يثير غدده اللعابية فيسل اللعاب بالنتيجة. وهنا يكون إفراز اللعاب أوتوماتيكيا وليس متعلما. ويعرف إفراز اللعاب باسم الانعكاس الشرطي. فالأكل الذي يطلق اللعاب اللاشرطي لانعكاس لا مشروط يسمى المثير اللاشرطي.

لنفترض أننا أخذنا مثيرا آخرعبارة عن ضوء ساطع مثلا ليس له أي تأثير على الغدد اللعابية، ولنفترض أننا أشعلنا الضوء قبل وضع الأكل مباشرة في فم الكلب. وفي كل مرة يقترن فيها الضوء بتقديم الأكل نقول بحدوث نوع من التعزيز، وبلغة أخرى يحاول المجرب تعزيز أو تأكيد العلاقة الواسعة بين الأكل و الضوء. وبعد عدة تعزيزات من هذا النوع يصبح الضوء وحده من فرز اللعاب. فيبدو أن حركة الغدد في هذه الظروف تسمى الانعكاس الشرطي أو الاستجابة الشرطية. وبالفعل فإن إفراز اللعاب تحت الضوء يكون شرطيا الآن.

 

2-8- التجربة الواطسنية

هناك مثل آخر من هذا النوع هو الخوف. ففي سنة 1920 أبدع واطسن، في المختبر، الخوف من الفئران البيضاء عند الطفل المسمى ألبير. فالتجربة على الطفل ألبير التي طرحت اليوم مشاكل أخلاقية مهنية، وكجميع الأطفال يقوم برد فعل وهو يقفز و يبكي عند سماع صوت عنيف مدو غير متوقع ( الصوت يصدر هنا عند ضرب صفيحة نحاسية). ومن جانب آخر، حينما يظهر فأر أبيض لا يظهر الطفل أي خوف، محاولا اللعب معه. فعمل واطسن على تزامن ظهور الفأر الأبيض و ضرب الصفيحة النحاسية. وبعد ذلك سيصاب ألبير بالخوف الشديد عند ظهور الفأر الأبيض وحده.

في أول الأمر نجد أن ضرب الصفيحة النحاسية يجعل الطفل يقفز ويبكي خوفا. وعند ظهور الفأر الأبيض لا وجود للخوف عند الطفل.

وفي المرة الثانية نجد أن ظهور الفأر في تزامن مع صوت الصفيحة ينجم عنه الخوف الشديد.

وفي المرحلة الثالثة فإن ظهور الفأر الأبيض وحده يثير الخوف عند الطفل.

وبعد ذلك يمكن إزالة الخوف عند الطفل وهو ما يمكن من إزالة مخاوف أخرى بمساعدة التقنيات السلوكية.

 

2-9- السلوك الاستجابي

يرى رايف بأن السلوك الاستجابي هو الذي تكون فيه الاستجابة النوعية معبرا عنها بمثير نوعي؛ المثير يتقدم دائما الاستجابة. ويمكن للسلوك الاستجابي أن يكون مشروطا؛ بمعنى يحصل عن طريق مثير لا يشكل جزء من القوس الانعكاسي الطبيعي، ولكنه اقترن لمدة طويلة بمثير طبيعي أو لا شرطي.

 

 

 

 

 

 

2-10- تشابك المثيرات في التشارط الكلاسيكي

التشابك هو نوع من تمثيل المثير الطبيعي صحبة مثير محايد أو مثير شرطي طيلة فترة التعلم حتى تتمكن القوة المهيجة لهذا من أن تنتقل إلى ذاك. يمكن للتشابك أن يكون متزامنا أو مرجأ أو متعاقبا أو تراجعيا.

 

2-11- شروطه

1- ضرورة تكرار الجمع بين المثير الشرطي والمثير غير الشرطي

2- وجود قوة محفزة كافية

3- وجود كثافة كافية للمثير المحايد

4- غياب مثير غريب

 

2-12- التشارط ذو النظام العالي

هناك تشارط من نظام عال حينما ننجح في إقامة علاقة جديدة مشروطة بالجمع بين مثير مشروط قائم من ذي قبل بمثير جديد مشروط للحصول على نفس السلوك المشروط المحقق سلفا. ففي حالة كلب بافلوف يصبح الضوء يثير لعاب الكلب إذا اقترن بعد ذلك بصوت ناقوس لفترة طويلة... ففي الارتباط الشرطي يحدث أن تتضاعف الإجابة أو تتقلص. فما يزيد من مضاعفات يسمى تعزيزات.

 

2-13- فكرة التعزيز

يعرفه ريشيل (1966) التعزيز بأنه تصاعد في قوة رد الفعل لوجود مثير مناسب. للتعزيز دور الزيادة أو الرفع من الاستجابة والتحكم فيها ( التحكم في سلوك أو رد فعل) أو إزالتها. وهو لا يظل قابعا في المثير المعزز، لكن في آثار هذا المثير على السلوك. فالمعزز هو مثير يهيج أو يسبب تعزيزا. وتنقسم المعززات حسب طبيعتها إلى مايلي:

1- معززات أولية أو طبيعية وهي المعززات التي بإمكانها إشباع حاجة بيولوجية مثل الأكل.

2- معززات ثانوية وتنقسم إلى عدة أنواع منها:

*- التعزيزات الشرطية النوعية وهي المعززات التي تكون إلى جانب معزز طبيعي مثل الراحة أثناء الأكل.

*- المعززات الشرطية المعممة: توجد معززات لا ترتبط بحاجات نوعية ويمكن استعمالها في عدة ظروف مثل النقود.

3- المعززات والنتائج المرغوب فيها وهي المثيرات التي تنجم عنها أو تحدث سلوكات بإمكانها أن تتكرر في المستقبل مثل الماء والغذاء و الجنس والنقود. ومن التعزيزات الايجابية نجد مايلي:

*-التعزيزات الاجتماعية مثل الرضى و التيسير والقبول.

*-التعزيزات الواقعية ويدخل في إطارها ما يؤكل ويشاهد ويشعر به ويلمس و يؤخذ كلعبة أو أداة للعب...

*-التعزيزات الذاتية هي المرتبطة بالسلوك نفسه مثل البحث والتعرف والنجاح والبحث عن اللذة.

*-مبدأ بريماك ويتجسد في استعمال نشاط محبب للذات كمعزز في نشاط يحبه أقل منه، مثل الطفل الذي يحب مشاهدة برنامج تلفزيوني فتقرن المشاهدة بالقيام بواجب معين.

*-الانكماش والانعزال وهي الفترة التي لا يقوم فيها الفرد بأي حركة مثل حالة التسمم والاستشفاء و التمدد في غرفة النوم و دخول المراحيض.

*-التعزيزات السلبية أو العقابية و نجد من بينها العقاب لإزالة سلوك أو تعزيز آخر والتجنب والتهرب.

 

2-14- شروط نجاعة التعزيزات

نلاحظ أن جميع المثيرات ليست تعزيزات بالنسبة للذات لأنه لا بد من توفر شروط لذلك منها الاستجابة لحاجة من الحاجات كالحاجات البيولوجية أو الأمنية أو الإحساس بالانتماء وتقدير الذات والحاجة للفهم والمعرفة.

وحسب ماسلو فإن هذه الحاجات تشكل مصادر لتحفيز سلوكنا أو أفعالنا؛ لذا يمكن اختيار هذه المعززات من مثيرات تشبع عادة هذه الحاجة أو تلك. وينبغي أن يكون الإشباع مشعورا به في الآن حتى يضع حدا للنقص والحرمان. ثم إن المعزز ينبغي أن يتبع مباشرة السلوك الذي نرغب فيه.

 

2-15- مفهوم العقاب

1- إنه حضور مثير عقابي بالصدفة نتيجة استجابة معطاة. والنتيجة هي تناقص ذلك السلوك في أفق اختفائه. وللعقاب هدف يتمثل في زوال السلوك غير المرغوب فيه.

 

 

 

2-16- شروط نجاعة العقاب

إن الصرامة و تواتر العقاب ودرجة التحفيز كلها شروط تؤثر في نجاعة العقاب التي تتفاوت حسب الوضعيات.

 

2-17- برامج التعزيز

يجب التمييز بين برامج التعزيز التالية:

1- التعزيز المستمر

2- التعزيز كاستجابة سلبية أو إيجابية.

سيكون البرنامج ناجعا ويسمح بالتحصيل السريع، لكن غياب التعزيز قد يجر إلى الفتور السريع.

3-التعزيز الجزئي أو التناوبي

يستحسن هذا النوع من التعزيز عن التعزيز المستمر، بحيث نأخذه كقاعدة لقياس السلوكات المعبر عنها ويكون التعزيز بعد ذلك.

4-التعزيز المؤسس على الوقت ونميز فيه بين مايلي:

أ- التعزيز المرتبط بزمن مضبوط: أسبوعي، شهري...

ب- التعزيز خلال مدة محددة: يقدم خلال مدة عشرين يوما مثلا

ج- التعزيز بالصدفة: لا يعرف المعني الإجابة المعززة من غيرها. وهو تعزيز قد يجر القلق واللايقين لدى المعني بالتعزيز.

التعزيز المؤسس على عدد الإجابات المقدمة، وهو إما أنه:

أ- تعزيز بمعدل مضبوط يستهدف الامتياز والتفوق أو أنه:

ب- تعزيز بمعدل متغير يستهدف المردودية العامة.

 

2-18- التحفيز عند السلوكيين

يرى السلوكيون بأن مشكل التحفيز هو مشكل نجاعة التعزيزات. ففيما يخص المتعلم فإن المعزز الدال هو الذي يكون حاضرا بانتظام بعد كل حركة مناسبة وسيعمل على التثبيت و التحكم في تلك الحركة. وبذلك تلعب التعزيزات في نظر المتعلم دور المحفز.

وفيما يخص المجرب أو المدرس فإن تعزيز التلميذ أو المتعلم يعني إيجاد وتقديم تعزيزات أكثر دلالة حسب برنامج للتعزيز المناسب. و هذا الأمر لا يطال التعزيزات وحدها، ولكن يهم إقامة وضعية مناسبة. وعلى العموم فإن التعزيز عند السلوكيين ظاهر بالأساس.

 

2-19 - تثبيت سلوكات جديدة

 الطرق التي تقود إلى تثبيت سلوكات جديدة هي:

1- التعزيز التفاضلي: نقوم بتعزيز بعض التصرفات مع جهلنا بالتصرفات الأخرى، فنعمل بذلك على تنمية السلوكات المعززة.

2- النحت أو الشابينغ: في مجال التعلم لا يتوفر المتعلم على كثير من السلوكات نريد تثبيتها: الكتابة، مثلا، ليست سلوكا طبيعيا، لا ننتظر حتى تحدث المعجزة، بل على المتعلم أن يحاول ويحاول في كل مرة.

يتمثل الشابينغ في تعزيز كل سلوك قريب من سلوك الكتابة كسلوك مرغوب فيه، وذلك ما يعنى أن التعزيزات الوسيطة هي مرحلة عابرة.

3- التقليد أو المودلينغ: إذا كان الشابينغ تقنية لإكساب الطفل سلوكات جديدة فإن التقليد شكل من التعلم يتأسس على التقليد أو استنساخ الأصل، وهو سيرورة اجتماعية تتكرر لدى الطفل: تعلم اللغة، تقمص أبناء جنسه، الذهاب إلى المدرسة على دراجة... إلخ، ويكون التعزيز هنا مباشرا.

 

2-20- تأثيرات علم النفس السلوكي على التعليم والتعلم

 تصور التعليم:

1- إبداع بيئة تجمع بين المثير والاستجابة.

2- إبداع بيئة تتمحور على تطور أو تنمية السلوكات.

3- إبداع بيئة تجزئ المحتوى.

4- إبداع بيئة تنظم المحتوى من السابق إلى اللاحق.

5- إبداع بيئة جبرية أو قهرية من قبل المدرس.

 

2-21- تصور التعلم

1- يتم التعلم بالجمع بين المثير-الاستجابة.

2- يتم التعلم بالتقليد.

3- يتم التعلم بالتقريب المتتالي.

 

2-22 - تصور دور المدرس

1- التدخل الدائم للمدرس.

2- المدرس عبارة عن مدرب.

 

2-23- تصور التقويم

1- التقويم الدائم (المستمر).

2- يهم التقويم السلوكات المعبر عنها.

3- يهم الارتجاع الأداء.

 

 

 

 

2-24- تصور المتعلم

1- يجيب المتعلم عن مثير البيئة.

2- لا يقوم المتعلم إلا برد الفعل.

3- للمتعلم تحفيز مراقب بتعزيزات خارجية.

 

أبرز أعلام السلوكية:

 

واطسن ج.ب (1878- 1958) ولد في الولايات م. أ. يعتبر مؤسس المدرسة السلوكية. عارض المفاهيم الكلاسيكية لعلم النفس كالوعي والنية والشعور والاستبطان شأنه شأن باقي الرواد الآخرين.

تورندايك إ. (1874- 1949) ولد في الولايات.م.أ. اشتغل على الذكاء الحيواني.

هول.س. ( 1846- 1924) ولد في الولايات.م.أ. درس اللاهوت والفلسفة، ثم اهتم بعلم النفس الفيزيولوجي.

اسكينر.ف. (1904- ) ولد في الولايات المتحدة الأمريكية، يعتبر أبرز عالم سلوكي، غير مسار المدرسة السلوكية من مدرسة تقيم التجارب على الحيوانات إلى مدرسة تهتم بالأطفال. وقد دخل في سجال مع فرويد وله مؤلفات ذات أهمية كبرى.

بافلوف (1849- 1936) عالم فيزيولوجي روسي اشتغل على الهضم والإفرازات.

 

 

 

أهم مفاهيم المدرسة السلوكية:

الاستجابة- الانطفاء – الباعث أو الحافز أو المثير- التعزيز- العقاب – الجزاء – المحاولة والخطأ – التكرار- الإشراط – الاشراط الإجتماعي – الإشراط الإجرائي – التمرين أو التدرب – السلوك- التصرف- العضوية- البيئة- التكرار...إلخ.

 

الأهمية الإبيستمولوجية للمدرسة السلوكية:

أولا: استلهام العلوم التجريبية

ثانيا: نقد الاستبطان

 

 

 

 

 

 

 

 

 

النمو المعرفي

 

رائد علم نفس النمو المعرفي هو جون بياجي (1896- 1980)، حاصل على دكتوراة في العلوم الطبيعية. اهتم بالذكاء (1921) و بالطفولة والنمو المعرفي.

 

تعريف النمو:

النمو ظاهرة عامة لدى جميع الكائنات الحية يتميز بظهور تغيرات وتبدلات تطرأ على الكائن الحي. والنمو عامة ظاهرة غير عشوائية أوصدفوية أوفجائية؛ فهي ظاهرة منتظمة تخضع لشروط متلاحقة أو متسلسلة منسجمة.

يتميز النمو بالنمو التكويني (التكوين الجسمي) والنمو الوظيفي ( نمو أعضاء معينة في مراحل معينة). للنمو عدة محددات عامة هي:

1- النمو عملية مستمرة ومنتظمة لا تتوقف إلا بوجود عائق ما، وهذا لا يعني أن المرحلة اللاحقة تلغي سابقتها.

2- النمو تغيير في الكم والكيف كالزيادة في الوزن والقدرة على التحكم في الأعضاء أو انعدامها.

3- اللاتكافؤ في نمو الأعضاء: هناك أعضاء تنمو بسرعة وأخرى بطيئة النمو.

4- النمو يسير من العام إلى الخاص كمثل الطفل الذي يتحرك بكامل جسمه في مرحلة معينة من أجل أخذ اللعبة ثم ما يلبث أن يمد يده إليها في مرحلة لاحقة.

5- وجود فروق فردية في النمو لاختلاف أنماط التغذية والوسط والوراثة والبيئة.

 

مراحل النمو عند بياجي:

المرحلة النمائية

خصائصها

من الميلاد إلى السنتين

تتكون من أربعة مراحل:

1- من الولادة إلى الشهر الأول

2- من الشهر الثاني إلى الشهر الرابع

3- من الشهر الخامس إلى الشهر الثامن

4- من الشهر التاسع إلى الشهر الثالث عشر

5- من الشهر الرابع عشر إلى الشهر الثامن عشر

6- من الشهر الثامن عشر إلى السنة الثانية

من السنتين إلى السبع سنوات

- بداية التعامل بالرمز واللغة

- التقليد

- الاعتماد على الحواس

- التفكير غير المنطقي

- عدم القدرة على التركيز والانتباه

- ضعف الذاكرة

- التمركز على الذات

- النزعة الإحيائية

 

 

 

المرحلة النمائية

خصائصها

من السبع سنوات إلى الإثني عشر سنة

- قدرة الطفل على تصنيف وترتيب المحسوسات

- قدرة الذاكرة على الحفظ

- التمييز بين الأشياء الجامدة والحية

- بداية التفكير المنطقي

- الاستخدام المناسب للغة

- ضعف الحجاج واكتشاف المغالطات

من الإثني عشر سنة إلى الخامسة عشرة

- استخدام العمليات العقلية المجردة: التجريد

- التوازن

- التفكير الاستدلالي والمنطقي

- الانتقال من التمركز على الذات إلى التفكير في العلاقات الاجتماعية

 

 

المفاهيم الأساسية لعلم النفس النمو:

التمركز على الذات، المواءمة commodation، النزعة الإحيائية، التعلم، الاصطناعية،  الاستيعاب، المعرفة، اللاتمركز، النمو، الابستمولوجية التكوينية، الغائية، الذكاء، اللعب الرمزي، الواقعية، الصور الذهنية، المراحل، التوازن...إلخ.

 

تمارين:

الموضوع:

تؤكد التوجهات التربوية الحديثة على أهمية الانطلاق من فهم مميزات المرحلة النمائية للتعلم، واحترام طبيعته، وفي نفس الوقت العمل على تأمين فعاليته وانخراطه الدينامي في بناء المعرفة le savoir و)المعرفة الفعل le savoir faire)، و(معرفة الكينونةle savoir- être)، وذلك ضمن تخطيط هادف ينطلق من رصد الإمكانيات وتحديد الحاجيات.

الأسئلة:

1. ابرز أهم خصائص ومرتكزات التوجهات التربوية الحديثة؟

2. وضح كيف يمكن للمدرس مساعدة المتعلم على اكتشاف طاقاته واستثمارها بشكل إيجابي؟

3. كيف يمكن أن يساعد الانطلاق من تمثلات المتعلمين على تكييف الفعل التعليمي التعلمي، وتوفير الجهد والزمن اللازمين للتعلم؟

الامتحانات المهنية، دورة 2005

الدرجة الأولى من إطار أساتذة التعليم الابتدائي

 

 

 

 

 

السوسيوبنائية

تعريف:

السسيوبنائية فرضية إبستمولوجية يعمل الفرد من خلالها على بناء معارفه في بداية ما يقوم به. وتقوم البنائية على مناقضة النقل والشحن المعرفي. فالمعارف تبنى من قبل المتعلم مما يجعله صاحب كفاية في وضعيات مختلفة.

يقسم البنائيون خصائص السسيوبنائية إلى أربع خاصيات هي: 1) المعارف المبنية لا المعارف المنقولة، 2) نسبية المعارف لا المعارف بالمطلق، 3) ضرورة الممارسة التأملية  للمعارف، أي عدم تقبلها كما هي، 4) تموقع المعارف في وضعيات وسياقات.

يتساءل فليب جونير كيف يمكن تناول مفهوم الكفاية من منظور سوسيوبنائي؟ فيجيب قائلا بأن المقاربة بالكفايات يمكن لها أن تبقى متماسكة إذا أدرجت في إطارالبراديجم السوسيوبنائي. ويضيف إن المعارف تبنى من قبل من يتعلمها، ثم يحتفظ بها طالما أنها قابلة للاستبقاء بالنسبة إليه. وإذا ما تم ربط هذه المعارف المستبقاة بموارد أخرى فإنها تتيح لمنتجها أن يظهر كفاية معينة في سلسلة من الوضعيات. وهذه الوضعيات لا ينبغي أن تكون، حينئذ، ذات دلالة بالنسبة للتلميذ وحسب، بل يجب أن تكون، كذلك، مناسبة وملائمة للممارسات الاجتماعية القائمة؛ ذلك لأن هذه الأخيرة هي التي تضع، فعلا، معارف المتعلم موضع تساؤل. وبعبارة أخرى فإن المضمون الدراسي لم يعد هو الحاسم في التعلمات، بل الوضعيات التي يستطيع التلميذ أن يستعمل فيها هذه المعارف "المستبقاة" بوصفها موردا من بين موارد أخرى من أجل إظهار كفاية معينة في وضعية من الوضعيات...

 فالمعارف في المنظور السوسيوبنائي موطنة في سياق اجتماعي (...) والكفايات لا تتحدد إلا تبعا للوضعيات. وبناء على ذلك يصبح مفهوم الوضعية مفهوما مركزيا في التعلم: ففي الوضعية يبني المتعلم معارف موطنة، وفيها يغيرها أو يدحضها، وفيها ينمي كفايات موطنة. يتعلق الأمر هنا بحصيلة فحص حاسمة بالنسبة لنمو التعلمات المدرسية. فالوضعيات التي يستطيع التلاميذ داخلها بناء معارفهم حولها، وتنمية كفاياتهم، لها دور حاسم في المنظور البنائي.

لم يعد الأمر، إذن، يتعلق بتعليم مضامين معزولة عن أي سياق (مثل مساحة منحرف، جمع الكسور، طرق الحساب الذهني، قاعدة نحوية، تصريف صنف من الأفعال... إلخ)، وإنما أصبح الأمر متعلقا بتحديد وضعيات يستطيع التلاميذ داخلها بناء معارفهم أو تعديلها أو دحضها، وتنمية كفاياتهم حول المضامين المدرسية. كما لم يعد المضمون المدرسي غاية في ذاته، بل أصبح وسيلة لخدمة معالجة وضعيات تحتل نفس مرتبة الموارد الأخرى (...).

 يتعلق الأمر بتحليل وضعيات وبالتحقق مع التلاميذ من كيفية بناء المعارف وتدبير الوضعيات بنجاعة. والأكثر من ذلك أنه على التلميذ أن يستعمل هذه المعارف (بوصفها موارد من بين موارد أخرى) من أجل تنمية الكفايات. وباختصار لقد صارت مهمة المدرس في هذا المنظور معقدة تتجلى في خلق وضعيات لتمكين التلميذ من بناء وتنمية الكفايات(...) نستطيع القول بأن الكفاية 1)- تبنى، 2)- تحدد داخل وضعية، 3)- انعكاسية، 4)- صالحة للاستبقاء مؤقتا. وتتصف بمميزات أربع هي: 1)- تعبئة الموارد أو استنفارها، 2)- التنسيق بين سلسلة من الموارد الذهنية، الوجدانية، الاجتماعية، السياقية... إلخ، 3)- المعالجة الناجحة لمختلف المهام التي تتطلبها وضعية معطاة، 4)- التحقق من الملاءمة الاجتماعية لنتائج المعالجات التي تمت في هذه الوضعية.

 

 

ويشترط الباحث فليب جونيير لتحقق المقاربة السوسيوبنائية مايلي:

أولا: يجب ألا يكف التلميذ /المتعلم عن الاشتغال، انطلاقا من معارفه الخاصة، يلائمها ويغيرها ويعيد بناءها ويدحضها تبعا لخصائص الوضعيات.

ثانيا: تستدعي الوضعيات المقترحة على التلاميذ، ضمن منظور تكاملية المواد، موارد تحيل هي ذاتها عادة موارد دراسية مختلفة.

ثالثا: التحرر من الانغلاق داخل حدود المدرسة.

رابعا: اعتبار بناء المعارف تبعا للسياق والوضعيات.

 

أدوار المدرس والتلميذ حسب المنظور السوسيوبنائي:

 

التعريفات

ما يجب أن يقوم به التلميذ

دور الأستاذ

الصراع المعرفي

-هناك صراع، لا توازن أمام المجهول

-هناك مشكل في أطر الفكر والتمثلات التي تخول القرار.

-علي أن أقوم بشئ ما.

 

- قم بمحاولات لتحل المشكل

- ابحث عن إجابات للوضعية

-اخلق وضعية معقدة متكيفة مع إمكانيات التلاميذ

-اعمل على إظهار التمثلات

-حاول تعقيد الوضعيات الموالية

التعريفات

ما يجب أن يقوم به التلميذ

دور الأستاذ

الصراع السسيومعرفي

-في وضعية اجتماعية تفاعلية هناك مجابهة للتمثلات التي تحدث التغيير وتحسن كفاية كل فرد

-التبادل، المواجهة بالمقارنة مع أشياء أخرى

-أنجز مهمة مشتركة للوعي بأن هناك تعاقبا أو تناوبا

-تنظيم المجموعات

-احترام الاكراهات

-إعادة صياغة التعليمات أو التوجيهات

-لا تقدم المعلومة

-وضع الموارد رهن الإشارة

-اختيار نمط المواجهة الأكثر نجاعة

الميتامعرفي

-الوعي بطرق التفكير

-تنظيم سيرورات التفكير الخاصة

-التحدث عن طريقة التفكير التي سيطبقها التلميذ

 

-المساعدة على الصياغة

-التحفيز، التشجيع، قبول جميع الاقتراحات

-مضاعفة أخذ الكلمة من طرف التلاميذ

 

 

 

 

المدرسة المعرفية

تعريف:

حسب الرؤية المعرفية تكون الكفاية حالة أو قدرة على الفعل وليست فعلا خاصا. ترتبط هذه الحالة ببنية معارف مفهومية ومنهجية؛ وكذا باستعدادات وقيم تسمح للشخص بإصدار أحكام أو القيام بحركات متكيفة مع وضعية معقدة ومتنوعة(...). والكفاية هي نتيجة حشد التلميذ لمعارف إجرائية وشرطية وتقريرية؛ وذلك بغاية الإنجاز الفعال (...).

ترى ساندرا بليي أن المقاربة المعرفية تفترض القدرة على حل المشاكل بشكل ناجع في سياق معطى مما يعني أن النجاعة لا وجود لها في ذاتها لكنها تتحدد بأشياء أخرى من بينها السياق.

فما يهم هنا ليس هو كيف تحل المشاكل. والكفاية ليست هي ما نقوم به لكنها هي كيف نتوصل إلى القيام بها بشكل مقنع. فهي مقنعة خلف الفعل وليست هي الفعل.

تستخلص الباحثة أن الكفاية لا وجود لها في ذاتها لأنها متموضعة بالنسبة لمشكل خاص في سياق نوعي. نحن هنا في وضع بعيد عن السمات الشخصية واتجاهاتها وأكثر قربا من المهارة. والكفاية هي هذا التوليف الأصيل للكفايات الخاصة.

تحضر في هذه الكفاية جوانب فكرية لمعالجة المشاكل سواء بشكل واع أو غير واع، بشكل مفكر فيه أو تلقائي أو أوتوماتيكي.

 

 

التعلم عند المعرفيين:

إن التعليم- التعلم، في نظر المعرفيين، هو معالجة المعلومة. فالمدرس يعالج دائما عددا لا يستهان به من المعلومات؛ فهو يعالج معلومات على مستوى المعارف المحصل عليها من أجل أهداف، ومعلومات حول المكونات العاطفية والمعرفية للتلميذ، وأخرى تتعلق بتدبير القسم.

ومن جانب آخر فالتلميذ يعالج هو الآخر كما هائلا من المعلومات النابعة من تجاربه المدرسية السابقة ومعارف السابقة كذلك، ويقيم علاقات بين معارفه السابقة والمعلومات المعالجة، ويختار استراتيجيات ذاتية للنجاح في المهمة. كما أنه يعالج معلومات تتعلق بالمتامعرفي (الوعي الدائم باستراتيجياته وبالتزاماته الذاتية وإصراره في العمل).

وعلى وجه التحديد يعتبر المعرفيون الذات المتعلمة ذاتا نشيطة تبني مكتسباتها وتدمجها وتعيد استعمال المعارف، علما بأن هذه المعارف تبنى تدريجيا.

تتمثل مهمة علم النفس المعرفي في تحليل الشروط التي تخلق الاحتمالات الأكثر قوة التي تثير وتسمح بالتعلم والاكتساب والإدماج وإعادة استعمال المعارف لدى المتعلم.

وحسب التصور المعرفي فإن الذات تلعب دورا في التعلم. فهي ليست نشيطة لكن يجب أن تكون واعية على الدوام بما يحدث خارجها وداخلها. مثلا سيكون المتعلم مجبرا على الانتقاء من بين معلومات كثيرة قدمت إليه. ففي هذه السيرورة تبدو إبداعية القواعد التي تسمح بالنشاط الدال.

سيكون دور المدرس هو المساعدة على خلق القواعد الصحيحة والناجعة بفضل كثير من الأمثلة التي يتملكها المتعلم.

في سيرورة التحصيل والإدماج لمعارف جديدة لا تحدد المعارف المخزنة في الذاكرة الطويلة المدى ما يمكن تعلمه فقط، ولكن ما يتعلمه التلميذ فعليا والطريقة التي تتعلم بها المعارف الجديدة. فالتعلم هو إقامة روابط بين المعلومات الجديدة والمعارف السابقة، وهو ما يعني أن التعلم سيرورة تراكمية؛ أي أن المعارف الجديدة تنضاف إلى السابقة إما بتأكيدها أو إضافة معلومات جديدة أو تعريتها: التصحيح، التحليل...إلخ.

لا يحتوى النسق المعرفي للتلميذ على معارف استاتيكية، بل يحتوي على معارف دينامية ومجموعة من الاستراتيجيات المعرفية والميتامعرفية التي تسمح، كلها، للتلميذ بالفعل في محيطه واستعمال المعلومات التي اكتسبها.

ويرى المعرفيون أن هناك ثلاثة أنواع من المعارف هي:

أولا: المعارف التقريرية ( مثل القواعد، جدول الضرب، العواصم، الأفعال، المفاعيل، أنواع الجمل...إلخ)، وهي تناسب المعارف النظرية المعترف بها كمعارف في تاريخ شعب ما. وقد تتكون من الأحداث والقواعد والقوانين والمبادئ.

ثانيا: المعارف الإجرائية وهي تناسب ماذا نفعل، أي المهارات: كتابة نص موجه لصديق في الصف الثاني من التعليم الابتدائي، حل مشكلة في الضرب... إلخ.

ثالثا: المعارف الشرطية التي ترتبط بمتى و لماذا. ومن بين الأمثلة على ذلك كتمييز المثلث عن المربع، التعرف على عاصمة في خارطة، تقدير صحة جواب عن مسألة رياضية... إلخ.

ثالثا: اهتم المعرفيون بالميتامعرفي الذي يعنى من بين ما يعنيه مراقبة الذات لذاتها ومراقبتها لاستراتيجياتها. فالتلميذ وهو في نشاط ينبغي أن يكون واعيا بمتطلبات المهمة وبالاستراتيجيات التي ستساعده على حلها الحل المناسب ونوع المعارف التي ينبغي أن يوظفها في مراحل الحل.

 

ليحصل التعلم، في نظر المعرفيين كتارديف، يجب على الأستاذ أن يقوم بما يلي:

 

1- إبداع بيئة انطلاقا من المعارف السابقة.

2- إبداع بيئة تدور حول استراتيجيات معرفية وميتامعرفية.

3- إبداع بيئة تدور حول تنظيم المعارف.

4- إبداع بيئة لمهام كاملة ومعقدة.

5- إبداع بيئة قهرية.

الوعي بأن التعلم:

6- يتم التعلم عبر بناء تدرجي للمعارف.

7- يتم التعلم بخلق علاقة بين المعارف السابقة واللاحقة.

8- يتطلب التعلم تنظيما للمعارف من قبل الذات.

9- يتم التعلم إنطلاقا من مهام شاملة.

10- التدخل الدائم للتلميذ.

11- يهم التقويم المعارف والاستراتيجيات المعرفية و الميتامعرفية.

12- المتعلم نشيط.

13- المتعلم يبني معارفه.

 

خلاصات:

أولا: الكفاية، في نظر المعرفيين، هي معالجة المعلومات: حل مشكلات في وضعيات محددة أو ما يصطلح عليه المعرفيون تحليل المهام.

ثانيا: الكفاية استراتيجيات معرفية وميتامعرفية: الذات نشيطة، تبني المعارف وتراكمها، تقيم العلاقة بين المعارف، تحلل، تعيد النظر، تدمج، تصحح، تبدع، تراقب ذاتها واستراتيجياتها المعرفية ومواردها من أجل الحل (حل مشكلة) والإنجاز في وضعية محددة.

 

تمارين:

الموضوع:

تتوقف سيرورة اكتساب المعارف في المنظور المعرفي على الأنشطة الذهنية للمتعلم، وعلى المعارف التي يتم تنشيطها أثناء التعلم. فكل تعلم يفترض تدخل المعارف السابقة، فضلا عن المعارف الجديدة التي يلتقطها (يكتسبها)، وبالتالي فهو عبارة عن سيرورة لتغيير المعارف وتطويرها. فهو يؤدي بالمتعلم إلى اكتساب المهارات الحسية الحركية كما كان لدى السلوكية.

الغالي أحرشاو، سيرورة اكتساب المعارف بين النمو والتعلم. مجلة علوم التربية المجلد 2، العدد 17، السنة 8، أكتوبر 1999 ص17.

 

 

 

 

الأسئلة:

1. عرف سيرورات التعليم والتعلم، التعلم، المكتسبات.

2. بين الفروق بين دور كل من المدرس والمتعلم والمحتوى المعرفي في البيداغوجيا المعرفية وفي المقاربة السلوكية، و وضح ذلك في جدول.

الامتحانات المهنية، دورة دجنبر 2006

الدرجة الأولى من أساتذة التعليم الثانوي التأهيلي

 

 

 

 

 

 


الجشطلتية

 

 الجشطلت كلمة ذات أصل ألماني وتعني المجال الكلي؛ وهو ما يعني أنها تقوم ضد المدرسة السلوكية القائمة على التجزئ والآلية. فالسلوك الإنساني سلوك كلي غير قابل للتجزئ والتحليل إلى وحدات أو ذرات، أي أن السلوك الإنساني وحدة واحدة وموحدة حينما يوجد في وضعية معينة قد تجبره على القيام بردود فعل معينة قد تختلف من هذا الكائن إلى ذاك (حسب الإدارك). وقد تكون ردود الفعل خاطئة فيحصل التكرار إلى عن يتمكن الكائن الحي من التكيف الملائم مع الوضعية.

لكل مجال من المجالات عوامل شرطية لا ترتد إلى ماهو فيزيولوجي أو عقلي أو وجداني صرف. فالسلوك هو هذا الكل في مجال أو وضعية أو موقف محدد.

يقوم التعلم عند الجشطلتية على الاستبصار، أي إدراك الكائن الحي للعلاقات التي توجد في المجال أو الوضعية أو الموقف. فحينما يوضع الفرد في موقف معين عليه أن يجد حلا للمشكل الذي هو فيه يعمل على القيام بمحاولات قد تكون خاطئة في المرات الأولى، ثم ما يلبث أن يدرك العلاقات بين الأشياء الموجود بينها. فيتخلى عن المحاولات الخاطئة ليدرك فجأة المحاولة الصحيحة أو الحل المسمى استبصارا.

إن الحل المفاجئ الذي يتوصل إليه الكائن الحي هو التعلم، وهو كذلك حدس عقلي تتحكم فيه عدة مبادئ منها:

أولا: إن الكل أكبر من الجزء.

ثانيا: إن إدراك الكل يسبق إدراك الأجزاء.

 

 

لا يمكن أن يتحقق التعلم عند الجشطلتيين إلا إذا توفرت الشروط التالية:

أولا: النضج الجسمي الملائم لطبيعة حل المشكل.

ثانيا: النضج العقلي الملائم لإدراك العلاقات.

ثالثا: تنظيم المجال (إبداع البيئة الملائمة) من طرف المدرس.

رابعا: عدم الاكتفاء بالتجارب والخبرات السابقة.

 

خلاصة:

تشكل الجشطلتية مصدرا نظريا هاما لبيداغوجيا حل المشكلات.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 

البيداغوجيات

قبل الحديث عن بعض التصورات الخاصة بالبيداغوجيا يجدر بنا أن نتوقف، قليلا، عند مفهوم التربية باعتبارها أشمل وأوسع من البيداغوجيا من جهة أولى، ولاحتوائها على البيداغوجيا من جهة ثانية.

إذا ما رجعنا إلى الاشتقاق( الإتيمولوجيا) نجد أن لفظ التربية يحتوي على مجمل التصورات البيداغوجية المعاصرة.

أولا: يعود لفظ التربية، اشتقاقيا، في اللغة اللاتينية إلى educatio الذي يعني action d’élever. لقد تحدث شيشرون (توفي في سنة 48ق.م) عن تربية الحيوانات élevage des animaux، كما تحدث بلين عن (توفي في سنة 79 ق.م) عن ثقافة تربية النباتات. وبهذا المعنى فإن المربين الأوائل كانوا يربون الحيوانات، فهم بذلك des éleveurs، والنباتات.

ثانيا: جاء في المعجم اللاتيني الفرنسي لروبير إستيان Robert Estienne (1539) المعنى المشار إليه سلفا للتربية مقرونا بالتغذية la nourriture. فالغذاء هو ما يقدمه الشخص الراشد للقاصر أو للصبي، وهو ما يعني أن الصبي لا يمكنه أن يتغذى بمفرده، أي لا يمكنه الاعتماد على نفسه، إنه يتربى بغيره.

سيشتق فعل التربية (ربى، يربي) من الفعل اللاتيني educare الذي يعنى غذى nourrir. كما يعني الفعل اللاتيني educare إخراج الشئ من... إلى...: من حالة إلى أخرى، ومن وضع إلى آخر. ويعني كذلك قاد و وجه: قاد الطفل نحو كذا وكذا، و وجهه وجهة كذا وكذا؛ فنقول قاد جماعة و عربة و وجه فردا، وجعل الطفل يمشي على رجليه.

 

 

 

ثالثا: يستعمل الكاتب اللاتيني فارون Varron معنيين تدلان على التربية؛ أولهما التغذية educare nutrix، والولادة (الانتقال من حالة إلى حالة أو المساعدة على الانتقال من حالة إلى حالة) educit obstetrix. ونخلص إلى أنه بدون تغذية سيموت الطفل لأن الطفل في حاجة إلى المساعدة والرعاية والاهتمام؛ وبذلك ستكون التربية هي الفعل الآتي من الغير، وأن حاجة الطفل إلى الغير حاجة طبيعية. فتبدو التربية بذلك استجابة لحاجيات الطفل الطبيعية.

 رابعا: أخذت التربية، بمرور الزمن، معنى أخلاقيا فصارت تعني تكوين الأمزجة، وتربية الروح؛ بمعنى أن التربية انتقلت من تربية موجهة للجسد إلى تربية للروح أو النفس، وبتعبير آخر انتقلت التربية من الفيزيقي إلى الروحي، من الجسد إلى الروح و العقل والذهن. فهي لن تقتصر على تغذية الجسد بل ستطاله إلى تغذية الروح والعقل والذهن. فصار الحديث عن تغذية العقل (تربية العقل) والروح (تغذية الروح وتربيتها)، وهكذا سيتم الانتقال إلى الأخلاق والمعارف (إلى الروح والعقل).

خامسا: يفيد لفظ التربية في اللغة الفرنسية حسب قاموس لتري Littré (1885) جميع المعاني التي أشرنا إليها سابقا، وانضاف إلى تعريف لتري، في فرنسا، مفهوم جديد هو التكوين: تكوين الكائن الإنساني تمييزا له عن الكائن الحيواني. فتربية الإنسان تمتاز بالسيرورة في التكوين، وتتحدد بتعدد الأبعاد أي: تربية الجسم والروح والذهن والأحاسيس والجانب الجمالي والاجتماعي والعقلي...إلخ.

سنكون، حسب هذا التعريف الجديد، أمام تربيات متعددة كالتربية الجمالية والتربية الفكرية والتربية العاطفية والتربية الأخلاقية...إلخ، ولن تعود التربية مقتصرة على الفعل الميكانيكي موجه للجسد. فالمربي حسب هذه الأدوار الجديدة هو un percepteur عند مونتيني، وقائد gouverneur عند جون جاك روسو، ومعلم instituteur عند كوندورسي.

سيعمل هذا المربي الجديد على إغناء تجربة الطفل وتكوينه وجعله يتملك المعارف بنفسه.

 

خلاصة:

قلنا آنفا إن البحث في الاشتقاق اللغوي للتربية سيفيدنا في استخلاص بعض التصورات الخاصة، الأولى و الأولية والتلقائية، بالبيداغوجيا، وهو ما يبدو لنا ونحن نستحضر وظائف المربي: المربي يغذي ويكون ويشكل ويقود ويوجه ويغني، كما أن فعل التربية يوجه للطفل من الآخر، من الراشد نحو القاصر أو الطفل.

 سنجد هذه التصورات حاضرة بشكل من الأشكال في التعاريف الخاصة بالبيداغوجيا التي سنتطرق إليها فيما بعد.

كان العبد في العهد الروماني يقود الطفل إلى كذا أو كذا، إلى المدرسة أو الحديقة...إلخ. وفي القاموس الفرنسي يعني المربي من يتكلف بالتربية وتكوين الطفل. هكذا أصبح المربي مستقلا بذاته و وظيفته هي تربية الطفل كالمعلم مثلا.

فالوظيفة التي سيقوم بها هذا المربي الجديد تحيلنا على الطريقة التي سيربي بها، طريقة تربيته وتعليمه للطفل، أي أن المربي هو الذي يعرف كيف يربي ويعلم، وكيف يحفز على التعلم، وكيف ينشط ويتواصل ويكسب ود الطفل (كما قال دوركهايه)، ويكسبه الخبرة والمعرفة والتجربة...إلخ.

فالطريقة التي ينهجها المربي أو المعلم هي فن التعليم (فن التربية)، وحسب بعضهم هي علم وفن التعليم والتربية. هذا ما يؤكده إميل دوركهايم حينما يحدد البيداغوجيا كنظرية لممارسة التربية؛ فهي فن وطريقة: هي meta وhotos أي: هي الطريق والمسار إلا أن هذا الفن، وهذه الطريقة ليست اعتباطية ولا عشوائية، إنها تتحدد حسب إرادة علمية أو لنقل هناك إرادة لإضفاء الصبغة العلمية على البيداغوجيا. وقد حدث ذلك منذ القرن التاسع عشر باستلهام المناهج العلمية التجريبية.

 

1. تعريف البيداغوجيا:

لم يعد من المتيسر الحديث عن البيداغوجيا بالتعريف (بال)، ولا الحديث عن بيداغوجيا مطلقة لأن البيداغوجيا اليوم هي بيداغوجيات سواء أكانت تستند إلى نظرية في التعلم أو إلى تقنية من تقنيات التنشيط الخاصة بدينامية الجماعات أو ببراديغم نظري عام. ولنا في الأمثلة التالية ما يوضح ذلك:

 

أولا:

  • البيداغوجيا هي الاستراتيجيات التي يقوم بها المدرس كالإرشاد والوصاية والمرافقة وتيسير طرق التعلم... إلخ
  • البيداغوجيا هي كل نشاط يقوم به المدرس من أجل تنمية تعلم محدد لدى الغير.
  • تنطلق البيداغوجيا من أسئلة مدققة منها ماذا نعرف عن التعلم الإنساني الذي يسمح لنا ببناء استراتيجيات تعليمية ناجعة؟ وما هي الطريقة التعليمية الناجعة لهذا التعلم من ذاك؟
  • تهتم البيداغوجيا بنجاعة طرقها في التعلم.

 

 

 

 

 

 

 

خلاصة أولى:

نستخلص من خلال هذه التعاريف أن البيداغوجيا هي استراتيجية، وهي كل نشاط يقوم به المدرس، وهي النشاط والاستراتيجية الواعية: ماذا أريد أن أعلم؟ ومن هو المتعلم؟ وهذا الوعي يجعلها طريقة ناجعة وفعالة في التدريس. والقائم بالنشاط أي: المدرس هو المرشد والوصي والمصاحب والمرافق والمدبر للنشاط والمعلم...إلخ. وكل ما سيقوم به المدرس سيقوم به وفق طريقة معينة تستهدف النجاعة والفعالية.

 

ثانيا:

هناك من عمل على تتبع المنظورات البيداغوجية من خلال نظريات التعلم فعمل على رصد العلاقات بين التلميذ والمدرس والمحتوى كما يلي:

 

 

السلوكية

المعرفية

البنائية

السوسيوبنائية

التعلم

تغير في السلوكات الملاحظة

تغير في البنيات الذهنية

نشاط بنائي يقوم به الفرد في سياق اجتماعي

نشاط بنائي للمعارف يتعاون فيه الأفراد في سياق اجتماعي

 

 المتعلم

عضوية سلبية مستقبلة

عضوية نشيطة، عضوية لمعالجة المعلومة

عضوية تخضع لتأثير سابق، والمتعلم يبني المعارف ويقرر

عضوية خاضعة لتأثير سابق، متعلم يساهم في بناء المعارف

 المدرس

ناقل للمعلومات

مسهل

مرشد، مستفز

مرشد، محفز ومستفز ومبدع

المعارف

واقعية خارجية موضوعية على المتعلم أن يكتسبها

واقعية خارجية موضوعية على المتعلم أن يدمجها في صوره الذهنية

واقعية يبنيها كل فرد

علاقات متنوعة بين التلاميذ والمعلم

طرق التدريس

العرض، ممارسة التكرار والتعزيز

تعليم مفردن تفاعلي واستراتيجي

التعليم- الدعم

التعليم- الدعم والمرافقة والمصاحبة

المضمون

هذا ما ينبغي أن تتعلمه وكيف تتعلمه

عليك أن تتعلم من أجل...

يمكنك أن تتعلم من معارفك وتجاربك

يمكنك أيضا التعلم من معارفك وتجاربك وكذا من معارف وتجارب الآخرين

العلاقة

من المعلم إلى التلميذ

من المعلم إلى التلميذ

معلم = تلميذ

روابط سلطوية وعلاقات متداخلة

الروابط

روابط سلطوية

روابط سلطوية

التركيز على المتعلم

المدرسة جماعة تعلم التلميذ

نموذج التدريس

نموذج التعليم

نموذج التعليم

نموذج التعلم

نموذج التعلم

 

خلاصة ثانية:

يتبين من خلال هذا الجدول أن نظريات التعلم تتبنى طرقا في التدريس قد تكون هي موضوع البيداغوجيا بالذات.

 

 

 

 

 

 

 

ثالثا:

لا يمكن أن نتحدث اليوم في ظل انفجار المعارف والعلوم، وتكاثر التخصصات في مجالات العلوم الإنسانية والاجتماعية، وفي مجال الأندرغوجيا وعلوم التدبير والتكوين عن نموذج واحد للبيداغوجيا. والتعريف الآتي يوضح لنا ذلك:

  • هناك بيداغوجيات عديدة مثل البيداغوجيا الفارقية والخطأ واللعب والنشيطة والتشاركية والمشروع والاكتشاف والمجموعات والتجارب والمؤسساتية والطبيعية (التحرر) والتحكم وبيداغوجيا الأهداف والتقليدية وبيداغوجيا الكبار والتناوب والتعاقد...إلخ.

 

خلاصة ثالثة: نستخلص من هذا التعريف أن البيداغوجيا بيداغوجيا متعددة.

 

رابعا:

هناك من لا يريد الدخول في هذا النقاش: هل البيداغوجيا علم؟ هل تتأسس البيداغوجيا على نظريات التعلم؟ هل هي طرق تنشيطية ترتد إلى دينامية الجماعات؟، قلنا هناك من يتفادى هذا النقاش لاعتبارات ما فيكتفي بالقول بأن هناك نموذجين للتعليم، نموذج تقليدي قائم على التلقين، ونموذج آخر ينبني على التفاعل بين المدرس والتلميذ. وهو يعني بذلك أن النموذج الأول هو ما قبل البيداغوجيا الحديثة، والنموذج الثاني يستحضرها بقوة دون تعيين، بل ومنهم من يتجاوز الحديث عن أنواع التعليم- النماذج ويكتفي بالحديث عن الطرائق التعليمية. فيقول بوجود عائلتين أو برادغمين كبيرين للتنشيط، واحد تقليدي والآخر نشيط (أنظر بيداغوجيا الكفايات لعبدالرحيم هاروشي) يستحضر البيداغوجيات الحديثة.هكذا سنكون أمام خلط بين طرق التنشيط والبيداغوجيا، وهو خلط مبرر لعدة اعتبارات كما سبق وتحدثنا عن ذلك.

 

خلاصة رابعة:

إن ما يهم هؤلاء المشار إليهم في العنصر الرابع هو وظيفية المعارف؛ فهم لا ينفون النزعة البراغماتية و أداتية المعارف، وفي نفس الآن يتهربون من القطيعة مع التراث النقلي خاصة في دول العالم الثالث كالمغرب.

 

 

 

I- بيداغوجيا الخطأ

اعتبر الخطأ، في نظر المدرسين وغيرهم، كالسقطة في الديانة المسيحية، حيث ظل منظورا إليه كفشل أو عيب يمكن أن يسمح بتصنيف ذكاءات البشر، وربما البشر بصفتهم كذلك، منهم العبقري ومنهم الغبي، منهم القابل للتعلم ومنهم الفاشل في التعلم...إلخ. والمدرسة من حيث هي مؤسسة تكرس الفوارق بين الناجحين والراسبين، بين العباقرة والأغبياء...إلخ، تعمل من حيث لاتدري على تكريس الرؤية السلبية للخطأ، بل يصبح الخطأ أسا يخدم التمييز بين التلاميذ.

ونظرا لأهمية الخطأ القصوى في العملية التعليمية التعلمية فقد انتبه إليه البيداغوجيون المعاصرون إيمانا منهم أن الحق في الخطأ يستوجب تغيير المدرس لطرق اشتغاله، وإن إيقاعات التعلم ليست واحدة بالنسبة للجميع.

 وتجب الإشارة إلى أن مجمل نظريات التعلم اهتمت بالخطأ واقترحت حلولا بيداغوجية لتجاوزه.فالمدرسة السلوكية، وخاصة اسكينر يرى أن التعلم يتم بالمحاولة والخطأ في غياب أي تنظيم أولي أو تحضير لحل المشكل مما يجعله يتطلب ملاءمة بين الاستجابة والهدف المتوخى و استبعاد المحاولات غير المناسبة إلى أن يصل المتعلم إلى المحاولة المناسبة. ويمكن أن يتنامى هذا النوع من التعلم من البسيط إلى المركب. ويقترح اسكينر الاستراتيجية التالية لتلافي الخطأ:

 

1- استعمال المحاولات والأخطاء

المحاولات والأخطاء وسيلة تلقائية وطبيعية للتعلم حينما تكون الوضعية غير مبنينة جيدا، وجميع المعطيات لحل المشكل غير واضحة بما فيه الكفاية. يمكن استعماله في بداية التعلم لتوريط التلاميذ في سيرورة التعليم والتعلم، ولإثارتهم لحل مشكل معين، والبحث التجريبي والتعلم الضروري في ظروف غير محددة. وعلى العموم فإن التعلم بالمحاولة والخطأ، في نظر اسكينر، يدور حول مايلي:

1- المحاولات الناجحة تعاود التكرار

2- لا تكون المحاولات مبنية على الصدفة لأنها تستجيب لسياق وضعية معينة.

3- المحاولات والأخطاء سلوكات أولية.

4- يمكن للمحاولات والأخطاء أن تعاود الظهور في غياب نموذج للتقليد أو معرفة أو بمبدأ يقتضى بهما.

هل يمكن تنظيم المحيط التعليمي بشكل لا يمكن أن يخطئ فيه التلميذ كما يتصوره اسكينر أم أن الخطأ جزء من التعلم؟ ففيما يخص اسكينر يرى أن التعزيز يقضي على الخطأ أثناء التعلم. وبالنسبة لمنظري علم النفس المعرفي المشتغلين على معالجة المعلومة يشكل الخطأ جزء من التعلم أو جزء من حل المشكلات، وبالتالي يسمح بتحديد العوائق والبحث في أسبابها. وبهذا المعنى لا عيب في ارتكاب الأخطاء من قبل التلميذ. وفيما يخص البيداغوجيا الفارقية تشكل الأخطاء استراتيجية التعلم.

 

 

 

خلاصات:

 

أولا: الخطأ استراتيجية للتعلم

ثانيا: الخطأ عائق (عائق لغوي، تواصلي، حسي، تمثلي...) ينبغي تجاوزه

ثالثا: الخطأ دينامية لتغيير وتنويع أساليب التعلم

رابعا: الخطأ ليس عيبا جوهريا للذات المتعلمة وإنما ينبغي أن يحفز المدرس على بذل مجهوات بيداغوجية لتحفيز التلميذ على مواصلة التعلم: العمل بفكرة الكل قابل للتعلم.

 

تمارين:

الموضوع:

 

كيف يمكن للخطأ أن يكون استرتيجية للتعلم؟

 

 

 

 

 

 

الموضوع:

دور الخطأ في التعلم

 

ينظر إلى الخطأ، عامة، في البيداغوجيا بشكل سلبي، ودائما يتمثل كغلط؛ لذا ينبغي معاقبته قصد إزالته. وبالإضافة إلى ذاك فإن الخاصية النسبية للخطأ تكون دائما سلبية أمام الخاصية المطلقة للحكم الذي يرافقها (صحيح/ خاطئ، مضبوط/ غير مضبوط). وكذاك هل من المناسب تمييز أصل الخطأ عن تقويميه؟ (...). يختلف التصور إلى الخطأ باختلاف النظريات التالية:

أولا: حسب المدرسة السلوكية يجب على التعليم أن يستهدف تعلما بدون خطأ. يتحقق ذلك بالتمرين والتكرار وتعزيز "الإجابات الجيدة". يكون التلميذ موجها نحو تحقيق هدف تدريجيا (التعليم المبرمج نموذجا) (...).

ثانيا: يكون التعلم حسب البنائية سيرورة لإعادة تنظيم المعارف، وهو تعلم صراعي عامة (المعارف الجديدة ترتكز على المعارف القديمة التي يمكن التساؤل بشأنها) (الصراع المعرفي). يوضح الخطأ، إذن حسب هذا التصور البنائي الصعوبات التي ينبغي على التلميذ أن يحلها لينتج معرفة جديدة (...)، وتصحيح الخطأ من قبل التلميذ يشير بذلك إلى أنه تجاوز تلك الصعوبات ببنائه لإجابة جديدة.

ثالثا: الخطأ في التصور الذي يعود إلى نظرية المعلومة ينجم عن خلل في تمثل الوضعية أو استراتيجية الإجابة أو المراقبة الكافية.

الكفاءة التربوية لأساتذة التعليم الثانوي التأهيلي

دورة أبريل 2006

 

 

 

الأسئلة:

1. اشرح المفاهيم التالية: البيداغوجيا، التعزيز، التعليم المبرمج، السلوكية، البنائية، نظرية المعلومات، التمثلات

2. كيف ناقشت التصورات الواردة في النص الخطأ؟ وماهي مقترحاتها لمعالجته؟

3. ما السبل التي تسلكها في معالجتك للخطأ البيداغوجي؟

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

II- بيداغوجيا اللعب

 

تعريف اللعب:

اللعب هو كل نشاط فيزيائي أو ذهني تلقائي يكون بغاية المتعة أو التعلم. قد يتداخل اللعب والتعلم عند الأطفال، بل يتداخل اللعب والجد عند الأطفال، ورغم ذلك يتيح إمكانية تعلمات كثيرة؛ غير أن القبول باللعب كبيداغوجيا طرح عدة مشاكل منذ القديم. هل يمكن أن يفكر في اللعب بيداغوجيا؟ هل يمكن أن تتنازل المدرسة كمؤسسة جدية ورسمية عن رسميتها وصرامتها لتصبح فضاء للعب؟ وهل يمكن للمدرس أن يغير الجدية باللعب؟

يلخص لنا أحد المواقع الإلكترونية المتخصصة في البيداغوحيات (شبكة لودوس)- في نص عبارة محاورة بين سقراط ونيوفيسيون- كل هذه الأسئلة. وأشير في التقديم أن هذا النص اكتشف صدفة في اليونان. ومن جهتنا نحتفظ بمسافة شكية بخصوص هذا الأمر، إلا أن أهمية هذه المحاورة تتمثل في طرحها لأهم الإشكالات النظرية والتربوية والبيداغوجية المرتبطة باللعب. وسنعمل على إجمالها في موقف المتحاورين:

 

 

 

 

 

 

أولا: موقف نيوفسيون من اللعب

يرى نيوفسيون أن اليونان في انحطاط كبير لأن المدرسين يستعملون اللعب في الصف الدراسي، وهو ما يحط من قيمتهم، وإذا لعبوا يفقدون جديتهم لأن اللعب ليس هو الجدية لأن الجدية هي الخطاب الجدي للمعلم. ومن جانب آخر ليس للعب منفعة في الحياة الواقعية، وليست هناك مصلحة في لعب النرد dés في القسم لأن هناك أشياء مهمة ينبغي تعليمها مثل الإليادة والأوديسة...إلخ لا تترك الوقت للعب. ومن جانب ثالث فإن حفظ أشعار هوميروس عن ظهر قلب يسمح لنا بالتأكد من المكتسبات بينما اللعب يصعب معه تقييمها.

 

ثانيا: موقف سقراط من اللعب

ينطلق سقراط، في المحاورة المذكورة آنفا، من المسلمة القائلة بأن التدريس لا ينبغي أن يقترن بالحزن والأسى لأن اللعب المقصود هنا ليس هو اللعب خارح الصف الدراسي. فأن تجعل الأطفال والمراهقين يلعبون ليس مهمة سهلة، وإن التحكم في هذه المهمة ترفع من قيمة المدرسين ولا شئ يرغمهم ليصبحوا مهرجين؛ فالمدرس هو الحكم، يحفز على اللعب ويجعل الأطفال يحترمون القواعد وهم يتعلمونها لأنه ينبغي الانتباه إلى ما نلعبه مثل اللعبة القائمة على سوق النخاسة أو مساعدة طفل على ربح لعبة الطاغية. فمثل هذه اللعب تجعل المدرس يفكر مليا في أخلاق اللعب داخل القسم.

ودافع سقراط عن الرأي القائل بأن جدية الطفل تحصل لحظة اللعب؛ فهو يستثمر في اللعب الجهد والوقت والذهن والأحاسيس؛ ولذلك ليس من الأجدى أن يظل الطفل يستمع للخطاب الجدي للمعلم. وبالنظر ما لعلاقة الطفل باللعب عامة، وببعض اللعب خاصة فإن الأطفال يتعلمون أحسن وأفضل من جلوسهم وهم يستمعون للخطاب الجدي للمدرس.

يمكن للمدرس أن يقيم لعبة الديمقراطية في القسم بفسحه المجال للنقاش العمومي بين التلاميذ، وجعلهم ينتخبون ممثليهم، واتخاذ قرارات تهم المدينة أو مفاوضة عدوهم والإشراف على تنظيم معركة ضده، وتدبير ثروة معدنية...إلخ.

سيكتشف الأطفال أن تدبير المدينة مهمة صعبة، وسيميزون في المستقبل بين الديماغوجي والسفسطائي...إلخ. ولهذا السبب فإن اللعب لا يكون في القسم من أجل لذة بسيطة. ويجب على المدرس أن يجد المصلحة في اللعب متسائلا: ماذا يمكن أن يضيف اللعب لتلاميذي؟ فالمدرس هو من يجب أن ينزل من برجه العاجي إلى مستوى التلاميذ، وإيجاد الوسيلة الذكية لنقلهم إلى العالم النبيل، وهذا ما تعنيه لفظة البيداغوجي؛ فهو من يشد الطفل بيده ليصاحبه ويرافقه: البيداغوجي يصاحب ويرافق.

سيكون في نظر سقراط من الغباء أن ينتظر التلميذ مرور لحظات الدرس الجدية ليلعب بعد ذلك. ينبغي أن يلعب الطفل بدل الدرس التقليدي. وإذا ما حل اللعب محل الدرس التقليدي فلأن اللعب هو الدرس.

لماذا يدعونا سقراط للعب في القسم أو لتغيير الدرس الجدي بدرس اللعب؟

لا يمكن أن نجيب عن سؤالنا بسرعة لكننا سنعمل على توضيح مضمون السؤال من منطلقات بيداغوجية، مستندين إلى نفس الموقع الإلكتروني الهام.

أولا: اللعب في القسم ليس لذة في ذاته. فاللعب يستعمل لفهم وتعلم الأحداث والأفكار والمواقف والجغرافيات والتربية المدنية أو بالجملة التربيات...إلخ.

ثانيا: اللعب يجلب لذة التعلم عند للأطفال.

ثالثا: يجب على المدرس أن يميز بين اللعب (اللعب المتنافية مع الأخلاق واللعب التي تبني المواطن).

هناك أنواع كثيرة من اللعب كاللعب الرمزية أو émulation أو simulation أو اللعب التاريخية أو اللعب على الحاسوب (اللعب الإلكترونية) أو اللعب الورقية simulation أو اللعب التشاركية أو لعب أدوار...إلخ.

وهناك نصائح بيداغوجية لمن يجعل درسه درسا باللعب.

أولا: قبل البدء في اللعبة ينبغي تنظيم الحجرة الدراسية.

ثانيا: القيام بدور الملاحظ.

ثالثا: شرح القواعد بوضوح وسرعة.

ثالثا: مراقبة التلاميذ للتأكد من استيعابهم لقانون اللعبة.

رابعا: عدم التسامح في حال اختراق القوانين.

خامسا: احترام مناخ اللعبة

سادسا: نشعر التلاميذ بأننا لا نلعب من أجل اللعب في ذاته.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تمارين:

 

الموضوع:

 

إذا ارتبط اللعب في معناه الأولي بفكرة الطفولة فإنه مرتبط كذلك بفكرة الاعتباطية التي تستبعد المنفعة الاجتماعية، وأساسا فكرة الاسترخاء والاستمتاع؛ ولذلك فإن اللعب والمدرسة تبدوان فكرتين متعارضتين.

والفعل، فإن التأويلات السيكولوجية للعب متعددة مثل التأويل الذي يرى فيه تعلمات اجتماعية بالنسبة للأطفال أو تقليدات للراشدين في التصرفات التي تحقق لهم تملكا للأشياء والحركات المتداولة في وسطهم.

Dictionnaire de pédagogie, louis Arénilla et autres, Bordas. Paris 2000 p 160

الأسئلة:

- قارن بين بيداغوجيا المحتوى وبيداغوجيا اللعب من حيث بناء التعلمات؟

- يختلف اللعب العفوي عن اللعب البيداغوجي حسب الأوساط السوسيوثقافية والاقتصادية، بين الفرق بين هذين النمطين؟

- ماهي أنواع اللعب المستثمرة في التنشيط البيداغوجي؟

- ماهي سمات الشخصية التي ينميها اللعب؟

- اذكر بعض المعايير المعتمدة في تقويم الأنشطة التعلمية المبنية على اللعب البيداغوجي؟

الامتحانات المهنية- دورة دجنبر 2006

إطار أساتذة التعليم الابتدائي درجة أولى

 

الموضوع:

ربما لنا حق القول بأن كل طفل يلعب يتصرف كشاعر؛ إذ أنه يبدع عالمه الخاص أو بالتدقيق إنه يحول أشياء العالم الذي يعيش فيه وفق نظام جديد يلائمه. سيكون من المجحف القول بأن الطفل لا يأخذ هذا العالم مأخذ الجد؛ بل العكس من ذلك، إنه يأخذ لعبه بجد كبير ويوظف فيه كميات كبيرة من الأحاسيس. ليس الجد عكس اللعب بل هو الواقع... يميز الطفل بقوة كبيرة بين عالم ألعابه وبين الواقع. إنه يبحث بإرادة عن نقطة ارتكاز للموضوعات والوضعيات التي يتخيلها في الأشياء الجلية والمرئية للعالم الواقعي. لا شئ غير هذا المرتكز يمكنه أن يقيم الفرق بين لعب الطفل وبين حلم اليقظة.

S.Freud, la création littéraire et le rêve, 1908

الأسئلة:

- اذكر مميزات اللعب العفوي؟

- قارن بين بيداغوجيا المحتوى واللعب من حيث بناء التعلمات؟

- أعط أمثلة عن أنواع من اللعب تنمي خيال الطفل، ووضح كيف يتم ذلك؟

- اختر صنفا من اللعب البيداغوجي وضع تصورا عاما لحصة دراسية ومعايير تقويم أنشطتها؟

الامتحانات المهنية- دورة دجنبر 2006

أساتذة الدرجة الثانية للتعليم الابتدائي  

 

 

 

 

 

 

 

 

III – البيداغوجيا الفارقية

تنطلق البيداغوجيا الفارقية من المسلمة القائلة بأن التلاميذ يختلفون من حيث المكتسبات والسلوك وإيقاع العمل والمصالح والثقافة والوسط الجغرافي والاقتصادي...إلخ ؛ لذلك فإن المدرس أمام وضعية تنوع وتعدد تفرض عليه الاقتراح والملاحظة وتعديل أنشطة التلاميذ واختيار الطرق البيداغوجية المناسبة. وهناك من يعدد المسلمات التي تقوم عليها البيداغوجيا الفارقية مثل المسلمة القائلة بأنه لا وجود لتلميذين يتقدمان بنفس السرعة. ولا وجود لتمليذين على أهبة للتعلم في نفس الوقت، ولا لتلميذين يستعملان نفس تقنيات الدراسة، ولا لتلميذين يحلان المشاكل بنفس الطريقة، ولا لتلميذين يمتلكان نفس قائمة السلوكات، ولا لتلميذين لهما نفس المصالح، ولا لتلميذين يمكنهما أن يحفزا لبلوغ نفس الهدف. ولهذا السبب سيكون المدرس مدعوا لتنويع طرقه وأدواته ودعاماته وأنشطة التلاميذ والعمل بتعدد البيداغوجيات، وهكذا تتحدد البيداغوجيا الفارقية باعتبارها بيداغوجيا مفردنة تعترف بالتلميذ كشخص له تمثلاته الخاصة عن وضعية التعلم. وهي كذلك بيداغوجيا في تنويع إيقاعات التعلم.

وهناك من يرى بأن البيداغوجيا الفارقية هي بيداغوجيا السيرورات؛ فهي بيداغوجيا تقحم إطارا مرنا واضحا بما فيه الكفاية ومتنوعا حتى يستطيع التلاميذ التعلم حسب إيقاع تعلمهم. وهي بيداغوجيا تنتظم حول مجموعة كبيرة من العناصر تهم تنوع واختلاط التلاميذ مثل اختلافهم المعرفي وتنوعهم السسيوثقافي واختلافاتهم النفسية...إلخ.

كما أنه للبيداغوجيا الفارقية أسس فلسفية تتجلى في الإيمان بقدرات الفرد وإمكاناته التي تسمح بالقابلية للتربية، ثم الايمان بالمثال القائل بتكافؤ الفرص؛ أي الإيمان بالحق في اختلاف الفرد عن الآخرين في التعلم.

ومن الجانب التاريخي نجد أن المدرسين قد مارسوا البيداغوجيا الفارقية منذ القرن التاسع عشر في الوسط القروي حينما احتوت فصولهم الدراسية على عدد غير متجانس من التلاميذ من حيث الأعمار أو المستويات.

سيكون هدف البيداغوجيا الفارقية هو الصراع ضد الفشل الدراسي لأنها استراتيجية في النجاح. فالمدرس مدعو للتعرف على قدرات تلاميذه وتنميتها وتبديد عدم رغبتهم في التعلم، وإيجاد وضعيات لإدماج التلاميذ في الحياة والوعي بإمكانياتهم. ثم تحسين علاقته بهم وإغناء التفاعل الاجتماعي وتعلم الاستقلالية.

لا تتحقق بيداغوحيا المشروع إلا وفق الشروط التالية:

أولا: الانطلاق من تنوع الأفراد واختلافهم من حيث التحصيل لأنه لا يمكن أن يتماثل الأفراد في تحصيلهم أو في هوياتهم، وهو ما يعني تجاوز المنطق الأرسطي القائم على مبدأ الهوية: أ هي أ.

ثانيا: يجب تنويع المعارف التي سيعمل المدرسون على ترجمتها إلى برامج دراسية، مع الإقرار بتنوع إيقاعات تعليمها حسب تنوع إيقاعات تعلم التلاميذ.

ثالثا: دعم المؤسسة لما يقوم به المدرسون وتنوع بنيات وأمكنة التعلم: لم تعد حجرة الدرس هي المكان الوحيد للتعلم.

رابعا:  العمل بالمجموعات ودينامية الجماعات.

خامسا: التدبير المرن لاستعمال الزمن.

سادسا: إخبار جميع الشركاء كالتلاميذ والآباء والمدرسين والإدارة.

 

 

 

خلاصات:

 

نستخلص، حسب فليب بيرنو، أن البيداغوجيا الفارقية تقوم على مايلي:

أولا: تجعل البيداغوجيا الفارقية المتعلم في وضعيات تعلمية خصبة.

ثانيا: تتطلب البيداغوجيا الفارقية تغييرا عميقا لوظائف المدرسة والمدرس.

ثالثا: البيداغوجيا الفارقية ثورة ضد الفشل المدرسي واللامساواة.

رابعا: تقوم البيداغوجيا الفارقية على تعاقد ديداكتيكي ومؤسساتي يعطي معنى للعمل المدرسي.

خامسا: تقوم البيداغوجيا الفارقية على الحوار بين المدرس والمتمدرس.

سادسا: تقوم البيداغوجيا الفارقية على التنوع، أي أنها ضد التمركز ومركزية البرنامج الدراسي.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تمارين:

 

 

الموضوع:

 

كثيرا ما يصطدم المدرس داخل القسم ببعض التلاميذ الذين لا يبدون رغبة كبيرة في التعلم، فيشاغبون ويؤثرون سلبا على سير الدرس كما يبتغيه ويخطط له. ويلجأ كثير من المدرسين إلى أساليب زجرية يتوخون منها ردع تلك السلوكات، فيتفاقم وضع أولئك الأطفال ويزداد حرضهم على خلق المزيد من المشاكل.

الأسئلة:

- ماهي في نظرك العوامل الكامنة وراء مثل هذه السلوكات؟

- لماذا تعمل الأساليب الزجرية على المزيد من تفاقم أوضاعهم غير المتكيفة؟

- كيف يمكن للمدرس أن يدفع بمثل هؤلاء التلاميذ إلى تعديل سلوكاتهم بما يؤمن انخراطهم الإيجابي في الدرس؟

الامتحانات المهنية- دورة نونبر 2005

الإطار أساتذة التعليم الابتدائي الدرجة الثانية

 

 

 

 

 

 

 

 

الموضوع:

يختلف التلاميذ في مستويات تعلمهم، والمدرس مطالب بأن يراعي هذه الاختلافات في جميع العمليات التي يقوم بإنجازها داخل القسم وخارجه.

الأسئلة:

- ماهي العوامل الأساسية الكامنة وراء اختلاف التلاميذ في مستويات تعلمهم؟

- كيف يمكن للمدرس أن يقلص من مدى الاختلافات بين التلاميذ داخل الفصل؟

- كيف يمكن للمدرس أن يستثمر هذه الاختلافات بشكل إيجابي بما يغني خبراتهم وينمي كفاياتهم؟

الامتحانات المهنية – دورة نونبر 2005

الامتحان المهني لولوج الدرجة الثانية من أطار المعلمين

 

 

الموضوع:

يرى بيرنس أن البيداغوجيا الفارقية تنطلق من مسلمات كثيرة منها:

لا وجود لمتعلمين يتقدمان بنفس السرعة في تعلمهما، ويستعملان نفس تقنيات الدراسة، ويحلان المشاكل بنفس الطريقة، ويمتلكان نفس قائمة السلوك.

الأسئلة:

1. هل تتفق مع القول بالمسلمات في البيداغوجيا؟

2. هل يمكنك أن تجد مسلمات تقوم عليها البيداغوجيا الأخرى؟

 

 

IV – بيداغوجيا المشروع

يقول فليب بيرنو بأن كل إصلاح للمنهاج الدراسي يستدعي ممارسات بيداغوجية جديدة تطال المدرس والتلميذ والمدرسة والمعارف والمضامين وطرق التدريس. ومن بين البيداغوجيات نجد التعلم التشاركي أو البيداغوجيا التشاركية، وهي طريقة من الطرائق التعليمية المبنية على المساندة والتعاون والعمل الجماعي أو في فريق يتبادل المعلومات. و حيث أن هذا النوع من التعلم يمكن التلاميذ من تنمية مهارات شخصية كالثقة في النفس وفي الغير، والقدرة على الإنصات، وقدرات اجتماعية كالتواصل واحترام الغير وفض النزاعات والإحساس بالانتماء... إلخ.

 

تعريف المشروع :

يعني المشروع ما نريد بلوغه بوسائل مخصصة لذلك باستراتيجيات يتم تنفيذها سواء أكانت استراتيجيات ناجعة أم غير ناجعة. والمشروع رؤية بعيدة أو قصيرة للمستقبل تتكون من عدة للتقويم وهي: 1) تحليل الحاجيات. 2) تحديد الهدف أو الأهداف. 3) اختيار الاستراتيجيات والوسائل (التمويل والآليات واللوجستيك والكفايات المطلوبة...). 4) تحديد المهام والمسؤوليات. 5) تحديد الشركاء. 6) التقويم.

والمشروع هو ما نأمل القيام به، أو تصور وضعية أو حالة نتمنى بلوغها.وفي البيداغوجيا هو نوع من البيداغوجيا يسمح للتلميذ بإنجاز معارف معينة في ظروف ومدة زمنية محدودة أو سنوية.

 

 

تنقسم المشاريع إلى عدة أنواع منها:

أولا: مشروع المؤسسة

ثانيا: مشاريع الأوراش الفنية

ثالثا: مشاريع الخرجات الدراسية

رابعا: مشاريع الدعم التربوي وتهم التلاميذ الذين صعوبات في دراساتهم

خامسا: المشروع الرياضي التربوي

سادسا: مشروع الإدماج الذي يهم التلاميذ ذوي الحاجات الخاصة

سابعا: مشروع المساعدات الخاصة

ثامنا: مشروع الاستقبالات الخاصة الذي يهم الأطفال والمراهقين الذين يعانون من مشاكل نفسية أو صحية...إلخ.

وأما آلان بوفيي فينطلق، في تعريفه للمشروع، من السؤال التالي: لماذا مشروع المؤسسة؟ إن التوقف عند المقاربة بالمشروع يعود بالأساس إلى الاهتمام بالعمل الجماعي وبالغايات ومعنى عمل المؤسسة: إلى أين نريد أن نسير جميعا؟ إنها محاولة للحصول على فكرة واضحة لتوجه المؤسسة و عن سياستها وعن قيمها المشتركة وأخلاقها. ويرى موريس نيفو من جانبه أن مشروع المؤسسة يوضح لماذا نشتغل يوميا، أو بشكل عام إن العمل بالمشروع من قبل المؤسسة هو وضع غاية لوظيفية النسق إن على شكل أهداف أو مشروع.

لا يكون المعنى معطى في المشروع لأنه مبني. وسيرورة المشروع تعمل على ظهوره وبنائه كما يترآى ذلك من خلال المقاربة البنائية.

يتساءل محيط المدرسة كله، من آباء ومنتخبين وغيرهم، ماذا تفعلون هنا في المدرسة؟ ماذا تقترحون؟ لماذا تغيير البرامج والمناهج ووضع المسالك وطرق جديدة للتدريس؟ وما الذي يميز مؤسسة مدرسية عن أخرى؟ ويتبدى حسب آلان بوفيي أن مهمة العاملين في المدرسة لا تتوقف عند التلاميذ، أو بتعبير آخر إن التلاميذ ليسوا هم الزبناء الوحيدين رغم أنهم يمتازون بالأفضلية عن غيرهم.

لشركاء المدرسة أجوبتهم عن الأسئلة المطروحة أعلاه إلا أن أجوبتهم تتجاهلها المؤسسة. وفيما يخص المؤسسة فإن العمل بالمشروع يعنى إرادة التكيف المستمر مع المحيط ومع الطلب الاجتماعي ( التوجهات والانفتاح وفتح شعب جديدة أو إغلاقها والتحولات الداخلية...). فالمشروع هو إعلان عن تحول بالنسبة للمؤسسة المدرسية.

إن المؤسسة المدرسية هي نسق معقد يوجد في محيط أكثر تعقيدا؛ ولكي يتطور لا ينبغي التوقف عند متغير واحد وإنما على المجموع (الشمولية). فالمقاربة بالمشروع تحفز على التفكير بالشمولية من أجل العمل محليا لتفادي الشك النابع من المحيط، وخاصة الشك الشامل.

قبل الشروع في وضع المشروع يستحسن طرح بعض الأسئلة منها: كيف يتصرف الأفراد والجماعات وكيف يشاركون إزاء مشكل معين في المؤسسة؟ إن المشروع يمكن الجميع من التعلم الجماعي وتنمية معارف وكفايات جديدة. فمن أجل أن يكون الفاعل محفزا فهو في حاجة إلى معرفة إلى أين يسير فرديا وجماعيا. فالتحفيز والتعبئة والانخراط كلها من الأمور التي أصبحت لها أدوار أساسية في التدبير عامة بالنسبة لرئيس المؤسسة المدرسية. فهو لا يعمل على تغيير الأذهان وإنما يوفر المناخ للتغيير. ثم إنه قبل وضع مشروع معين يتساءل الفاعل قائلا: ما الفائدة من إنجاز هذا المشروع أو ذاك؟ وما الربح الذي ستجنيه المؤسسة من ذلك ويجنيه كل فرد ومن بينهم أنا؟.

لا وجود لإجابة عامة على هذه الأسئلة رغم عموميتها، ثم إنه لا وجود لتوافق حول ما يمكن أن ننتظره من العمل بالمشروع إن على المستوى الفردي أو الجماعي فقد كانت تدور المقاربة بالمشروع بالنسبة للمؤسسة المدرسية حول مايلي:

أولا: الاستجابة لمشاكل معروفة قليلا أو كثيرا، حيث تساعد المقاربة بالمشروع على تيسير معرفتها وتأطيرها ووضع دراسة بشأنها.

ثانيا: لا تمركز وتوزيع المسؤوليات والتسهيل والتشجيع على أخذ المسؤوليات والتفويضات.

ثالثا: تطوير تنظيم مؤسسة.

رابعا: العمل على إظهار روح الانتماء داخل المؤسسة لجماعة ما، وتنمية التلاحم والهوية الجماعية والتضامن وتجاوز الصراع القبلي الداخلي.

خامسا: الاقتراح الذي ينمي التكوين وتملك الطرق المنهجية الشاملة.

سادسا: الحرص على تناغم مشاريع جميع الفرق ومختلف القطاعات والمستويات.

سابعا: إضفاء مشروعية على التوجهات الرسمية والوزارية.

ثامنا: التواصل حول ما تراه المؤسسة المدرسية مستقبلا متكيفا ومستجيبا ومتوافقا مع محيطها.

 

 

 

 

 

إن المقاربة بالمشروع تريد أن تقول ببيان العبارة أن ممارسة التعليم نشاط تقليدي للغاية منظم وفق تصورات بيروقراطية. فقد كانت المطالب القديمة تلح على أن يقوم المدرس بعمل التدريس دون النظر إلى الغايات والمنتظرات والنتائج العامة المنتظرة، لكن حينما أصبح التعليم مرتبطا بالشغل لم تعد الأشياء مطروحة بنفس الشكل. والمطلب من المدرسة هي أن تعلم؛ وبمعنى أدق أن تؤهل الجميع دون ميز. ففي السابق كان المطلوب منها منح دبلومات لكن اليوم أصبح المطلوب هو تزويد المتعلم بتأهيلات معترف بها اجتماعيا، أي تأهيلات مرتبطة مباشرة بسوق الشغل مما جعل توجيه التلاميذ مسألة تحظى بوضع مركزي في الأنظمة التربوية، وحيث لا يكفي تحفيز التلاميذ لحيازة دبلوم معين وإنما السؤال هو لماذا ذلك الدبلوم بالذات؟وأي شغل يهيئ له؟ وفي أي وضعية؟.... إلخ.

إن استحضار هذه الأسئلة يجعل التعليم في سياق تتداخل فيه الحدود، بالنسبة للتلميذ، بين ما ينتمي للحياة اليومية وما ينتمي للمدرسة؛ لذلك فإن التعليم لا يكفي وحده، وعلى المدرسة أن تكون وتربي؛ أي أنه على المدرسة أن تشتغل على نقل المعارف والمهارات وحسن التواجد، وفي الآن نفسه تشتغل على تهيئ التلاميذ للاندماج في المجتمع.

تسمح المقاربة بالمشروع للآباء والتلاميذ والشركاء والمدرسين بالعمل معا ضمن مشروع اختاروه جماعيا وله معنى بالنسبة لهم جميعا، ورغم ذلك فإن مثل هذه الحجج لا تحد من المقاومات و وجهات النظر التي تنطلق من ثقافات وإيديولوجيات مختلفة أو تصدر عن جهل تام أو عن الإحباط أو تبخيس الفاعلين أو فردانية مطلقة ترفض العمل الجماعي. وحيث هذا الرفض لا يطال الغايات من المشروع أكثر من المشروع في حد ذاته.

يلح التدبير المعاصر على تعبئة الأطر الوسيطة أثناء وضع المشروع وتنفيذه في التنظيمات المقاولاتية، لكن من هؤلاء في المؤسسة المدرسية؟ إنهم المدراء الذين عليهم العمل على الإقناع والتحسيس والشرح والتفسير، إقناع الآخرين بأن المشروع يهم حاضر المؤسسة ومستقبلها.

لا شك أن المقاربة بالمشروع تعني توريط الفاعلين لأنه من المهم التوقف عند التعلم الجماعي (العمل على التمثلات) ويسر التواصل الداخلي والخارجي الذي ينميه المشروع، وهي من الأمور التي يمكن وضعها كأهداف تسمح بالتعلم وتكوين الفاعلين وتنمية التواصل.

توجد المؤسسة المدرسية بين التلميذ والوزارة الوصية، لكنه بين التلميذ والوزارة توجد مؤسسات كثيرة ويوجد شركاء كثر. لكل وسيط من هؤلاء أولوياته التي تحاول القضاء على أولويات الآخرين؛ ولذلك على المؤسسة أن تعي المناخ الذي تعيش فيه حتى تنمي قدراتها على التفاوض والحوار مع الشركاء، وبالتالي تؤكد هويتها الخاصة كمؤسسة مدرسية لا مؤسسة جهة من الجهات، مؤسسة مستقلة غير تابعة تؤكد استقلاليتها وتعمل على يتبناها الجميع، وتعرف بهويتها لشركائها وتعمل على نشر ثقافتها، وتكون قادرة على تمثيلها.ولكي تلعب هذه الأدوار عليها أن تعي تعدد الشركاء وتعدد الرهانات والخلفيات. ولا تغفل صورتها المتخيلة والفعلية، الصورة الداخلية والخارجية، والتمييز بين مشاريع الواجهة ومشاريع التكوين.

إن العمل على الصورة والهوية لمؤسسة مدرسية ليست سوى مرحلة من ثقافة المشروع لأن الاشتغال على الصورة والهوية ينميان التواصل الداخلي والخارجي.

لا ينبغي أن نغفل بأن المؤسسة المدرسية تنظيم خاص، وليست المسألة هي معرفة ما إذا كانت المؤسسة موجودة ومماذا تتكون وكيف تعمل، بل الأهم، في نظر آلان بوفيي، هو التركيز على الآثار والنتائج ومواصفات المؤسسات.وعلى العموم فإن المقاربة بالمشروع تسمح بمايلي:

أولا: وضع غائية للمؤسسة، وتعنى إبداع مستقبل لأنه لا يمكن أن تظل المؤسسة المدرسية تحت رحمة النزوعات والرغبات.

ثانيا: ربط صلات بين المؤسسة ومحيطها حتى ولوكان المحيط متعبا لأنه لا يمكن للمؤسسة أن تعيش معزولة عن المحيط.

ثالثا: العمل على تغيير العلاقات العمودية بالعلاقات العرضانية لتفادي الجزر في العلاقات والتكتلات والصراعات القاتلة والبزنطية، والغاية هي أن يكون كل قطاع في خدمة الآخر داخل المؤسسة ويطالبه بما هو أحسن.

رابعا: ينبغي الانتقال من منطق الخضوع إلى منطق المسؤولية؛ الحاجة إلى رجال ونساء واقفين لا جالسين.

خامسا: معرفة إمكانات وقدرات كل فرد من الأفراد لأن الأمر يتعلق بتدبير للإمكانات لا تدبير الأجور؛ لذلك وجب البحث في أشكال جديدة للاعتراف.

بناء على هذه الأسس تشكل المقاربة بالمشروع قيمة مضافة بالنسبة للمؤسسة المدرسية لأنه بدون مشروع هل المؤسسة مستقلة فعلا؟ فكيف نصيغ مشروعا؟ وكيف ندبره؟ ولماذا المشروع؟.

 

 

 

يرى البعض أن المشروع كالفيزياء الكوانطية لا تقبل التحديد والتعريف، ومنهم من يرده إلى الهلوسات والتخيلات أو إلى الوعود والكلمات السحرية المليئة بالوعود، والآخرون يرون فيه المرور من فترة التعب والإرهاق إلى الرغبة في العمل، ومن الرغبة في العمل إلى القدرة على العمل ومن القدرة على العمل إلى العمل. فهل يشكل المشروع براديغما جديدا للتنظيمات؟.

يميز جاك أردوانو بين نوعين من المشاريع؛ أولهما المشروع الممركز على البرنامج (الأفعال والأشغال)، وثانيهما، المشروع المستهدف ذي الخصائص القيمية والمقاصد الفلسفية والأخلاقية والرؤية السياسية، وهو المشروع الذي يستهدف المستقبل وتطبعه البنائية أكثر من المشروع الأول. كما ترد عند ألان بوفيي نوعين من المشاريع؛ يسمي النوع الأول المشروع المنتوج الذي يستهدف إنتاج وثيقة مثلا، ثم هناك المشروع المبني، وهو المشروع السيرورة الذي ينصب على المقاربة وطريقة إنجازها، بل هو المشروع الذي ينتقل من المشروع المنتوج إلى الترجمة الاستراتيجية والعملية. كما يتميز بالشمولية والاستباق والتحفيز ويشكل تصورا للتدبير والقيادة... إلخ

ونذكر بأن المشروع، كل مشروع كيفما كان، يتميز بالسمات التالية:

1- يجب أن يكون للمشروع جذور في تاريخ التنظيم ومحيطه.

2- أن يتميز المشروع بالأهداف الطموحة لمدة ما بين ثلاث سنوات إلى ثماني سنوات، أن يشكل تحديا جماعيا ومقصدا للجميع.

3- يجب أن يتناسب ونظام القيم.

4- يجب وضع سيناريوهات لإنجاز الهدف الرئيسي.

5- يجب التوفر على مخطط للعمل ومدى زمني متوسط.

6- يجب التوفر على أبعاد اقتصادية واجتماعية وثقافية (وبيداغوجية بالنسبة للمؤسسة المدرسية).

7- يجب التوفر على بعد تواصلي وتقييمي.

 8- إن المشروع تعبير عن ذات جماعية وسيرورة تعلم جماعي.

9- المشروع أداة للاختيار استراتيجيا.

10- المشروع أداة للعمل والتعبئة.

11- المشروع مناسبة لاستثمار العناصر المحصل عليها في السابق.

12- المشروع موضوع تفاوض وحوار ومواجهة.

13- المشروع إمكانية للاستباق والمشاركة وتحميل المسؤولية والتواصل والتقويم وإظهار هوية المؤسسة وقيمها وتمثلاتها، وفرصة لعقد شراكات.

14- المشروع فرصة للتفكير في الزمن والتحكم فيه وتجاوز الزمن الدائري وولوج الزمن المنتج وزمن التقييم.

15- المشروع مناسبة لتحفيز للجميع.

16- المشروع مناسبة لتجاوز الرؤى التقنوقراطية والتسلطية.

17- المشروع مناسبة لميلاد المقاربات النوعية.

18- المشروع بالنسبة لمؤسسة تربوية مناسبة لإدماج الحياة المدرسية في التفكير.

19- المشروع مناسبة للتقويم الجماعي.

إذا كانت الخصائص التي ذكرناها تهم أي مشروع كيفما كان يظل السؤال مطروحا لمعرفة ما معنى مشروع المؤسسة التعليمية؟ وكيف يتم إنجازه؟ ولماذا أصبحت المدرسة تتكلم لغة المشروع كالمقاولات وباقي التنظيمات الأخرى غير المدرسية؟.

يجدر بالمدبر للمؤسسة التعليمية قبل الشروع في مشروع المؤسسة أن ينطلق من النقط التالية:

أولا: تحديد الفاعلين والمشاكل والمتغيرات.

ثانيا: البحث عن المعلومة والتوثيق.

ثالثا: إظهار وظائفية المؤسسة وروابطها مع محيطها وقيمها وإيديولوجيتها وتمثلاتها وكل ما له علاقة بثقافتها، أي بوصفها نسقا مفتوحا.

رابعا: طرح المشاكل بما فيها المرغوب في حلها.

خامسا: توريط جميع الفاعلين والشركاء.

سادسا: اللجوء للاستشارة والخبرة.

سابعا: إبداع أفكار وحلول جديدة.

ثامنا: صياغة فرضيات وتكوين سيناريوهات.

تاسعا: تقويم إمكانية تطبيق السيناريوهات.

عاشرا: القيام بتشخيص يرتكز على المقاربات الوظيفية (البحث في الاختلال الوظيفي) أو المقاربة المؤسساتية(البحث في الرهانات وعلاقات السلطة) أو المقاربة النسقية ( الوصف الإجمالي للمؤسسة بما فيها التفاعلات والتواصلات والعلائق داخليا وخارجيا) أو المقاربة الاستراتيجية( البحث في الحاجة والأهداف والأدوار الخاصة بكل فاعل والجماعات والتحالفات) أو المقاربة الثقافية ( ملاحظة ووصف الرمزي والثقافات الداخلية والقيم و المقاييس والتمثلات والهويات الفردية والجماعية والصورة التي يتم تسويقها عن الذات والذوات والمؤسسة) أو المقاربة الإثنولوجية ( القدرة على إنتاج المعنى للواقع انطلاقا من تأويل ما ينتجه من يعيش ذلك الواقع) أو الانطلاق من مقاربات أخرى اقتصادية أو سسيولوجية بحثة.

ستقود هذه المقاربات (أو واحدة منها) إلى تشخيص يمكن من وضع مرجع يسمح بالقيادة والتقويم والمقارنات في الزمن، وتعرية تمثلات الشركاء.ثم لا ينبغي للمدبر أن يغفل وهو يضع مشروع المؤسسة التربوية مختلف المتدخلين الفاعلين في الحاضر والمستقبل في ذلك المشروع حتى يتبين له نوع التدخل والمهام والأدوار التي سيقوم بها كل فاعل من الفاعلين في الحاضر والمستقبل ليمر إلى تحديد مجموعة القيادة التي ستعمل على الاتصال والمراقبة ووضع دفاتر التحملات وتحفيز الفاعلين إلخ....كما لا بد للمشروع أن يستند إلى وثيقة مكتوبة تعمل كتعاقد بين الفاعلين والشركاء. والتعاقد ليس نقطة البداية وإنما هو نقطة الوصول.

لا يتأتى العمل بالمشروع من دون مخطط للعمل (اسم المخطط، الأهداف، معايير التقويم، الآجال، المكانة في المشروع، المسؤولون، الفاعلون، الشركاء، الاكراهات الواجب أخذها بعين الاعتبار، الموارد الرئيسية، خصائص أخرى، التعديل والقيادة). فالمخطط يهم الفاعل في تحديد الزمن والشركاء والأهداف.

تغير المقاربة بالمشروع دور رئيس المؤسسة التربوية كليا ليجد نفسه في حاجة إلى كفايات جديدة لأنه لن يعود قادرا على العمل بمفرده أو بمساعدة البعض من الفاعلين في المؤسسة بحكم الانفتاح على المحيط وتعدد الشركاء وضرورة الانخراط في المشاريع الجزئية والكبرى للمؤسسة التربوية والتحولات الاقتصادية التي ترمي بظلالها على المؤسسات التعليمية.وإن أول ما سيقوم به رئيس المؤسسة هو التعبير والتأكيد على إرادة المؤسسة ولعب دور التحسيس والمحرض وتفسير سياسية المؤسسة وتدبيرها ونوع العلاقات الإنسانية الجديدة. كما يجب أن يعطى المثال في الالتزام بالزمن واحترام الوقت وخلق جو الثقة والتمكن من طرق الحوار والتفاوض وتدبير الاختلاف والقدرة على التنشيط (تنشيط المجموعات واللقاءات إلخ...) والسهر على تنمية التواصل الداخلي والخارجي والتمكن من الحركات والتيارات البيداغوجية. وبالإجمال يجب أن يكون متمكنا من التحليل والاستباق وأخذ القرار، وقادرا على خلق جو لإنجاز المشاريع والمخططات والتكوينات والسهر على التقويم الدائم.

هناك جانب آخر من المشروع يتمثل في الشريك أو الشركاء: مشروع المؤسسة، لكن مع من؟ بما أن المؤسسة التعليمية أصبحت نسقا مفتوحا على المحيط معنى ذلك أنها في تفاعل مع الخارج ولم تعد مكتفية بذاتها كالنسق المغلق؛ لذا فهي تعمل على بلورة مقاربة تشاركية أو أنها لا تحيى إلا من خلال مقاربة المشروع مع الغير(الشريك).ولكن لماذا الإلحاح على هذه الموضة (الشراكة) الجديدة؟ وفيما تهم المؤسسة المدرسية هذه الموضة الجديدة؟.

يتداول التدبير الحالي لفظ الشراكة دون انقطاع حتى أصبح اللفظ متداولا في الحياة اليومية للأسر وجماعات الأصدقاء، إلا أن تداوله لا تستند إلى تصورات تنظيرية ولا إلى مقاربات تفسيرية: ما هو التحليل الذي ينبغي أن يستند عليه المتكلم في مقاربته للفظ الشراكة؟ ولماذا يستعمله الجميع بهذا الغموض؟ وهل يستقيم الحديث عن الشراكة دون مشروع وعن المشروع دون شراكة؟ هل تكون الشراكة بين الداخل والخارج أم داخلية كذلك؟ وهل الشراكة هدف في ذاته أم الشراكة وسيلة؟ وما هي الحدود التي ينبغي أن تتوقف عندها المؤسسة المدرسية في إبرام شراكاتها؟ وتعدد الشركات هل هو مفيد للمؤسسة التعليمية أم لا؟.

تتعدد وجوه شركاء المؤسسة التعليمية من أفراد وجماعات ومؤسسات مما يجعل التقويم الذاتي للمؤسسة يتناقص بفعل التعدد ومطالب الغير. لكن مع ذلك فإن الشراكات تنمي الروابط والتفاعلات بين ثقافة المؤسسة والأنساق الثقافية الصغرى. كما تعدد من العلاقات بدل العلاقات الداخلية الجانبية والأحادية إن في الداخل أو مع الخارج.

أول ما يجب تمييزه في الشراكات هو تمييز مستويات الشراكة حتى لا ينقلب الإشراك إلى مضمون فارغ وشكلي وبهرجي. ثم إن الشراكة لا تعني تغيير الأدوار التي يلعبها كل فاعل لأن الشراكة تنمي النوعيات لا تغيير المهن، كما تعني التكامل لا الإبدال. وأخيرا تكون الغاية القصوى من الشراكة هي الرفع من الجودة.

يطرح مشروع المؤسسة مشاكل في التواصل منها: إلى من سيقدم؟ لماذا؟ متى؟ وكيف؟ وذلك لتعدد شركاء المدرسة مما يجعل المدرسة أمام مشكل المهنية واللجوء إلى موارد خارجية مما قد يفقدها هويتها في بعض الأحيان.

لا شك أن التواصل مع الخارج يهم رئيس المؤسسة وفريق العمل أو قيادة المشروع، لكن ما يجب التشديد عليه أن التواصل بالذات والمشروع والشراكة كلها تخدم قضية واحدة هي الجودة.

يتم تداول الحديث عن الجودة أو يستساغ هذا الحديث عن جودة المؤسسة التعليمية بدعوى أنها خدمة عمومية ينبغي أن تتوفر فيها شروط الجودة بالنسبة لمستعمليها.وعلينا أن نتذكر بأن مفهوم الجودة ينتمي للمقاربات المقاولاتية التي مرت من المراقبة التايلورية إلى استباق الاختلال الوظيفي. ففي بداية سنوات الخمسينات باليابان رصد أحد الباحثين بأن الجودة كانت مركزة على التقويمات المالية (الجودة واللاجودة)، برد الأخطاء إلى التدبير مثل أخطاء الإنتاج التي يتحملها الأطر وليس المنفذين.

ظلت المقاولات تعتقد لزمن طويل بأنه للجودة تكلفة وأما الآن فقد صارت الجودة خاصية أساسية للمنتجات والخدمات وأن اللاجودة هي التي أصبحت لها تكلفة.فماهي تكلفة اللاجودة في المؤسسة التعليمية؟

 

 

لابد من الإشارة إلى أن فكرة الجودة دخلت المجال العمومي متأخرة عن المجال المقاولاتي. ترتبط الجودة لدى المقاولة بمتطلبات الزبناء كموجه لها، ومع مرور الوقت تحول ذلك إلى مبدأ في الخدمة العمومية. وبدل الحديث المحتشم عن الزبناء صار الحديث عن مستعملي الخدمة العمومية. وأما من جهة تاريخ ظهور هذا المفهوم في الخدمة العمومية فيرجع إلى أواسط الثمانينيات من القرن العشرين.

قد يعود ظهور مفهوم الجودة في التعليم إلى البحث عن التكلفة؛ وبخاصة تكلفة اللاجودة، حيث يظهر بجلاء أثر التدبير التشاركي. 

 

خلاصات:

يتمثل المشروع التربوي البيداغوجي، حسب فليب بيرنو، فيما يلي:

أولا: المشروع مقاولة جماعية تدبرها جماعة القسم (المدرس ينشط لكنه لا يقرر نهائيا).

ثانيا: يتوجه نحو إنتاج ملموس (في المعني الواسع مثل إنجاز نص، عرض مسرحي أو غنائي، عرض، مجسم، خارطة، تجربة علمية، رقصة، أغنية، إبداع فني أو يدوي، حفلة، بحث، تظاهرة رياضية، سباق، مباراة، لعبة، إلخ...).

ثالثا: إدخال مجموعة من المهام تسمح بتوريط جميع التلاميذ وجعلهم يلعبون دورا نشيطا يتغير حسب وظيفة وسائلهم ومصالحهم.

رابعا:  إحداث تعلمات للمعارف ومهارات تدبير مشروع (اتخاذ القرار، التخطيط، التنسيق إلخ...).

خامسا: يسمح المشروع بتعلمات قابلة للتحديد كما توجد في البرنامج الدراسي لتخصص وعدة تخصصات (الفرنسية، الموسيقى، التربية البدنية، الجغرافيا إلخ...) (...).

ومن الجهة البيداغوجية التعلمية الصرفة يرى فليب بيرنو أن للمشروع وظائف متعددة منها:

أولا: يتسبب المشروع في تعبئة المعارف والمهارات المكتسبة وبناء كفايات.

ثانيا: التعاطي مع الممارسات الاجتماعية التي تنمي المعارف والتعلمات المدرسية.

ثالثا: اكتشاف معارف جديدة وعوالم جديدة في منظور تحسيسي أو تحفيزي.

رابعا: الوقوف أمام عوائق لا يمكن تجاوزها إلا بتعلمات جديدة قد تقع خارج المشروع.

خامسا: إثارة تعلمات جديدة في إطار المشروع نفسه.

سادسا: يسمح المشروع بتحديد المكتسبات والنواقص في في إطار منظور التقويم الذاتي والتقويم- الحصيلة.

سابعا: تنمية التعاون والذكاء الجماعي.

ثامنا: مساعدة كل تلميذ على أخذ الثقة في النفس وتعزيز الهوية الفردية والجماعية.

تاسعا: تكوين التلميذ على تصور وقيادة المشروع.

عاشرا: تنمية الاستقلالية والقدرة على وضع اختيارات والتفاوض بشأنها.

 

 

 

 

 

 

تمارين:

 

الموضوع:

 

تريد القيام صحبة تلاميذك بخرجة دراسية إلى مدينة أثرية لزيارة معالمها التاريخية أو إلى سد للتعرف على مراحل توليد الكهرباء....إلخ.

الأسئلة:

- لماذا ستقوم بهذه الخرجات أو الخرجة الدراسية؟

- ما أهداف المشروع؟

- ضع مخططا لهذا المشروع

- ما الكفايات العرضانية التي تريد تنميتها لدى التلاميذ

 

 

 

 

 

 

 

V- بيداغوجيا الأهداف

لن نطيل الحديث عن بيداغوجيا الأهداف لأنها معروفة لدى المدرسين والمدرسات، وسنكتفي، هنا، بذكر مستويات الأهداف والصنافات التي تنبني عليها.

تنقسم الأهداف إلى ما يلي:

أولا: الغايات

تترجم المقاصد العامة والتوجهات الكبرى للنظام التربوي...إلخ.

ثانيا: المرامي

ترتبط بغايات الأسلاك الدراسية والمقررات.

ثالثا: الأهداف العامة

ترتبط مباشرة بالمواد الدراسية في مستوى دراسي أو سلك.

رابعا: الأهداف الخاصة

هي الأهداف الإجرائية المرتبطة بحصة دراسية.

 

 

 

 

الصنافات:

 

1- صنافة بلوم الخاصة بالمجال المعرفي (1956)

تتميز هذه الصنافة بالانطلاق من المحسوس إلى المجرد، وتحتوي على ست مراقي هي:

 

6- التقويم

أن يكون التلميذ قادرا على إبداء أحكام نقدية مؤسسة على معايير داخلية وخارجية

5- التركيب

أن يكون التلميذ قادرا على على إنتاج عمل شخصي بعد فهم مخطط عمل

4- التحليل

أن يكون التلميذ قادرا على تحديد العناصر والنتائج والمبادئ المنظمة لوضعية ما

3- التطبيق

أن يكون التلميذ قادرا على تذكر معارف ومبادئ لحل مشكل

2- الفهم

أن يكون التلميذ قادرا على النقل والتأويل والتعميم انطلاقا من بعض المعارف

1- اكتساب المعارف

أن يكون التلميذ قادرا على تذكر كلمات وأحداث وتواريخ واتفاقات وتصنيفات ومبادئ ونظريات...إلخ

 

 

2- صنافة غانيي (1976- 1985)

مقولات التعلم

سيرورة

نوع السلوك

خاصيات

إخبار لفظي

معرفة بأن...

ذكر- تلخيص قول

الاكتساب من العام إلى الخاص

مهارات فكرية

معرفة كيف...

برهنة – توضيح

التعلم من الأكثر بساطة إلى الأكثر تعقيدا

مهارات حركية

القدرة على تنفيذ أنشطة ذات صلة بالعقلي- الثقافي

الجري- التزحلق- العزف على آلة البيانو

تتعلم بالممارسة

مواقف

تسمح باختيار أو اعتماد سلوك

اعتماد سلوك حذر

تتعلم مع مرور الوقت

استراتيجيات معرفية

تسمح بتدبير سيرورات التلميذ المعرفية للتعلم أو حل مشاكل

الإبداع انظلاقا من مكتسبات

تتعلم أثناء معايشة وضعيات مختلفة

 

 

تمارين:

 

الموضوع:

 

يقول جيري بوكزتار أن بيداغوجيا الأهداف تهتم بتحديد الأهداف قبل الدرس دون أن تعير الاهتمام للطريقة التي سينبني عليها. وهي لا تكتفي بالتحديد القبلي للأهداف، بل تتنبأ بتقويم سيؤثر على سير الدرس، وهو ما يعني أن هذا الدرس وهذا التقويم رهنان للهدف المرسوم سلفا.

الأسئلة:

1. هل تتفق مع هذا المنظور في تحديد أهداف الدرس؟

2. هل تتفق مع كل من يحضر درسا بأهداف في غياب الوسط الجغرافي للمؤسسة والتلميذ و وسطهما الثقافي والسوسيواقتصادي...إلخ؟

3. هل تحاضير الدروس، أي ما يسمى بالجذاذات، صالحة لكل وسط مدرسي ولجميع تلاميذ هذا المستوى أو ذاك؟

 

 

 

 

 

VI- بيداغوجيا حل المشكلات

     إن التعلم بالمشكلات APP نمط من التعلم يتمركز على المتعلم وتحكمه في المعارف والمهارات تطبيقيا. ومن بين أسسه مواجهة المتعلم لمشكل من دون التعرض إليه في السابق لاستنفار مهاراته وقدراته ومعارفه. فالمشكل المطروح مشكل مصطنع وذريعة للتعلم.والغاية ليست إيجاد حلول، بل إدراك كل ما يرتبط بالوضعية أو المشكل.

يستهدف هذا النوع من التعليم تحضير الطلبة لواقع مهني يتحول باستمرار، والغاية هي إكسابهم القدرة على التكيف والقدرة على الملاحظة والتحليل وإيجاد الحل والتفكير المنطقي واتخاذ القرار والمبادرة والمسؤولية والاستقلالية والقدرة على التقويم الذاتي والتعلم الذاتي والتواصل والعمل في جماعة.

ومن الناحية البيداغوجية الصرفة فإن هذا النوع من التعلم يقوم على تعريف المفاهيم والاصطلاحات وتحديد المشكل بدقة و وضع الفرضيات والنظر في الأهداف والقيام بالدراسة أو المعالجة، وأخيرا فحص الحصيلة.

      يرى اسكينر أننا نتكلم كثيرا عوض التفكير في حل المشكلات، نولي الاهتمام لشيء بهدف حل مشكل والقيام برد فعل ناجع.

إن حل المشكلات يظل مقتصرا، في العادة، على أنشطة تحضيرية تسهل السلوك في الظروف الأكثر تنوعا.

قد نوجد أمام مشكل فنلجأ إلى حله إما بتغيير الوضعية بالشكل الذي يجعل الجواب ممكنا أو بتغيير حالة الحرمان أو التحفيز العنيف.وهكذا لا يمكن أن نتعلم حل المشكلات إذا لم نتعلم توجيه انتباهنا أو تذكرنا. هناك وسائل عديدة لتغيير وضعية معينة بنجاعة، منها أن نجعل المثيرات واضحة جدا وتبديلها و تحويلها إلى أخرى حسية وعزلها وإعادة تنظيمها لتيسير المقارنات وجمعها وإعادة جمعها وبنينتها وتقسيمها.

إن أسوأ احتمال هو أن يترك التلميذ يبحث عن الحل بالصدفة، ولكن المطلوب هو أن يتعلم نوع الحل المرغوب فيه مقرونا باختيار التقنية الملائمة. وبذلك تبدو لنا الطريقة التعليمية القائمة على مبدأ «الارتماء في الماء لتعلم السباحة» محدودة بحدود مشاكل معينة ولا تتماشى ومشاكل متنامية. ثم إن الطرق التعليمية القائمة على الحلول المباشرة لا تنجم عنها إلا الشكلانية: تفسير الخطوات المتبعة في الحل. وهكذا يتعاظم تقليد التلميذ لأستاذه قولا و فعلا متبعا ما قدم له لحل المشكل، رغم أنه لا شيء يؤكد لنا أن التلميذ سيجيد إنتاج نفس تلك السلوكات في المستقبل.

 

خلاصة:

 

نخلص إلى القول، من خلال موقف اسكينر من التدريس بالمشكلات، بأن حلها يرتبط ببناء وضعية تعلمية:

أولا: إن الوضعية التعلمية هي وضعية يدركها المدرس ويضعها بغاية تعليم المتمدرسين، مفضلا منطق التعلم على التعليم (التعليم بالمحتوى). وتتحدد بوجود تلاميذ متعلمين و مكون مدرس وبعلاقات وتفاعلات بين المدرس والتلميذ، وبنوع من التعلم المحدد وبمحتوى للمعالجة وسلوك قابل للملاحظة في نهاية الوضعية، وبتقويم تكويني واستراتيجية تعلمية واستراتيجيات معرفية فارقية، ووسائل ومحيط. وعلى المدرس أن يتساءل إذا أراد أن يدرس بالوضعية التعلمية بماذا سيقوم تلاميذي في نهاية الوضعية ولم يكونوا قادرين على القيام به قبل ذلك ؟ وماذا علي أن أقوم به لبلوغ ذلك؟ وماهي المهام التي تناسب ذلك؟ ....

ثانيا: هي وضعية معقدة يرجى حلها تستوجب عدة معارف ومهارات. والوضعية المعقدة ليست تطبيقا لفكرة أو قاعدة أو معلومة.

 

 

VII- الوضعية المشكلة

تكاد الوضعية المشكلة أن تكون هي اللغة الطاغية اليوم في المدرسة؛ ولهذا السبب بالذات تطرح عدة مشاكل نظرية وعملية؛ فمن جهة النظر يبدو أن الوضعية المسألة تلائم تعليما مهنيا، ومن جانب ثان تبدو أنها تغير وظيفة المعرفة المدرسية الكلاسيكية إلى معرفة قائمة على التحويل والسياق، ومن جانب ثالث تبدو أنها تطرح عدة مشاكل في تخصصات كثيرة كاللغات والفلسفة والرياضيات وفي سنوات التمدرس الأولى، ومن جانب رابع لا ينبغي النظر إليها كحل مثالي لما ينبغي أن يكون عليه التعلم...إلخ.

إذن، لهذه الاعتبارات وجب الحديث عن الوضعيات وليس عن الوضعية على اعتبار أن التدريس القائم على الوضعيات يفترض غياب المقرر الموحد، وغياب الدرس الموحد، وغياب الطريقة الواحدة في التدريس. سيبدو لنا هذا الأمر جليا ونحن نتوقف، أولا، عند تعاريف الوضعية- المسألة:

●    الوضعية  المشكلة هي الوضعية الديداكتيكية التي تطرح من خلالها للفرد مهمة التي لا يتغلب عليها إلا بالتعلم الدقيق. وهذا التعلم هو الهدف الحقيقي للوضعية-المسألة الذي يتم برفع العائق الذي يحول دون إنجاز المهمة.

  • الوضعية-المسألة هي مشكل يشبه المشاكل التي يصادفها التلميذ في الحياة وقد تفوقها تعقيدا. وفي التعلم عليها أن تكون دالة بالنسبة للتلميذ لممارسة كفاية أو تقويمها.
  • هي وضعية معقدة يرجى حلها تستوجب عدة معارف ومهارات. والوضعية المعقدة ليست تطبيقا لفكرة أو قاعدة أو معلومة.
  • هي وضعية ديداكتيكية يقترح فيها المدرس على المتعلم مهمة لا يمكنه أن يتوفق فيها بدون تعلم محدد، وهذا التعلم يشكل الهدف الرئيسي للوضعية المشكلة إذا ما أنجز بإزاحة كل ما يعرقل المهمة. وتقوم الوضعية المسألة على تقويم تشخيصي للتحفيزات والكفايات والقدرات.

●   الوضعية الدالة هي الوضعية التي تحرك التلميذ أو تحفزه وتعطيه الرغبة في التعلم. وقد تكون وضعية يومية أو تحد بالنسبة للتلميذ.

 

نستنتج من هذه التعاريف السابقة أن للوضعية- المسألة عدة خصائص منها:

أولا: الشمولية، أي مهمة شاملة تجري في سياق فتتطلب أكثر من فعل أو إجراء وقابلة للتجزيء في الوقت نفسه.

ثانيا: التعقيد، أي تتطلب عدة معارف و صراعا معرفيا.

ثالثا: المعنى، أي لها معنى بالنسبة للتلميذ

رابعا: هادفة، أي تستهدف تحقيق أهداف تعلمية

خامسا: تورط التلميذ في العمل، أي مطلوب منه تجاوز العوائق وبالتالي بناء معارفه، علما بأن الوضعية –المسألة لا تقبل الحل المباشر

سادسا: تساهم في تغيير التمثلات وتعيد بناء الأفكار

سابعا: ارتباطها بالإنجاز

ثامنا: الوضعية- المسألة ذريعة للتعلم

تاسعا: تتسم الوضعية –المسألة بملاءمتها لمستوى التلاميذ، أي استبعاد الطابع التعجيزي

عاشرا: ليست الوضعية-المسألة إشكالية لكن تحضير التلاميذ لطرح إشكاليات يتطلب تدرجا يحصل بواسطة سلسلة من الوضعيات

إحدى عشرة: الوضعية-المسألة مهمة ملموسة: اختيار موقع مخيم مثلا

إثنى عشرة: الوضعية-المسألة تستهدف التكوين الذاتي للمتعلم

ثلاثة عشرة: تتسم الوضعية-المسألة بالتحفيز

أربعة عشرة: تتسم الوضعية-المسألة بخاصية تحويلية للتعلمات

خمسة عشرة: تمس الوضعية- المسألة اهتمامات التلميذ

ستة عشرة: تكون في الغالب من سياق يرتبط بإشكالية أو بمجموعة من المهام تقع تحت مهام معقدة

سبعة عشرة: تستهدف الوضعية-المسألة بناء الكفاية في شموليتها

ثمانية عشرة: تتسم الوضعية-المسألة بالمعنى والانفتاح والدينامية وتفاعلية التلاميذ.

تسعة عشرة: ألا ترتبط الوضعية بتعلم واحد أو تخصص واحد

 

 

 

 

 

 

 

توجيهات عامة:

 

أولا: الوضعية المشكلة يبنيها المدرس حسب مستوى التلاميذ ووسطهم والأهداف المحددة من كل تعلم، وهو ما يعني تفادي الجاهزية والتحضير في غياب التلاميذ ومستواهم: نحضر وضعية لصالح هؤلاء التلاميذ، و نريد تحقيق هذه الأهداف، ونريد أن يتغلب التلميذ الفلاني والعلاني على هذا المشكل أو تجاوز هذا العائق...إلخ.

ثانيا: لا تبنى الوضعية- المسألة في غياب تقنيات التنشيط، لأن الوضعية لا تبنى وضعيات تعلمية حصرية، وإنما تنمي كفايات متعددة وتجاوز عوائق كالخجل مثلا، وهي كفايات وعوائق تبدو في الوهلة الأولى لا علاقة لها بالدرس المعلن عنه في البرنامج الدراسي. وكلما استحضر المدرس هذه الجوانب كلما كانت الوضعية خصبة وتعلمية.

ثالثا: هي وضعية تعلمية يدركها المدرس ويضعها بغاية تعليم المتمدرسين، مفضلا منطق التعلم على التعليم (التعليم بالمحتوى). وتتحدد بوجود تلاميذ متعلمين و مكون أومدرس وبعلاقات وتفاعلات بين المدرس والتلميذ، وبنوع من التعلم المحدد، وبمحتوى للمعالجة وسلوك قابل للملاحظة في نهاية الوضعية، وبتقويم تكويني واستراتيجية تعلمية واستراتيجيات معرفية فارقية ووسائل ومحيط. وعلى المدرس أن يتساءل إذا أراد أن يدرس بالوضعية التعلمية بماذا سيقوم تلاميذي في نهاية الوضعية ولم يكونوا قادرين على القيام به قبل ذلك ؟ وماذا علية أن يقوم به لبلوغ ذلك؟ وما هي المهام التي تناسب ذلك؟

رابعا: يتطلب التدريس بالوضعيات على حد تعبير فليب بيرنو "ثورة ثقافية"؛ فمن أجل أن تخلق وضعية-مشكل يجب تصور الحاجة إلى المعرفة بشكل مغاير عوض التصور الذي يجعلها كتمرين مدرسي كلاسيكي. وهكذا نرى بشكل واضح بأنها تحيل على إبستيمولوجيا أخرى وعلى تمثل آخر لبناء المعارف في الذهن الإنساني.

 

تمارين:

 

وضعية1:

يمكن للتلاميذ البحث عن حلول لتقليص استهلاك الماء الصالح للشرب في مدينتهم أو قريتهم. ومن أجل ذلك سينجز التلاميذ مهام معقدة كثيرة مرتبطة بالمشكل الأصلي. ومن خلال الاشتغال يتضح مدى تقدمهم لبلوغ الحل، وفي الأخير سيقدم التلاميذ حلولهم للساكنة في ملصقات أو عروض...  إلخ.

المرجع، الحسن اللحية، الكفايات في علوم التربية

 

وضعية2:

في قسم التربية البدنية والصحة المدرسية، وبهدف اتخاذ قرار ما إذا كانت التغييرات المفروضة ساهمت في تحسين العوائد الصحية اختار التلاميذ الوسيلة المثلى لتقديم استعمالهم الزمني خلال الأسبوع. ستمكنهم هذه الوضعية من تنمية كفاية متكيفة مع نمط حياة صحي ونشيط.

المرجع، الحسن اللحية، الكفايات في علوم التربية

 

 

 

 

 

 

 

وضعية3:

تسلم علي فاتورة استهلاك الماء، واتضح له من خلال بياناتها أن هناك ارتفاعا في نسبة الاستهلاك. فظن أن خطأ ما حصل في الأمر واستشاط غضبا، ثم تساءل: ألست مسؤولا في حقيقة الأمر عن هذا الارتفاع؟  هل يتسرب الماء من الصنبور؟ إن كان الأمر كذلك يجب علي إصلاحه.

ساعد عليا على اتخاذ القرار: هل من مصلحته أن يصلح الصنبور؟

بعد عملية حسابية اتضح لعلي أنه بإمكانه ملء حاوية بسعة 50 لترا في اليوم ماء متسربا. وعلم أن ثمن إصلاح الصنبور هو 30 درهما. هل من أسباب أخرى ستدفع عليا لإصلاح الصنبور؟

وضعية مستوحاة من اكسافيي رويجرس

 

 

 

 

 

 

 

 

 

VIII- الكفايات

 

لا بد من الإشارة إلى عدة مشاكل تعترضنا ونحن مقبلين على الحديث عن الكفايات؛ أولها هل الكفايات بيداغوجيا أم مقاربة؟ وثاني المشاكل لماذا الحديث عن الكفايات بالجمع بدل المفرد؟ وثالث المشاكل هل أحدثت الكفايات قطيعة إبستمولوجية ، كما يعتقد البعض، مع بيداغوجيا الأهداف؟ ورابع المشاكل هل الحديث عن الكفايات خطاب خاص بالمدرسة؟

إن محاولة الإجابة على هذه الأسئلة تقتضي التفصيل والتدقيق، غير أن المناسبة لا تسمح بذلك، وعليه سنكتفي برؤوس أقلام توجه قارئ هذا العمل وبقائمة من المراجع في نهايته تدلل بعض الصعوبات المثارة هنا.

أولا: الكفايات بيداغوجيا أم مقاربة؟

وجب التنبيه إلى أن البيداغوجيا تهم التربية وتعليم الصغار، بينما نجد أن الكفايات تهم الصغار والكبار معا، وهي بهذا التحديد هي بيداغوجيا وأندراغوجيا في الآن نفسه؛ فهي خطاب بيداغوجي مدرسي، وهي حطاب التكوين المهني كذلك؛ بمعنى أنها خطاب المكونين والحرفيين والمهنيين والمدبرين ومهندسي التكوين، أو بلغة أكثر دقة هي خطاب المدرسة والمقاولة والإدارة؛ فهي بهذا المعنى خطاب التعليم وخطاب التكوين (التكوين الأساسي والتكوين المستمر): خطاب التعليم والقابلية للتعلم (المتمدرس والأمي) والقابلية للتشغيل (الأجير والمستخدم والعامل والباحث عن العمل والعاطل بالشهادة أو الدبلوم وبدونهما و الراغب أو المضطر لتغيير المهنة).

 

 

 

 

 

ثانيا: الكفايات مقاربات

 

بما أن الكفايات لا تهم المدرس وحده؛ إذ نجد أنها تهم المدبر في المدرسة والمراقب التربوي والمشغل ومراكز التكوين وجميع التكوينات (التكوين الأساسي والمستمر والتكوين عن بعد والتكوين التناوبي...إلخ) فإنها تهم تخصصات كثيرة مثل علم تنظيم الشغل وسوسيولوجيا التنظيمات وعلم النفس الشغل وعلوم التدبير واللسانيات...إلخ؛ فهذه المكانة التي تتمتع بها تجعل منها مقاربات أكثر منها مقاربة، أندرغوجيا أكثر منها بيداغوجيا.

ثالثا: لماذا الكفايات مقاربات؟

الكفايات مقاربات لأنها:

  • هي الطريقة التي يتناول بها الشخص أو الدارس أو الباحث الموضوع أو الطريقة التي يتقدم بها في الشئ.
  • المقاربة أساس نظري يتكون من مجموعة من المبادئ يتأسس عليها برنامج دراسي.
  • تحيل المقاربة بالكفايات في الوقت الراهن على التخطيط التربوي والطلب على التربية من أجل كذا أو كذا... وعلى الاقتصاد التربوي. وهنا نستحضر الحاجة والوظائفية بالانطلاق من حاجات المقاولة أو الاقتصاد أو الفئات العمرية أو التنافسية أو الحاجات الوطنية والإنتاجية.وما يلاحظ أن كل مقاربة تطرح مشاكل نظرية وعملية منها مشكل مشروعيتها كمقاربة.

 

 

 

 

 

 

 

خلاصات أولى:

 

  • للكفاية مقاربات كثيرة منها المقاربة بالمعرفة والمقاربة بالمهارة والمقاربة بالسلوكات وحسن التواجد والمقاربة بالمعارف والمهارة وحسن التواجد والمقاربة بكفايات المعرفي.
  • تدقق المقاربة بالكفايات في مكانة المعارف في الفعل. فالمعارف هي موارد لتحديد وحل المشاكل، ويعني ذلك أنه على المعارف أن تكون متوفرة في اللحظة المناسبة وأن تكون متكيفة مع الوضعية.
  • تهيئ المقاربة بالكفايات الطلبة للتهيئ الجيد للحياة المهنية واكتساب المعارف الضرورية في مجال عملهم؛ وذلك عن طريق تنمية قدرة استعمال تلك المعارف في سياق واقعي وعملي -مهني. ويستوجب التكوين على الكفايات تداخل التخصصات والمكتسبات في وضعيات معقدة ومهنية.
  •  إن الإقرار بمقاربة للكفايات يعني إرادة ممارسة مراقبة مطلقة على مجموع مكونات الكفاية. والكفاية تعني المعرفة بالفعل. كما تدقق المقاربة بالكفايات في مكانة المعارف العالمة من غيرها. كما يتطلب التكوين بالكفاية ثورة ثقافية صغيرة للمرور من منطق التعليم إلى منطق التدريب. فالكفاية تبنى بالممارسة في وضعيات معقدة. وهي تتطلب مسهلا لتعلمها بعقلية بنائية تسمح لكل طفل باستعمال أو بالتعبير في وقت معين على ما يعرفه من ذي قبل.

 

 

 

 

 

رابعا: تياران في الكفايات

 

 استنادا إلى كثير من الباحثين في علوم التربية مثل جون ماري دوكتيل و فليب بيرنو نجد أن التصور البيداغوجي للكفاية جاء بعد مقاربات كثيرة في مجالات وتخصصات معرفية غير التربية والتعليم؛ وذلك ما جعل تصورات تربوية كثيرة تتأثر بمفاهيم وتصورات تنتمي لتلك التخصصات( أنظر الحسن اللحية، نهاية المدرسة2005). ومن جانب ثان يرى فليب جونير أن تصورات علوم التربية للكفاية تتوزع إلى تيارين أحدهما أنجلوساكسوني والآخر فرانكفوني.

يستخلص المتتبع لتصورات تطور مفهوم الكفاية في علوم التربية ما يلي:

أولا: تقدم الكفاية في علوم التربية بعيدا عن الإنجاز حصرا على عكس المقاربات غير التربوية لوجود لحظات لا تستطيع الذات أن تنجز ما عليها إنجازه أو أنها لا تستطيع تحقيق كفايتها. فأمهر الأطباء يرتكب الأخطاء في التشخيص وأمهر اللاعبين يضيعون ضربات الجزاء... إلخ.

ثانيا:  لا يمكن تعريف الكفاية إلا من خلال الفعل وفي إطاره ووسطه؛ أي في وضعية لتمييزها عن التعريف القبلي والتصورات الافتراضية. وبمعنى آخر فالكفاية هي كفاية فعلية compétence effective تلاحظ فعليا في وضعية.

ثالثا: إن التأكيد على الوضعية جعل علماء التربية يتخلون عن الإنجاز.

خامسا: لماذا اللجوء إلى الكفايات في التربية والتعليم؟

تم اللجوء إلى الكفايات في التعليم للاعتبارات التالية:

 

 

أولا: الحد من التلقين (الحفظ، الذاكرة، النزعة الامتحانية، معلومات غير نافعة إلا في الامتحانات، رد القول، العلاقات العمودية، الشيخ و المريد...)، والغاية هي تجديد وظائف المعرفة المدرسية ووظائف المدرس...إلخ.

 

تتطلب تنمية الكفايات حسب فليب بيرنو مايلي:

أولا: تجاوز الرؤية التي تحصر المعرفة المدرسية في اجتياز الامتحان إلى رؤية تحويلية للمعارف والمكتسبات في وضعيات معقدة؛ ولذلك يرى بأنه عند صياغة البرامج ينبغي الأخذ بعين الاعتبار متطلبات الحياة الاجتماعية؛ وبمعنى آخر ينبغي اعتبار التعليم الابتدائي مرحلة لإعداد التلاميذ للحياة بشكل عام: الحياة الخاصة والحياة العامة والحياة الجمعوية والنقابية والسياسية...إلخ، وكذلك حياة الطفولة والمراهقة.

ثانيا: تعمل المدرسة على تنمية الكفايات لتفادي فشل التلاميذ حينما يظلون مرتبطين بالمعارف والمضامين منفصلة عن التطبيق؛ أي نقلها إلى وضعيات بعيدة عن المدرسة.

ثالثا: لتنمية الكفايات لا بد من تقليص الغلاف الزمني الخاص بالدراسة أسبوعيا والتخفيف من المقررات الدراسية لإفساح المجال للتطبيق والتدرب في وضعيات معقدة تستحضر الحياة اليومية.

رابعا: اعتبار المعارف موارد والعمل بالمشاكل والإبداعية في التدريس.

خامسا: لبناء الكفايات ينبغي توجيه التكوين نحو البناء وإزالة الصورة النمطية عن المدرس (محتكر الكلام والمعرفة) وعن الدرس درس المتبوع بالتمارين.

سادسا: من أجل بناء الكفايات وجب الانتقال من منطق التعليم إلى منطق التعلم.

 

 

ثانيا: نقد بيداغوجيا الأهداف ( الميكانيكية، رد الفعل، تجزيء المقررات الدراسية، كثرة الأهداف...إلخ).

مقارنة بين برنامجين (التمركز على الأهداف والتمركز على تنمية الكفايات):

برنامج متمركز على الأهداف

برنامج متمركز على تنمية الكفايات

- استهداف معارف ومهارات عامة

- محتويات مفصلة ومجزأة مصاغة كأهداف بيداغوجية

- يحدد هدف خاص بكل محتوى ويصاغ على شكل سلوك منتظر من التلميذ

- يرتبط الهدف بمحتوى تخصص خارج الفرد

- يتم إكساب المعارف والمهارات بشكل مقطعي

_ إعطاء الأولوية للمهارات أكثر من الجانب العاطفي- الوجداني

- يحدد الهدف قبليا ويظل ثابتا

- تظل الملاحظة المعيار الوحيد للحكم على بلوغ الهدف

 

- لا تعير الكفايات الاهتمام للمحتويات الخارجية عن الفرد ولكنها تهتم بإدماجه للمعارف (النظرية والعملية) حتى يتمكن من تكييفها لاحقا في حياته كراشد

- استدماج المقاربات المعرفية

- اللجوء إلى الوضعيات والعمل بالمشاكل

- غياب ما يدل على الكفاية ليس أمرا حاسما في الحكم وإنما يعنى تغيير سياق التعلم

- اللجوء للعرضانية في المعارف لتفادي انغلاق التخصصات

- يستند تقويم الكفاية على حشد المعارف في وضعيات معقدة متنوعة

- استهداف ما يقدر التلميذ على القيام به

- تجاوز الرؤية الفيزيولوجية المرتبطة بالسلوك التي تختصر السلوك في رد الفعل

 

ثالثا: التدريس بالوضعيات ( بناء كفايات، تجاوز عوائق ذاتية وتعليمية، ربط المعارف بالمحيط، إشراك التلاميذ في بناء معارفهم، تدبير وتخطيط التعلمات، استحضار تقنيات التنشيط ومجمل البيداغوجيات ودينامية الجماعات، إضفاء معنى على التعلمات، سياقية المعرفة المدرسية...إلخ).

خلاصة:

للتدريس بالكفايات وجب استحضار ما يلي:

أولا:  المدرسة وسط لتعلم الحياة الاجتماعية

ثانيا:  إعادة إستثمار أو تحويل (النقل) المعارف المدرسية.

ثالثا:  التركيز على التكيف في محيط متبدل ومتغير يفترض تطوير أدوات فكرية مرنة مناسبة والتحولات الجارية.

رابعا:  تجاوز بيداغوجيا الأهداف التي تقوم على كثير من الاشتقاقات منها كثرة الأهداف أو تكاثرها و تجزيئ المعارف وإضفاء الصبغة الذرية على الكفايات والتركيز على الأهداف القصيرة المدى، والتركيز كذلك على المهارات الثانوية التي تضر بالكفايات الأكثر تعقيدا.

خامسا:  الرؤية البراجماتية للمعرفة لأن المعارف المكتسبة في المدرسة وجب أن تكون قابلة للاستعمال والتحويل أو النقل.

سادسا:  ربط المدرسة بالمعيش اليومي (وضعيات الحياة اليومية).

سابعا:  نجاعة التعليم والملاءمة الواسعة للتعلمات المدرسية مع وضعيات العمل وخارج العمل: إشكالية تحويل المعارف أو بناء الكفايات.

ثامنا:  تعبئة المعارف (من قبل التلاميذ) خارج وضعيات الامتحان.

 

 

رابعا: تغيير أدوار المدرس والتلميذ

ليس للتدريس بالكفايات دواع تهم المعارف المدرسية وحدها، كما سبق القول أعلاه، بل هناك دواع أخرى تهم تغيير وظائف المدرس والتلميذ كما هو الحال على سبيل المثال في الجدول التالي:

الوظائف الجديدة    للتلاميذ أو الطلبة

وظائف المدرس

- لديهم مهمات معقدة يجب أن ينجزوها بهدف محدد جيدا.

- ينبغي أن يتخذوا قرارات حول الطريقة التي سيباشرون بها العمل.

- لا يقومون بالشئ نفسه خلال اشتغالهم.

- تتوفر لهم موارد كثيرة.

- يعالجون معلومات كثيرة ليست بالضرورة صالحة لهم.

- يتفاعلون فيما بينهم ومع الخارج (خبراء، أعضاء في مجموعات...).

- ينخرطون في سيرورة اكتشاف وبناء المعارف.

- يفكرون فيما يقومون به وفي مواردهم المستعملة.

- يتواصلون ويتقاسمون المهارات والخبرات.

-يشاركون في تقويمهم.

-اتصافهم بالفضول والمبادرة والبحث عن المعلومات

- عليهم أن يصبحوا شركاء المدرس في بناء المعارف

- عليهم أن يتصفوا بالإبداعية في الحل والاقتراح والبحث

- عليهم ركوب المجازفات

- يدبرون الأنشطة حسب لوحة التسجيل والمراقبة

- إنجاز العمل فرديا مع احترام التعليمات والمقترحات وقواعد الحياة الفردية والجماعية

- التصحيح والتقويم الذاتي

-يأخذ بعين الاعتبار مكتسبات التلاميذ ويساعدهم على تذكرها.

- يقترح على الطلبة أو التلاميذ وضعيات تعلمية معقدة تكون في متناولهم لها معنى بالنسبة إليهم.

- يقترح عليهم موارد متنوعة.

- يدعم الطلبة أو التلاميذ طيلة مدة تنفيذ المهمات المطلوبة.

- يشجع على المضي بعيدا في الاكتشاف.

- يوفر جو التفاعل بين الطلبة أو التلاميذ.

- يتنبأ بلحظات بنينة المعارف والمهارات والقدرات المكتسبة.

- يثير التأمل حول طريقة التعلم وسياقات إعادة استعمال المعارف والمهارات والمكتسبات في سياقات أخرى.

- يقدم للطلبة أو التلاميذ الفرص لإعادة استعمال الكفايات المكتسبة في سياقات أخرى.

- يتدخل بشكل فارقي ليدعم تعلم الطلبة أو التلاميذ، ويقترح عليهم المهام اللائقة والملائمة لكل واحد منهم حتى يتفادون العمل الموحد في وقت واحد ومتزامن.

- يعمل على إشراك الطلبة أو التلاميذ في تقويمهم الذاتي.

- سيصير المدرس مسهلا ومخططا ومنظما للأنشطة ومحفزا ومبدعا...إلخ.

- العمل على المشاكل والمشاريع

- اقتراح مهام معقدة

- يقترح بيداغوجيا نشيطة منفتحة على البادية والمدينة

- يمتلك رؤية بنائية تفاعلية للتعلم

- ينظم الوضعيات

- يورط التلاميذ في التعلم

- له القدرة على الملاحظة والتنظيم والابتكار

- يدبر القسم كوحدة تربوية

- يتعاون مع زملائه والآباء والشركاء

- عدم احتكاره للكلمة

- يضع التلاميذ أمام سلسلة من القرارات

- يناقش ما يطرحه على التلاميذ

- يحضر الأوراش

- يدبر الوقت

- يقود التلاميذ

- يتدخل لصالح التلاميذ الذين يصادفون بعض المشاكل

- يشجيع التلاميذ على التقدم المستقل في عملهم

- يسجل ويراقب التلاميذ بواسطة لوحة خاصة بذلك

- يشرف على المسار الفردي الخاص بكل تلميذ

- يضع جداول التصحيح الذاتي أمام التلاميذ....إلخ

 

 

تمارين:

الموضوع:

 

1- وضح اسهام تداخل المواد في تطوير الكفايات عند المتعلمين؟

2- اقترح عناصر تطبيقية لأجرأة تداخل المواد؟

الامتحانات المهنية- دورة 2004

الدرجة الأولى من أطار أساتذة التعليم الثانوي الإعدادي

 

 

 

 

 

 

 

 

الموضوع:

يعرف بيرنو الكفاية بأنها القدرة على تعبئة مجموعة من الموارد المعرفية لمواجهة عائلة من الوضعيات. ويقترح ثلاثة أمثلة في نص تحت عنوان بناء الكفاية

الكفاية المستهدفة: القدرة على تحديد الوجهة في مدينة مجهولة.

يتطلب بناء هذه الكفاية في نظر فليب بيرنو تعبئة قدرات مثل:

 1)- القدرة على قراءة مخطط (خريطة)

 2)- القدرة على تحديد المكان

 3)- القدرة على البحث عن المعلومات أو النصائح. كما تتطلب هذه الكفاية معارف أخرى مثل فكرة السلم والعناصر الطبوغرافية ومعرفة عدد من المرتكزات الجغرافية.

ضع تخطيطا يتلاءم وبيداغوجيا المشروع لتعبئة هذه القدرات لدى التلاميذ.

 

 

 

 

 

 

الموضوع:

الكفاية المستهدفة:  التصويت الصائب دفاعا عن المصالح.

تطلب هذه الكفاية تعبئة قدرات مثل:

1)- الاستعلام و المعرفة بملء مطبوع التصويت

2)- تتطلب معارف أخرى مثل المعرفة بالمؤسسات السياسية ورهانات الانتخابات والمرشحين والأحزاب السياسية والبرامج السياسية للأغلبية الحاكمة.

ضع تصور لبرنامج سنوي دراسي ينمي الكفاية المستهدفة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مراجع

نحيل القارئ على المراجع والمواقع الالكترونية التي استقينا منها النصوص سواء فيما يهم نظريات التعلم أو البيداغوجيات بشكل مباشر.

- الحسن اللحية، المدرسة والعولمة، إصدارات أنتير غراف، الرباط 2004

- الحسن اللحية، ماهي الكفايات؟: نصوص مختارة. ترجمة مشتركة (الحسن اللحية، عبد الإله شرياط)، نشر بني يزناسن الرباط 2003

- الحسن اللحية، مجزوءة الكفايات، دار إفريقيا الشرق، الدار البيضاء2006

- الحسن اللحية، موسوعة الكفايات: الألفاظ والمفاهيم والاصطلاحات 2006

- زكي أحمد صالح، علم النفس التربوي، ط 16، دار المعارف 1992

- عبد الرحيم هاروشي، بيداغوجيا الكفايات، ترجمة مشتركة (الحسن اللحية، عبد الإله شرياط)، دار الفنك 2004

- وزارة التربية الوطنية، الوحدة المركزية لتكوين الأطر، قسم استراتيجيات التكوين، مجزوءة الكفايات وملف المشارك إعداد وترجمة وتعريب الحسن اللحية، نسخة 2006

الحسن اللحية، نهاية المدرسة: الشغل والكفايات والمعارف النفعية، توب إدسيون، الدار البيضاء 2005

 

 

B .F. Skinner, la révolution scientifique de l’enseignement, Dessart, Bruxelle 1968

Halina Przesmycki, Pédagogie différenciée, Préface d’André de Peretti, coll, pédagogie pour demain, Hachette éducation, Paris 1991pp9-31

http://lahia.hautetfort.com

http://www.unige.ch/fapse/sse/teachers/perrenoud/php_main/php_1995/1995_09.html

J.Tardif, Pour un enseignement stratégique, l'apport de la psychologie cognitive logique.1992

Lucien Mourin et Louis Brunet, Philosophie de l’education.Press- Un- Laval, 1992

Maurice Debesse, Psychologie de l’enfant de la naissance à l’adolescence, cahiers de pédagogie moderne-1, coll. Bourrelier, librairie armand colin1956.

Philippe Perrenoud, Pédagogie différenciée : des intentions à l’action, ESF 1997

Réseau Ludus, http://histgeo.discip.ac-caen

  Roland Louis, l’évaluation des apprentissages en classe : théorie et pratique, ed, Etudes Vivantes, Montréal, 1999

Sandra Bellier, Traité des sciences et des techniques de la formation, sous la direction de Philippe Carré et Pierre Caspar, Dunod 2004

 

 

دينامية الجماعات

 

في الاشتقاق اللغوي:

 

لا يكفي أن تجتمع مجموعة من الأشخاص في مكان ما ليشكلوا جماعة أوتوماتيكيا. فالمسافرون في قاطرة مترو أو الزبناء الذين ينتظرون في قاعة انتظار الطبيب، أو الزملاء الذين يتلاقون في مقصف من أجل تناول وجبة الغذاء، أو الذين ينتظرون الحافلة، لا يشكلون جماعة.

إن لفظ الجماعة (المعني هنا) لفظ جديد في علم الاشتقاق. لقد استعير من إيطاليا، وتحديدا من عالم الفنون الجميلة، حيث كان يعني groppo في القرن السابع عشر، أي يعني "تجميعا لعناصر، أو عينة وجود أو شيئا ما،  ثم ما لبث أن فرض نفسه في الكلام، فصار يفيد" تجمعا لأشخاص"؛ وذلك بعد قرن من الزمن.

يخبرنا تاريخ لفظ "جماعة" في اللغة الفرنسية بأنه حديث الظهور (1668)، اشتق من اللغة الإيطالية. يرتبط اللفظ من حيث الاشتقاق بمعنيين لا ينفصلان عن التأمل في الجماعات هما: التماسك و الاجتماع.

 وهناك من يرى أن لفظ الجماعة من أصل ألماني:Krop، ويعني الحبال أو وضع أوتار، والدولاب والرابط. يمثل الرابط الانشداد وتلاحم الجماعة، وهو يحضر مسبقا في تعريف الجماعة.

 

 

 

في مفهوم الجماعة

 

الجماعة جهاز حي يطور ديناميته الخاصة. تساهم في هذا التطور عدة عناصر كالانتماء للجماعة والأدوار الفردية والتواصل داخل الجماعة.

يلاحظ أن فكرة دينامية الجماعة انبثقت من أعمال- متفرقة في الأصل- تطورت في سياق تاريخي واجتماعي وإيديولوجي مناسب يتمثل في نمو الجمعيات (الأمريكية بالخصوص)، وتطور علم النفس والسوسيولوجيا وظهور العلاج النفسي للجماعة والسايكودرام والسوسيومترية...إلخ. و"دينامية الجماعة" تعبير حديث يعود لكورت لوين عالم النفس الأمريكي ظهر في سنة 1944. فالجماعة في نظره كائن حي يؤثر فيه الأشخاص الذين يشكلونها في بعضهم البعض وفي الجماعة نفسها، وفي علاقتهم بالهدف الذي يجمعهم فتتشكل دينامية ما و تتطور الجماعة؛ وذلك ما يمكن أن نسميه حياتها الداخلية. وتلك الدينامية لا تكون دوما قابلة للإدراك من قبل الجميع.

تساهم عدة عناصر في هذه الدينامية منها:

أولا: إن قبول الفرد في جماعة جديدة مسألة ذات أهمية حيوية لأنه في العادة يكون الأفراد حذرين من بعضهم البعض إلى أن يشعروا بتقبلهم من طرف الآخرين.

ثانيا: يبذل الأشخاص الموجودين في الهامش مجهودات كبيرة ليتقبلهم من في الجماعة. وأما من جهة من يشكلون نواة الجماعة فإنهم يحافظون على مسافة معهم. وبشكل عام يصعب الالتحاق بجماعة مشكلة أصلا.

 

 

 

 دينامية الجماعات

 

دينامية الجماعية هي مجموع الظواهر والميكانيزمات والسيرورات التي تظهر وتتطور داخل جماعات اجتماعية خلال نشاطها؛ ويعني ذلك أن السلوك الفردي يمكنه أن يتغير حسب الارتباطات الحالية أو المستقبلية للأفراد في جماعة سوسيولوجية.

فدينامية الجماعة هي، من بين العلوم الاجتماعية، المجال الذي يهتم بطبيعة الجماعات.  فالنصائح المتعلقة بالانتماء أو التعرف على جماعة يمكنها أن تقود إلى استعدادات مختلفة( معروفة أو مجهولة)، وتأثير جماعة يمكنه أن يصير قويا بسرعة كبيرة، مؤثرا أو مكتسحا للتوترات والأنشطة الفردية. كما يمكن لدينامية الجماعة أن تحدث تغييرات في سلوكات شخص ما؛ فحين يتقدم شخص أمام جماعة فإن نموذجه السلوكي يتغير وفقا لسلوك الجماعة.

تشكل دينامية الجماعة أساس علاج الجماعة. ويمكن لرجال السياسة والتجار أن يستغلوا مبادئ دينامية الجماعة لأهدافهم الخاصة. وقد اتخذت دينامية الجماعات، أكثر فأكثر، مصالح خاصة من واقع التفاعلات التي صارت ممكنة على شبكة الإنترنت.

 

 

 

 

 

 

أنواع الجماعات

 

تعرف الجماعة ميلادها بوجود ثلاث مشاركين. وبمجيئ المشارك الرابع تنكشف ظاهرة الجماعات. هناك أشكال من الجماعات مثل:

أولا: الحشد La foule

يتشكل الحشد من عدد كبير من الأفراد الذين يوجدون في نفس المكان دون أن يرغبوا في ذلك بوضوح، بحيث أن كل واحد منهم يوجد هنا من أجل مصلحته، باحثا عن الإشباع، وفي الآن نفسه يبحث عن تحفيز فردي. لا وجود هنا للتظاهرات المحضرة مسبقا لأن الحشد يتحدد بسايكولوجيا المعية والتزامن.

ثانيا: العصابة La bande

تتميز العصابة بالعدد القليل من الناس بالمقارنة مع الحشد. يجتمع أعضاؤها إراديا وتحدوهم الرغبة في ذلك. فالعصابة ظرفية لأنه يمكن أن تدخل في غيبوبة، ويمكنها أن تستيقظ لتدخل في حوارات متفرقة أو يمكن لأعضائها أن يتفاعلوا أو أن يتخلوا عن الجماعة.

ثالثا: التجمع Le regroupement

التجمع هو اجتماع مصغر أو متوسط أو كبير العدد. للمدة الزمنية التي يجتمع فيها الجمع أهمية مع حضور أهداف ثابتة نسبيا. فالهدف الرئيسي من التجمع هو الإجابة عن مصلحة أعضائه.

 

 

رابعا: الجماعة الأولية أو الجماعة المحصورة العدد (الصغرى) Le groupe primaire ou groupe restreint

 

تتحدد بالعدد المحصور لأعضائها، وحيث لكل عضو من أعضائها تصور خاص به مختلف عن غيره، والتبادلات بين الأعضاء كثيرة وعديدة. ومن جانب ثان تكون لجميع الأعضاء نفس الأهداف. توجد ارتباطات ويوجد تضامن بين الأعضاء خارج الاجتماعات والأعمال المشتركة. كما تعرف هذه الجماعات تشكل علاقات قوية (علاقات عاطفية) بين جماعات صغرى مما يجعل بروز مقاييس وعلامات وطقوس خاصة.

لا يمكن أن تظهر جميع هذه الخصائص في نفس الجماعة. تكون الجماعة الأولية محصورة العدد بشكل عام إلا أنها تتميز بالروابط الشخصية بين أعضائها، روابط حميمية وحارة، ومن جهة العدد يكون للجماعة المحصورة المتكونة (من 3 إلى 13 فردا) بعدا عدديا.

 

خامسا: الجماعة الثانوية أو الجماعة المنظمة Le groupe secondaire ou organisation

 

 وهي الجماعات التي تتبع أهدافا متشابهة أو مكملة. وبالموازاة مع الجماعات الأولية تتكون هذه الجماعة من 25 إلى 50 فردا كما لو كان لها تفرد يستحيل معه التعرف على أي عضو من أعضائها.

 

 

 

 

 

 

 

جدول تركيبي للجماعات:

 

البنينة (درجة التنظيم الداخلي واختلاف الأدوار

المدة

عدد الأفراد

العلاقات بين الأفراد

تأثيرات على الاعتقادات والمقاييس

الوعي بالأهداف

الأنشطة المشتركة

الحشد

ضعيفة جدا

بعض الدقائق في بعض الأيام

كبير

عدوى الانفعالات

الهجوم البطئ على الاعتقادات

ضعيف

لامبالاة أو أفعال شديدة الرعب أو الغضب

العصابة

ضعيفة

بعض الدقائق في بعض الأيام

صغير

البحث عن الشبه

التعزيز

متوسط

تلقائي لكنه كيفما اتفق بالنسبة للجماعة

التجمع

متوسطة

عدد كبير من الأسابيع في عدد من الشهور

صغير أو متوسط أو كبير

علاقات إنسانية سطحية

حفظ أو إبقاء على

ضعيف إلى متوسط

مقاومة سلبية أو فعل محدود

الجماعة الأولية أو المحصورة العدد

مرتفعة

ثلاثة إلى عشر أيام

صغير

علاقات إنسانية غنية

تغيير

مرتفع

مهمة وتلقائية وربما تجديدية

الجماعة الثانوية أو التنظيم

مرتفعة جدا

عدد كبير من الشهور إلى عدد كبير من العقود

متوسط أو كبير

علاقات وظيفية

استقراء بالضغط

ضعيفة إلى مرتفعة

مهمة وعادية ومخطط لها

 

وهناك من الباحثين من يضع تقسيما آخر للجماعات من قبيل ما يلي:

 

أولا: الجماعة الصغرى

تسمى هذه الجماعة بالجماعة المحصورة العدد أو الميكروجماعة. تسمح هذه الجماعة لكل واحد من المشاركين ليكون في وضع وجها لوجه مع أقرانه، وبالدخول في علاقة مباشرة مع كل واحد من أعضاء الجماعة دون المرور بوسيط.

تتكون هذه الجماعة من إثنين إلى إثنى عشر شخصا. وإذا تجاوزت الجماعة هذه الأبعاد تتضاعف الروابط بشكل أساسي (5أشخاص= 10 روابط، 10= 45، 15= 105، 20= 190، 25= 300)؛ وبذلك تتشعب وتتعقد شبكات التواصل إلى درجة تجعل التواصل المباشر مستحيلا فتنقسم الجماعة إلى جماعات صغرى تعيش عتمة الخلط أو الحوارات الذاتية (المنولوغات).

 

ثانيا: الجماعة الكبرى

 

إن الماكروجماعة أو الجماعة الكبرى تستفيد من عوامل تواصلية كثيرة – الرئيس، المدير، المنشط، القيادة العامة، المناديب، الكتاب، الناطق الرسمي للجماعات الصغرى، وآخرون- تفرز التعارض، بالضرورة، بين الأعضاء الذين يدبرون التبادلات. فالجماعات الكبرى تكون في غالب الأحيان خاضعة لقوانين أو لقانون إجراءات يقنن التدخلات.

كما نجد تقسيما آخر للجماعات يقسمها إلى جماعات تلقائية وجماعات مؤسساتية أو جماعات مبنينة.

 

أولا: الجماعة التلقائية

 

تسمى هذه الجماعة بالجماعة الطبيعة. تنشأ الجماعة التلقائية بشكل مفاجئ أو اعتباطي أو مجاني، أو برغبة من الأعضاء أنفسهم.

 

ثانيا: الجماعة المؤسساتية أو المبنينة

 

يتحدد خلق أو منع جماعة مؤسساتية أو مبنينة بالقوانين أو هرمية المؤسسة سواء استلهم ذلك هرميا أو لم يستلهم، أو أن الجماعة ستكون دائمة أو مرحلية أو مناسباتية: مجلس التوجيه، جماعة القيادة...إلخ. فمثل هذه الجماعات يتم خلقها تبعا للتراتبية أو أن التراتبية هي التي تزيلها؛ فهي جماعات رسمية. وفي مثل هذه الجماعات يحتل العضو دوما وبشكل مسبق دورا رفيعا: الرئيس، المنسق، المسؤول عن الجماعة أمام مسؤولين أعلى منه درجة.

 

تاريخ الجماعات

 

نجد سواء في كتاب الجمهورية لأفلاطون أو السياسة لأرسطو مجموعة من الفرضيات والتحاليل ذات درجة عالية من الدقة تتعلق بالظواهر الجماعية وبنياتها وتحولاتها. ورغم ذلك ليس هناك من داع للشك في كون دراسة الجماعات والعلاقات الإنسانية لم تأخذ خاصية إيجابية وتجريبية إلا في بداية القرن العشرين. فإلى حدود هذه المرحلة كانت المؤلفات المخصصة لهذا المجال ذات طابع "نظري" أو ذات طابع "اليوتوبيات الخيالية". وكان بعضها يعكس خاصية عقلانية صلبة، وكانت مؤلفات أخرى تستلهما الرغبة والهوى، وحضور نزوعات جنسية أو حسية أو فوضوية أو جماعاتية.

هناك تياران كبيران علميان استفاضا في دراسة الجماعات الإنسانية الصغرى. طبق التيار الأول نموذحا مستجلبا من العلوم الفيزيائية، وتحديدا من المجال الكهرمغناطيسي، فحدد الجماعة كحقل للقوى تمارس داخل منطقة حرة مهملة من طرف المؤسسات الاجتماعية. وإن تصرف الجماعة هو نتيجة توليف تلك القوى حسب القوانين.

وعلى المستوى النفسي فإن مبدع هذا المفهوم (أي دينامية الجماعة) هو كورت لوين الذي استطاع أن يستنبط من النظرية العامة للحقل بعض القوانين الخاصة، مثل: كل جماعة تعمل حسب توازن ما قد يكون ثابتا ومقاوما لكل تغيير، بالإضافة إلى وجود متغيرات تحوم حول هذا التوازن.

لقد مكن هذا النموذح الطبيعي لكورت لوين من الإدارة، في المختبر، تجارب على مجموعات اصطناعية تقر بوجود تلك القوانين. ولكنه قبل وفاته تخلى، إلى حد ما، عن هذا النموذج لمحدوديته. ورغم شغف أتباعه وتنوع استغلالهم لأبحاثه النظرية والعملية لم يطرح أي نموذج تجريبي جديد منذ ذلك الحين. وفي المقابل فإن طرق التكوين "بالمجموعات" التي ظهرت، فيما بعد، انتشرت كلها في الغرب.

وأما التيار الثاني في دينامية الجماعات فيستلهم التحليل النفسي. لقد سبق لسغموند فرويد أن بين بأن تماسك جماعة ما يتأتى بفضل تماثل أعضائها حول نفس " نموذج الأنا". وكان من ممثلي هذا التيار في بريطانيا الكبرى ملاني كلاين، حيث الجماعة لها بعدان؛ بعد عصابي (névrose) وآخر ذهاني (psychotique). تطور الجماعة المسيرة، على سبيل المثال، عند أعضائها استعداد تجاه السلطة، بينما تنتج الوضعية غير المدبرة رفضا أكثر بدائية، ما قبل أوديبي، مصحوبا بهموم مجزأة وبالاضطهاد و الانهيار، وهي أمور خفية في كل جماعة.

إن الإحالة على التحليل النفسي يكشف عن منهج إكلينيكي وليس عن منهج تجريبي. كما أن أسلوب التطبيقات يختلف عن النموذج السابق. وكان اهتمام تلاميذ لوين منصبا على تحسين النجاعة الفردية والاجتماعية عن طريق الجماعة الصغرى. وفيما يهم النزعة التحليلة-نفسية فالجماعة ليست سوى وسيلة بغاية تحقيق تواصل حقيقي بين الأشخاص والسماح لهم بالعيش تجربة حالات وسيرورات نفسية "بدائية".

مقاربات دينامية الجماعات

 

هناك عدة مقاربات لدينامية الجماعات منها:

1- المقاربة الدينامية (لوين، لبيت، ويت)

● الجماعة ليست ركاما من الأفراد، بل هي مجموعة من الأشخاص المستقلين.

● نقترب من تصرف الفرد أو جماعة في "حقلها"، في محيطها "النفسي".

● لا يحتوي الحقل على الأعضاء فقط، وإنما يحتوي أهدافهم وأفعالهم- أنشطتهم و مواردهم ومقاييسهم.

● الحقل دينامي (لفظ يعود للفيزياء، حيث نلاحظ الإحصائيات ودينامية النسق).

● الجماعة نسق من القوى في توازن، قوى إيجابية أو سلبية، يتناسب ولعب الرغبات والدفاعات. تعمل هذه القوى على تنشيط الجماعة أو منعها من النشاط.

● حينما ينقطع التوازن نجد توترا لدى الفرد أو الجماعة، وتميل سلوكات كل منها إلى إعادة توازن ما.

● يمكننا إدراك التغيير كبحث عن توازن جديد انطلاقا من القطيعة السابقة. من السهل جدا إقناع مقاومي التغيير في الجماعة.

●  المقاربة التجريبية تعود للمختبر لا للميدان.

 

2- المقاربة التفاعلية (باليس هومانس، مورينو)

● نبحث عن الملاحظة المباشرة الأوتوماتيكية لسيرورات التفاعل بين الأفراد.

● دون إدخال متغيرات تتلاءم ورغبة الباحثين.

● نقوم بملاحظة مسلحة بتسجيلات مستمرة لسيرورات طبيعية تحدث في الجماعة.

● يتعلق الأمر بوضع مقاييس و رسم نظام من التصنيفات؛ أراد باليس اختصار المضمون الاختباري للعلاقات الإنسانية إلى إثنى عشرة مقياسا.

● يتعلق الأمر كذلك بتحليل الدينامية التي تحدث المرور من صنف إلى آخر.

● كل جماعة تريد حل مشكل تمر من هذه المراحل التي صارت مقاييس سيروراتية.

● بإمكاننا تحديد مواصفة تفاعل الأعضاء.

 

3- المقاربة التحليلنفسية (بيون، أنزيو، فرويد، كلاين، باجيس)

 

هناك مستويان وظيفيان في الجماعة:

● مستوى المهام (عقلانية، واعية أو شعورية).

● مستوى الانفعالات (الاعقلاني، دوما لاشعوري، يهيمن عليه الاستيهام).

● توازي الجماعة والحلم؛ فمن أجل تفادي الضيق النفسي الذي قد تحدثه وضعية الجماعة يتوهم الأفراد جماعة مثالية.

كل علاقة مع الغير ذات طبيعة عاطفية تتطور بين:

● الرغبة؛ أي البحث عن موضوع تكميلي نتمنى تملكه.

● التقمص؛ أي متابعة ما نرغب في أن نكون عليه: مثال الأنا.

إن هذا التوليف للمتجهات العاطفية يشكل لحمة الروابط الجمعية.

● هناك نشاط دائم للمؤثرات الأولية؛ فنفس الموضوع قد يكون في نفس الآن جيدا وقبيحا بالنسبة للفرد والجماعة.

● تنجم الكآبة وينجم الاستيهام عن الخوف من الذوبان في الآخرين.

يوجد رابط إيجابي أصلي:

● ينجم عن تجربة عزلة متقاسمة.

● يبحث عن الإجابة عن كآبة التخلي المشتركة.

 

 

 

4- المقاربة السسيولوجية (موسكوفيسي، تاجفيل، أولمستيد)

 

● تعطى الأهمية للسياق الاجتماعي.

● لا يختصر الاجتماعي في البينفردي؛ إذ يجب الأخذ بعين الاعتبار العلاقات بين الجماعات وتراتبية العلاقات الاجتماعية.

● ما يحدث في الجماعة يحدث بفضل حتميات البنية الاجتماعية في مجموعة.

 

5- المقاربة الاجتماعية التحليلية (لابساد)

 

● المقاربة الاجتماعية التحليلية رد فعل على المقاربة الأمريكية.

● تستلهم الفوضوية.

● يتمثل دورها في جعل الجماعة تقنية للهدم الداخلي للمؤسسات الاجتماعية المتخاصم بشأنها؛ وذلك بغاية إقامة تدبير ذاتي.

 

 

 

 

 

 

 

 

الهدف المشترك

 

رغم تعدد المقاربات هناك تصور تشترك فيه جميع المقاربات هو الهدف المشترك للجماعات.

إن حضور هدف ينظر إليه كهدف مشترك هو الخاصية الأولى للجماعة. يعبأ جميع أفراد هذه الجماعات برؤية واعية مشتركة. كما يمكنهم أن يختلفوا حول مسائل خاصة بالطرق والاستراتيجيا والآجال، لكن الجميع يعطي قيمة للهدف المشترك ويبحث عن بلوغ نفس النتائج في الآجال المحددة عادة.

ففي اللحظة التي يتقاسم فيها جميع المشاركين هذا الهدف واقعيا وفي إطار من الإقناع- مع إدماج أهدافهم الشخصية أو قبولهم الصريح بوضعها جانبا- يتم المرور من مجموع الأفراد إلى جماعة حقيقية.

 

 ظواهر الجماعة

 

أ- السلطة

تسمح دراسة ميكانيزمات السلطة في الجماعات الطبيعية والجماعات التجريبية باستخلاص بأن السلطة محايثة للجماعة؛ فالجماعة هي التي تحوزها والسلطة تفوض لبعض الأفراد مؤقتا.

تشبه الجماعة نسقا مغلقا فهي تحت تأثير التوترات (العلاقات البينشخصية مثلا). ومن أجل تجاوزها ستوظف "طاقتها" الخاصة (الكفايات...) من خلال نوعين من الأنشطة كالأنشطة المرتبطة بإنتاج الجماعة (أي الأنشطة التي من خلالها تبلغ الأهداف المحددة)، والأنشطة المرتبطة "بالمقابلة" (أي تلك الأنشطة التي تسمح بالتحكم والانسجام). ووفق نوع النشاط المفضل ستكون الجماعة أكثر نشاطا (مثل جماعة المشروع) أو اجتماعية (مثلا جماعة مدعوة لتناول وجبة) أو احتفال (مثلا جماعة قدماء المحاربين).

والملاحظ أن هذه الأنشطة تترجم كلها بقرارات الجماعة.ولتجاوز الصراعات (الشكلية والمتنوعة) التي تعرقل ميكانيزم اتخاذ القرار يمكن القيام بما يلي:

1- جرد أولي عميق لحاجات الجماعة وحاجات أعضائها، وللموارد المتوفرة للجماعة، ولمختلف الإمكانيات، أخذا بعين الاعتبار الإكراهات.

2- البحث عن التوافق.

يعتبر قرار الجماعة واحدا من بين الوسائل لتلافي ظواهر مقاومة التغيير. وإن طريقة منسجمة متماسكة تفترض، من جهة أولى، الاتفاق على مقاييس وظائفية أطر الإحالة الخاصة بالجماعة (ملاءمتها ومطابقتها مع حياة الجماعة). ومن جانب ثان، تكوين، أثناء عمل مجموعة العمل، كل من يشارك في إنجاز القرارات.

 

ب- التواصل

 

أخذا بأهمية التواصل في أخذ القرار والعلاقات بين الأعضاء، فإنه من الضروري بأن تنظم الجماعة تواصلات ناجعة ومقنعة.

ففيما يخص الباحثين المرتبطين بالتيار السبيرنطيقي فإن سيرورة التواصل تتكون من عناصر صورية: مرسل ومتلق ورسالة وسنن و قناة. والوظيفة المادية الجيدة لهذه السيرورة تفضي إلى تواصل فعال.

تابع منظرون مثل أبرهام مولس في فرنسا المقاربة السبيرنطيقية. فدراسة بعض العناصر السايكو-اجتماعية كالشخصية ودور ووضع الأفراد...إلخ تسمح بإعطاء معنى لتحليل سيرورة التواصل. يكون التواصل فعالا حين يكون متكيفا مع الوضعية التي يجري فيها التواصل. إنه لمن الضروري التحديد وتجاوز العراقيل: الصياغة، السياق، الفهم، الاستعداد، التأويل...إلخ، لهذا السبب درس كثير من الباحثين شبكات التواصل والتعاون داخل الجماعات الصغرى (تحديدا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى سنوات السبعينيات من القرن الماضي، وهم: ألكس بافيلاس، ه. لايفت، س. فلامونت...إلخ). وكان هدفهم الرئيسي هو تحديد البنية الأكثر فعالية، أخذا بعين الاعتبار الإكراهات وطبيعة المهمة الواجب القيام بها من طرف الجماعة (إنتاج خدمة، حل مشكلة، أخذ قرار...إلخ).

 

ج- التفاعل

 

 تعود التفاعلات داخل الجماعات إلى بعض الدينامية، حيث نجد بعض الثقافة وبنية مهيمنة، ووجودا خاصا ومناخا عاطفيا يتعلق بالجماعة الأولية خاصة.ويحدث التفاعل كالآتي:

أولا: التفاعلات اللفظية وغير اللفظية.

ثانيا: البنية غير الصورية المنعكسة في سيرورات التفاعل: مجموعات صغرى، زعيم، مهمشون، تراتبية صورية.

ثالثا: المقاييس ( قواعد السلوك، قانون القيم).

رابعا: التحفيزات وأهداف مشتركة.

خامسا: الشخصية الجماعية.

يمكننا تحليل حياة الجماعة وفق ثلاثة مستويات هي:

 

 

 ظواهر التفاعل:

 

 هي سيرورات التفاعل التي تجري داخل الجماعة، وهذه السيرورات هي التي تخلق شبكات التوافقات، وشبكات التواصل، وميكانيزمات التفاعل والترابطات، وتشمل.

1- موقع الجماعة في المجتمع (القوانين، الموقع السسيو-ثقافي، السن).

2- طريقة التكوين: تلقائية أو منظمة.

3- تكوين الجماعة: منسجم أو متنافر.

4- حاجات الجماعة: جماعية أو فردية.

5- الأهداف: مربحة أو مجانية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تمارين:

 

الموضوع:

إن الخاصية الأولى للجماعة هي وجود هدف مشترك يجمعها بمستويات متعددة ووفق نماذج متنوعة ومتقاربة أو متباعدة الهدف. يعبأ جميع أفراد هذه الجماعات من خلال رؤية مشتركة يكونون على وعي بها. ومع ذلك يمكنهم أن يختلفوا حول مسائل خاصة بالطريقة والاستراتيجيا والآجال المحددة، على أن الجميع يعطي قيمة للهدف المشترك، ويبحث عن بلوغ نفس النتائج في نفس الآجال.

ففي اللحظة التي يتقاسم فيها جميع المشاركين هذا الهدف وقعيا، وفي إطار من الإقناع، مع إدماج أهدافهم الشخصية أو قبولهم الصريح للتخلي عنها مؤقتا، يتم الانتقال من مجموعة أفراد إلى جماعة حقيقية.

 

Jean-Marie Auby, Dynamique des groupes, Ed. de l’homme, Québec, 1994 p 14

الأسئلة:

1. قارن بين جماعة القسم وجماعات أخرى؟

2. تنشط الجماعة بتقنيات متعددة اذكر هذه التقنيات وأعط مثالا عن تقنيتين في التنشيط

3. تركز بعض النظريات المعرفية الحديثة على دينامية الجماعة في التعلم وضح ذلك

الامتحانات المهنية، دورة دجنبر 2006

الدرجة الثانية من إطار المعلمين

 

 

مراجع دينامية الجماعات

 

ملاحظة:

 

إن المقال المنشور هنا تركيب لنصوص متنوعة لمؤلفين متعددين عملنا على جمعها وترجمتها إلى اللغة العربية وستصدر في كتاب مستقل عن دار الحرف بالقنيطرة. ولتعميم الفائدة نحيل القارئ على أصولها.

Anzieu D. et Al., La dynamique des groupes restreints, Ed. PUF, Paris, 1968

Claude Pigott, http://www.spp.asso.fr/main/Extension/Item/03_psy_groupale.htm

http : //www.cnam.fr/lipsor/dso/articles/fiche/dynamique_desgroupes_doc  

http://www.animationbiblique.org

http://www.callisto.si.ushab.ca.8080/ses120/notesdecours.htm#approche

http://www.crcom.ac-versailles.fr

http://www.Psycho-Ressources.com

Jean Maisonneuve, La dynamique des groupes, coll. Que sais-je ?1984 p 3.

Jean Michel Motta, www.cadredesante.com

Jean-Marie Auby, Dynamiquess des groupes, ed. de l’homme. Québec. 3eme, ed, 1994

Pierre de Visscher, Us, avatars et métamorphoses de la dynamique des groupes

Richard Meyer, www.hol-anthrop-inux.org

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

سوسيولوجيا التربية

 

- قضايا في سوسيولوجيا التربية-

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تقديم

 

متى ظهرت سوسيولوجيا التربية؟ وكيف ظهرت؟ وما الحاجة إلى ظهورها؟ وما الدواعي المعرفية والإبستمولوجية التي كانت وراءهها؟...إلخ.

للإجابة على مجمل هذه الأسئلة وغيرها حاول معجم الفكر السوسيولوجي الصادر عن دار بيف بفرنسا رصد مجمل الأسباب المعرفية والإيديولوجية والتاريخية والإبستمولوجية التي كانت وراء ظهور سوسيولوجيا التربية. فقد جاء في هذا المعجم أن الحركة الواسعة لتحديث المجتمعات الغربية التي تتابعت خلال القرن العشرين بتطوراتها العلمية والاقتصادية والاجتماعية قد خلقت حاجات جديدة ومنحت إمكانا إنسانيا للتربية، وكانت مجمل القضايا في التربية تدور حول قضيتين رئيسيتين من صلب اهتمام سوسيولوجيا التربية المعاصرة هما انتشار التمدرس واللامساواة الاجتماعية أمام المدرسة.

تمثل سوسيولوجيا التربية المقاربة العلمية للتربية من حيث أنها ظاهرة اجتماعية. فكان أول مجال لدراسات سوسيولوجية التربية هو الدراسة الموضوعية والمقارنة للأنظمة الاجتماعية: العلاقات التربوية، الأدوار التربوية، الجماعات التربوية في مختلف المجتمعات. فالتربية كتجريد مؤسساتي مثل الأسرة والسياسية أو الدين ليست ظاهرة مستقلة اجتماعيا.

لقد جعل سوسيولوجيو التربية من المدرسة ميدانا متميزا للبحث في بنية و وظيفة الأنساق الاجتماعية الصغرى (أنساق الأدوار، العلاقات، القوانين، ...). وقد تضاعف كل ذلك مع استحضار الجانب السوسيو-سياسي.

هناك من يرى بأن تطور سوسيولوجيا التربية ارتبط بعامل الاستجابة للمشاكل النوعية التي طرحها تطور المؤسسة المدرسية.

ومن جانبهما عملتا الباحثتان، مارلين كاكولت وفرانسواز أوفرارد، في كتابيهما المعنون بسوسيولوجية التربية على شرح أسباب ظهور سوسيولوجيا التربية، في الستينيات من القرن الماضي، بردهما هذا الظهور والتطور والغنى النظري الذي تتميز به سوسيولوجيا التربية إلى التحولات التي أصابت النظام التربوي، كل ذلك مقرونا بالنقاشات الاجتماعية حول المدرسة.

لقد عرفت سنوات الستينيات من القرن الماضي نقاشا حول تعميم التمدرس وتكافؤ الفرص في نظام تعلمي مبني على الانتقاء مدرسيا واجتماعيا. وخلال فترة الثمانينيات من نفس القرن تركزت اهتمامات سوسيولوجيا التريبة على النظام التربوي ذاته وحول شروط التعليم، وبذلك تكون سوسيولوجيا التربية قد انتقلت من البحث في القوانين العامة لعلاقة النظام التربوي بالمجتمع في شموليته إلى دراسة مركوسكوبية للنظام التربوي محليا.

 

قضايا سوسيولوجيا التربية:

 

أولا: المدرسة والسياسية

هل المؤسسة المدرسية مستقلة، وبالتعبير الصحيح هل النظام التربوي مستقل عن السياسة الرسمية؟ هل المدرسة محايدة حتى في الأنظمة السياسية القائمة على المنافسة الديمقراطية: الإنتحابات أم أن استقلالية المدرسو حيادها وهم؟

يرى محمد الشرقاوي أنه أصبح من البديهي تأثير السياسيفي التربوي، في المجتمعات المعاصرة، بسبب الرقابة أو التحكم الذي تفرضه الدولة أو بعض جماعات الضغط على الموارد المالية والبشرية وعلى تقسيمها وكذا على إنجاز المناهج المدرسية من طرف لجن منتخبة من طرف الحكومة أو المنظمات المهنية.فالدولة تحتكر القطاع التعليمي في المجتمعات المعاصرة.

فالمدرسة فاعل في السياسة الاجتماعية، وهي قادرة على ترسيخ الأحاسيس والمواقف تجاه النظام السياسي لدى الأفراد (التنشئة الاجتماعية).من غير المستبعد في نظر الباحث محمد الشرقاوي أن يكون التعليم ذا طابع معرفي صرفا إذا ما اقتصر على نقل بسيط لمعارف متعلقة بهذا النظام، غير أنه سيصبح عاطفيا عندما يقود الأفراد إلى تطوير مواقف إيجابية أو سلبية تجاه النظام الحاكم.

للاستفاضة في هذا الجانب يورد الباحث فرضيتين هما:

 * الفرضية الأولى ترى أن النظام التربوي المبني بطريقة منهجية وعقلانية يصبح قادرا على إنتاج أفراد مبرمجين على التصرف حسب القيم و البنى المكتسبة. والأنظمة الكليانية تتبنى هذا الاعتقاد وتحاول تطبيقه.

 * الفرضية الثانية ترى أن الأهداف التي تضعها الأنطمة السياسية للمؤسسة المدرسية هي أهداف غير ذات أهمية نظرا لمكانة المتواضعة التي تحتلها المدرسة في المجتمعات.

ليوضح الباحث الفرضية الأولى رام دراسة علاقة الإيديولوجية الهيتلرية بالمدرسة، مستندا إلى كتاب هتلر "كفاحي" ونصوص بعض المتطرفين النازيين مثل كيرك أو بوملر.

ترتكز البيداغوجية النازية على المبدأ العرقي للشعب الألماني، حيث الدولة تشكل الإطار التاريخي والوارثي، وهي القاعدة التي ينبني عليها التعليم، وهدفها هو تكوين فرد يتميزب البطولة.

هكذا تحث الإيديولوجيا النازية المربين على تكوين إنسان جديد ذي جوهر عسكري. و من هنا تصبح المدرسة في الدرجة الثانية مجرد ملحقة بمختلف مكوناتها للحزب النازي. وتتمثل فعالية  الحزب في إيجاد تلاقح بينه وبين المدرسة، أي ملء الهوة التي تفصل النخب عن الشعب. وبذلك ينقلب الفيلق، بل يصبح مكانا للتكوين على الوطنية، وينقلب رئيس الفيلق ليصبح معلما ملحقا.

ويستخلص الباحث أن هناك تغلغلا اجتماعيا وسياسيا في النظام التربوي لإزالة وهم حياة التربية وبراءتها لأن الطبقة الحاكمة تقوم بضبط النظام التربوي للمحافظة أو الزيادة في امتيازاتها وسلطتها داخل المجتمع.

 

ثانيا: التربية والأمية

يحلل الباحث محمد الشرقاوي الفرضية القائلة بأن التربية تساهم في الإدماج السياسي للأفراد. فالأنظمة التربوية المركزة بيد الدولة تساهم بقوة في تشكيل الهوية الوطنية، وذلك من خلال إزالة الجهويات تدريجيا في الدول المقسمة أو من خلال إدماج أبناء المهاجرين والأقليات الإثنية في الجماعة. إن منحى التحديث أي الانتقال من مجتمع بسيط إلى آخر معقد، و تفعيل الديموقراطية والتواصل بين النخب السياسية والشعب يتطلب محو الأمية وضرورة أن يضبط المواطنون على أسس وقواعد التربية (وظيفة التنشئة).

تعتبر الأمية عائقا أمام كل تطور. والملاحظ أن الدول المختلفة تعرف ارتفاعا شديدا في معدلات الأمية.

 

 

إن التعليم ومحو الأمية له نتائج ثقافية وسياسية مهمة، ففي المجتمعات الشفهية المحضة تعتبر فرص اكتساب ونقل المعرفة نادرة جدا، والإكراهات التي تدفع إلى الإنصهار، والتحول السلبي لكل قوانينه وقواعده كثيرة وعديدة أكثر من مجتمعات الكتابة.

في مجتمعات الأمية، وجتماعات بلا كتابة، وخارج الإرث المادي، تحمل كل التقاليد والعادات في الذاكرة، وتناقل المعلومات يتم عبر محادثات بين أفراد المجموعة في وضعية وجها لوجه. هكذا يتسلل النسيان إلى الذاكرة الجمعية فيحصل نوع من فقدان الذاكرة على المستوى البنيوي، فيكون الفرد في مواجهة خيارين إما التقليد الثقافي أو العزلة.

وعلى عكس ذلك نجد في مجتمعات الكتابة أن القراءة والكتابة هي أنشطة جد وحدوية ( تحقق الوحدة). تمكن الكتابة من المحافظة على المعلومات ومراكمة المعارف...إلخ. و علاوة على تكديس المعلومات، تحاول الكتابة المرور من السمعي إلى البصري مما يجعل الفحص النقدي للعمل والكلمات ممكنا، بالإضافة إلى التحكم السهل فيها.

تمكن الكتابة من تفريق بين الكلمات فيما بينها، وتنظيمها وتطوير الصور. وهكذا فإنه من السهولة بمكان ملاحظة التناقضات في نص مكتوب أكثر من ملاحظتها في خطاب شخصي لأنه بالكتابة يتجزأ "المد" الشفهي وتفحص المنطوقات في أوقات وأماكن مختلفة، دون أن نغفل الانعكاسات السياسية والاجتماعية الأساسية للمكتوب.

 

ثالثا: الانفجار الديمغرافي والمطالبة بتعميم التمدرس

إذا ما حاولنا، في نظر محمد الشرقاوي،  ترتيب المشاكل التي يواجهها أصحاب سوسيولوجيا التربية حسب الأهمية فإننا سنضع أولا توسيع النظام التعليمي كقضية حضيت بالدراسات الكثيرة. فهذا التوسع شامل ودولي. ومهما اختلف مستوى تطور الدول فإن جميع الدول قامت بتجربة لم يسبق لها مثيل في ما يخص تغيير الديمغرافية المدرسية.

تؤكد نشرات اليونيسكو الإحصائية على ارتفاع عدد المسجلين بالمؤسسات التعليمية في الابتدائي والثانوي والعالي، و يبقى التساؤل مطروحا: هل هذا التطور والارتفاع في نسب الملتحقين بالنظام التعليمي يتبع نفس المنحنى أو أنه يتغير ويتنوع حسب الدول والمجموعات السياسية والاقتصادية؟.

إن تطور أعداد التلاميذ نشأ عن عدد كبير من العوامل التي يجب توضيحها في نظر الباحث محمد الشرقاوي.

إن تحليل المعطيات المفسرة لتوسع الأنظمة التعليمية يتم حسب نموذجين هما النموذج الأسي exporentiel والنموذج اللوحيستيكي من جهة، ومن جهة ثانية تحاول بعض النظريات تفسير انتشار الأنظمة التعليمية بالدور المؤثر للدولة أو أكثر تعميما بالمتغيرات السياسية.فالإشراك السياسي للمواطن يستلزم حد أدنى من التربية؛ وبذلك تصبح التربية آلية مساهمة بفعالية في الاندماج الوطني خصوصا عندما يتعلق الأمر بالدولة . ثم إن الحصول على الشهادات يسمح بدخول الأفراد أو المجموعات في المنافسة من أجل الأماكن المحدثة، وهذا الأمر يحدث، خاصة، في الدول الحديثة العهد بالاستقلال.

يستنتج الباحث أن المجتمعات غير المستقلة تشهد ارتفاعا بطيئا أو أقل حدة بالنسبة لأعداد المتمدرسين مقارنة بالدول المستقلة .

وفي الأخير فإن تطور قدرة أو قوة الدولة التي إحدى مميزاتها الأساسية هي المركزية ستكون مرتبطة بتوسع الأنظمة التعليمية . وبهذا الاحتكار التدريجي للتربية سوف تقلص الدولة من استقلالية النظام المدرسي.

هناك عوامل أخرى ساهمت في انتشار التمدرس منها علاقة التربية بالتطور الاقتصادي وسوق الشغل و المستوى الثقافي للفرد له علاقة بالمدخول و نمو الانتاج وعلاقته بالتربية.

 

رابعا: التنشئة الاجتماعية

 

يعود مفهوم التنشئة الاجتماعية في الأصل إلى السوسيولوجي الفرنسي إميل دوركايم. لا شك مفهوم التنشئة الاجتماعية  كان حاضرا في الأدبيات الاجتماعية الالمانية في أواخر القرن 19 – لدى زيمل خاصة – إلا أنه لم يكن موضوع تأطير داخل نسق نظري كما هو الحال في كتابات عالم الاجتماع الفرنسي، بل وأكثر من ذلك فإن الفكرة التي مفادها أن المدرسة أصبحت عامل تنشئة بامتياز في المجتمعات الحديثة هي نتاج الفكر الدوركايمي.

يفسر دوركايم بأن المدرسة إذا كانت تكتسب شيئا فشيئا الأهمية في نشر الثقافة والتمايز الاجتماعي فإن ذلك راجع إلى أفول المؤسسات التقليدية كالدين والأسرة . تعني التنشئة الاجتماعية التغيير، وعلى المستوى المثالي هي تحويل شخص من كائن غير اجتماعي إلى كائن اجتماعي بتلقينه أنساق تفكير ومعتقدات وتقاليد وقيم أخلاقية مهنية أو طبقية حيث البعض منها غير قابل للمراجعة، وأخرى، على العكس من ذلك، تتغير تبعا للتجارب المكتسبة والحالة المعيشة للفرد أو الأسرة.

يفترض هذا التعريف للتنشئة الاجتماعية الماقبل والمابعد في تاريخ الأفراد، وأسبقية الاجتماعي على الفردي، وممارسة الاكراهات وتوزيع السلطة. وأخير حضور بعض الأهداف كإدماج الأفراد في المجموعات الإيديولوجية أو المعرفية.

إن هذا التعريف لا يقصي لا مقاومة ولا فشل المراقبة الاجتماعية للافراد من طرف المؤسسة المدرسية؛ ولهذا يرتبط هذا التعريف بالانتقاء. فالتنشئة الاجتماعية والانتقاء هما وجهان لواقع واحد. ما هي خطوطهما العريضة؟ وكيف يتغيران بتغيير الشرائح الاجتماعية والمدرسية والمشاريع الفردية وإلى أي حد تؤثر التنشئة في النجاح المدرسي؟...إلخ.

 

 

 

خامسا: الانتقاء

 

كل مؤسسة كيف ماكانت، في نظر الباحث محمد الشرقاوي، هي، في نفس الوقت، مؤسسة للانتقاء وإوالية توحيد، مثلا تنقل الأسرة إلى أبنائها إرثها الجينيتيكي والاجتماعي والثقافي.

فكل مجموعة تمييزها علاقات حميمية وشعور بالتماسك بين الأفراد والتكافل القوي وتجانس ثقافي كبير للمعايير والقيم المشتركة بين الأفراد المكونة لها هي إذن مجموعة أولية بامتياز وهكذا فهي توحد، إلا أنها تعطي مكانة خاصة لبعض الأفراد حسب الصحة والجنس ومكانتهم بين إخوتهم. وبإيجاز فالأسرة هي عامل انتقاء.

وإذا كان التناقض ينخر عظام الجماعة الأولية بامتياز فليس من المدهش أن نلاحظه في الجماعة الثانوية كالمدرسة.

توحد المدرسة عن طريق التنشئة الاجتماعية وتفرق من خلال الانتقاء وباعتبارها توسط أخلاقي منظم على حد تعبير دوركايم فإنها تصقل هوية التلميذ بطريقتين؛ من جهة أولى، بتقليد بشكل جماعي وبدون تمايز مجموعة من الأفكار والسلوكات والقيم المشتركة ، ومن جهة أخرى من خلال محاولة تحويل الفرد وأنساق تفكيره و وجهة نظره جذريا في الحياة. إذن، فالتنشئة الاجتماعية تعني نشر المضامين كما هي تجسيد للبنيات.

من بين وظائف المدرسة، في نظر باحثنا، خلق النظام أو على الأقل المساهمة فيه مع باقي المؤسسات الأخرى. وزيادة على ذلك فهي تفترض بأن الفرد هو في نفس الوقت سلبي وقابل للتغيير كقطعة شمع.

يرى بعض علماء الاجتماع والسياسة أن القيم لا ترتبط بأية إرادة خاصة وبفضل نشرهم هاته القيم يحصل التوافق الاجتماعي، وحسب البعض الآخر فإن النظام مفروض من طرف جماعات مهيمنة.

نلاحظ وجود علاقات بين نوع التنشئة الاجتماعية والبنية الاجتماعية. يتفق مجموعة من علماء الاجتماع والمؤرخون على ميلاده هذا البعد الأساسي في التنشئة الاجتماعية في أواخر القرن 15م، وانطلاقا من هذا التاريخ لم يعد يتحدد الفرد من خلال علاقته مع مجموعة أو نظام مثلا، فهو قائم بذاته على الاقل في الجانب التطبيقي، وفي نسق من التمثلات لبعض الطبقات الاجتماعية، وفي هذا المنظور نلاحظ تشابها كبيرا بين التنشئة الاجتماعية الأسرية والتنشئة الاجتماعية المدرسية ومن جهة أخرى نلاحظ تواجد علاقة عضوية بين هاتين التنشئتين وتطور المجتمع الرأسمالي.

ففي المجال التربوي تصبح المناقشة الإطار السائد في العلاقات بين الأفراد لهذا نرى نظام الجوائز والمباريات داخل المؤسسات التربوية، وبذلك تترجم المدرسة القواعد التي يقوم بها المجتمع وتتمم هوية الفرد، لكنها إذا كانت توحد من خلال ترسيخ النظام التعبيري فهي تفرق من خلال الانتقاء.

إن المدرسة تفرق وتذيع النظام الآلي الذي يعتمد على مجموعة من الظواهر والوسائل التطبيقية من أجل اكتساب كفايات علمية وتقنية وأدبية.

إن هذا النظام ينتمي إلى مجال القياس أي قياس مدى التمكن من المعرفة ومهارة الإنجاز من خلال مناهج موضوعية. إن هذه العملية تقود إلى تراتبية الأفراد.

إن التراتبية داخل الفصل الدراسي مرتبطة ومقيدة بالمميزات النفسية والاجتماعية كالسن والجنس أو الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها التلميذ، فكلما ركزنا على النظام الآلي كليا انخفضت أهمية النظام التعبيري والعكس صحيح وكلما اهتمت الثقافة المدرسية بالاختبارات وشغلت آلية التوزيع والانتقاء كلما انخفضت قدرة القيم التوافقية.

تتغير هذه العلاقة من الحضانة إلى الجامعة، كما أن التحولات التي تعرفها لا تتيح بالضرورة التطور الخطي، وهكذا يهيمن في المدرسة الابتدائية النظام الآلي بشكل كبير في دروس أكثر من الأقسام التحضيرية، وفي دروس المتوسط الثاني أكثر مما هو مهيمن في دروس الأقسام الأساسية.

إن الشعور بالانتماء لجماعة مدرسية والإحساس بالوفاء اتجاهها هو أكثر حدث داخل بعض الفصول المدرسية حيث الانقسامات والاختلافات تقريبا غائبة على عكس فصول أخرى حيث التراتبيات واضحة للجميع.

 

سادسا: المعرفة المدرسية

 

يبدو لنا الأمر متناقضا اذ ما قمنا بربط الانقسامات المدرسية، في نظر الباحث محمد الشرقاوي، بالمعرفة التي ليست في الظاهر سوى ترجمة للكتب و المعارف الموضوعية. لكن تبقى المسلمة الضمنية التي من خلالها تصبح المعرفة التي تنشرها المدرسة محايدة لكنها تؤدي إلى تراتبية التلاميذ. فمند عقدين زمنيين، فقط، قطع البحث السوسيولوجي الصلة مع هذه الفرضية وأضحى يحلل المعرفة المدرسية كتنظيم وكسيرورة للاندماج الاجتماعي والفكري، وكرهان للصرعات بين المجموعات.

إن المعارف المنشورة من طرف المدرسة هي مدروسة سواء كنظام مستقل عن السلطة والسياسة ومجموعات الضغط أو الابستيمولوجية المهيمنة أو كثقافة بإمكانها تحديد النماذج وأنساق التفكير.

 

 

 

 

سابعا: الفشل الدراسي

 

يمكننا ترتيب النظريات المفسرة للنجاح المدرسي، حسب محمد الشرقاوي، إلى مجموعتين؛ أولا، النظريات المحددة للفشل، ومن أبرز ممثليهابرنشتاين و بورديو وهيمان وأوكهوم ، حيث يميزون العوامل المتعلقة بماضي الشخص وثقافته، ومن جانب ثان نجد النظريات التي يمكن وصفها باشتراكية أو الفردية الجديدة ، المطورة أساسا من قبل الاقتصاديين الكلاسيكيين الجدد وبعض المدارس السوسيولوجية كمدرسة بودون. ترتكز هذه النظريات على المتغيرات المرتبطة بالمستقبل، وبالمشاريع الاجتماعية والمدرسية، إضافة إلى قدرة الاشخاص على اتخاذ القرارات المنطقية.

 يأخذ برنشتاين مأخذ الجد الرسالة التي تقول أن هناك موافقة بين طرق التعبير المعرفية والبنيات، فينطلق من الخلاصة التي تفضي إليها أعداد كبيرة من الأبحاث التي من خلالها نلاحظ أن المستوى اللغوي مستقل عن الجهد العقلي المقاس بالاختبارات عند الأطفال المنحدرين من الطبقة العاملة.و في رأيه فإن الفرق يكمن تقريبا في وجود لغتين كل واحدة خاصة بشريحة واحدة صريحة مستعملة من طرف الأشخاص المنتمين إليها. فلغة الطبقة البورجوازية غنية بالأوصاف الشخصية والفردية، وشكلها يتضمن مجموعة من العمليات المنطقية المتطورة. غنية بأسلوبها ووسائل تفسيرية أخرى غير شفاهية حتى وإن كانت مهمة فهي تأخذ مكانة ثانوية في هذه اللغة. واللغة الثانية هي اللغة العامية الخاصة بالأفراد المنتمين للطبقة العاملة حيث اللهجة تشتمل على ألفاظ انفعالية و تستعمل الترميز بشكل واضح ، وهي وصفية ملموسة حيث طبيعتها تؤول إلى تحديد التعبير الشفاهي وتقليصه بما أن هذا الأخير يعبر عنه بوسائل غير شفاهية: حركات، تعبيرات جسدية ، اختلافات وتغييرات في نبرات صوتية،و باختصار ما يسميه برنشتاين الترميز التعبيري.

في اللغة الأولى تشرح الكلمة النوايا، وتسهل قنوات الحديث بين الحاضر والمستقبل. وفي اللغة الثانية اللهجة المستعملة تقمع كل وساطة تعبيرية.

يبين وصف لغوي شامل لهاتين اللغتين أنهما وظيفتي بنية اجتماعية؛ فاللغة الثانية مفتقرة لنعوت غالبا غير مكتملة محدودة جدا في بنائها الصرفي والنحوي. فجمل اللغة العامية لا تمكن من التعبير و تواصل الأفكار، وهي بذلك تختلف عن جمل اللغة الصريحة التي تسمح تركيبتها الصرفية والنحوية من ترجمة الأفكار.

يتضح إذن أن اللغة الصريحة واللغة العامية تؤديان إلى أنواع مختلفة من السلوكات اتجاه التعليم والتمدرس المتركز بالأساس على التعلم، و التمكن من اللغة المعرفية، وأيضا ملاحظة قواعد السلوك.

واضح إذن أن احتمال ظهور حالات نزاع وخصام كبيرة بين التلاميذ المنحذرين من الطبقة العاملة والمعلم الذي له مراجع ثقافية مخالفة لأن الطفل المنتمي للطبقة العاملة لا يعرف ولا يمكنه استعمال إلا اللغة العامية.

يوجد استنتاج تصل إليه جميع الدراسات وهو أن النجاح المدرسي مرتبط جدا بالأصل الاجتماعي للتلاميذ، ومهما تكن مؤشرات المتغيرين المستعملين فعندما يرتفع المستوى الاجتماعي للعائلة ترتفع نسبة النجاح عند الأطفال أيضا.

 وعلى العموم نقيس الأصل الاجتماعي بمهنة الأب، وبالمستوى الثقافي أو الشهادة التي نربطها بالمردودية. وبالنسبة للنجاح المدرسي يمكننا قياسه بالمعدلات في الامتحانات المدرسية، وبالمرور من قسم إلى آخر، وكذا السرعة التي يجتاز بها التلميذ الدورات المدرسية أو عدد المرات التي يكرر فيها السنة الدراسية خلال تمدرسه.

نعتبر الجدول التالي الذي يبين توزيع النجاح المدرسي حسب الأصل الاجتماعي في انجلترا، وهو مأخوذ عن تحقيق دولي مقام في 1964 – 1965 في 12 بلدا.

النجاح المدرسي حسب الطبقة الاجتماعية

المهمة الحرة

الأطر العليا

الأطر الصغرى

المستخدمين

الطبقة العاملة

47,34

47,19

43,79

45,01

34,19

 

نلاحظ أن نسبة النجاح المدرسي الأكثر ارتفاعا تكون عند أبناء الأطر العليا والمهن الحرة، أما النسبة الأكثر انخفاضا تكون عند أبناء الطبقة العاملة. يجب فهم معنى هذه المعطيات جيدا وتسجيل أن الأمر يتعلق دائما بنجاح متوسط في طبقة اجتماعية معينة. وفي المتوسط يحظى أبناء الطبقة الأولى بنجاح أكثر من الطبقة الأخرى، وفي الباقي من أبناء العمال حصلوا على نقطة أحسن من عدد كبير من التلاميذ النابعين من الطبقة الأولى.

منهجيا رغم أن الفرد يشكل وحدة الملاحظة فإننا نفكر دائما في مجموعات أو جماعات محددة حسب الطبقة السوسيو مهنية للأب كما في الحالة الراهنة، أو حسب متغيرات أخرى اجتماعية مثل المستوى الثقافي للعائلة وحجمها ومقر سكنها.

 وبعد القيام بهذا التحقيق يجب التأكد من أن الأصل الاجتماعي هو الذي يحدد مستوى النجاح أو الرسوب المدرسي، بعبارة أخرى علاقة التبعية البينية.

ويمكن أن تفسر العلاقة بين الطبقة الاجتماعية والنجاح بوجود علاقة اخرى بين كل من المتغيرين وتغير ثالث لم نأخذه بعين الاعتبار، نفترض ان الانتماء لطبقة معينة والنجاح ناتجة عن الوراثة في هذه الحالة نقول ان الأفراد الأكثر ذكاء ينتمون للطبقات البرجوازية وابناءهم لهم نسبة نجاح مرتفعة بفضل الوراثة الجينية.

ويميل مؤلفنا إلى القول بأن المغيرات المدرسية حاسمة أكثر من المتغيرات الاجتماعية.

يرى محمد الشرقاوي أن الانتقاء المدرسي يفيد الأطفال المنحدرين من أوساط اجتماعية متواضعة أكثر من غيرهم، والولوج إلى المسالك ونوع المؤسسات الأكثر تشريفا يخضع لانتقاء مدرسي قاس. وتتم هذه التصفية تبعا للنجاح المدرسي المسبق للتلميذ ولبعض المتغيرات المدرسية الخارجية كالأصل الاجتماعي. و بعد الانتقاء المدرسي يأتي الانتقاء الذاتي بفرضية التأثير على إمكانية رؤية ميكانيزمات الانتفاء. كلما كانت الشبكات المدرسية شفافة، وكلما كانت معايير انتفاء النظام جلية (واضحة)، إلا وكان التلاميذ المنحدرين من الطبقات الاجتماعية المحرومة مستفيدين من النظام المدرسي.

يعني الباحث بالانتقاء الذاتي النتيجة المحصلة من القرارات المتخذة من طرف التلميذ أو عائلته التي ترتكز على معايير أخرى تختلف عن معيار مستوى النجاح التي تقود التلميذ، إما إلى خارج المنظومة التعليمية بصفة نهائية أو التخلي على مسلك مشرف والالتزام بمسلك غير مرغوب فيه.

إذا عرفنا الانتقاء الذاتي بالارتكاز على قاعدة مستوى النجاح المدرسي، سنسجل أن:

1)                  الأطفال المنحدرين من الطبقات الاجتماعية المحرومة، قليلا ما يتوجهون إلى المسالك المشرفة مثل أطفال الطبقات المحظوظة.

2)                  أطفال الطبقات المحرومة يغادرون المدرسة مبكرا مقارنة بالطبقات المحظوظة.

نستخلص مما سبق أنه ينبغي تعويض المتغير "قسم" بعوامل أخرى اجتماعية او مدرسية:

-                      في ظل مستوى نجاح متعادل ونظام عائلي مثماتل بعض التلاميذ المنتمين لمسلك مدرسي (شعبة) واحد، لا يلتحقون دائما بالتعليم العالي مثل البعض الآخر.

-                      في مستوى مدرسي معين تكون نسبة الالتحاق بالثانوي منخفضة عندما يرتفع السن.

-                      تنخفض هده النسبة عندما يتدهور المستوى المدرسي. 

لنأخذ الآن الانتماء الاجتماعي بعين الاعتباروسنلاحظ:

-                      نلاحظ على انه في نفس مستوى النجاح والسن فإن تلاميذ الأوساط  المحرومة ذات حظوظ الالتحاق بالثانوية اقل من تلاميذ الأوساط الاجتماعية المحظوظة، فابن عامل مصنف كتلميذ ممتاز أو حسن حسب المعايير المدرسية، بالرغم من صغر سنه، أقل حظا للالتحاق بالثانوي بثلاث مرات من التلميذ المتوفر على نفس المواصفات وهو ابن او بنت إطار عال.

       توجد نظريتان تحاولان تفسير الانتقاء الذاتي؛ حسب الأولى التي تقوم على المعطى اللاشعوري للرسوب المستقبلي. ويعتبر بيير بورديو ممثلهما الرئيسي: أتقبل الرسوب أو الطرد المدرسي لأنني اعتقد مسبقا وبدون شعور العقوبات التي تخصصها المدرسة لي ولأمثالي. كيف يتم هذا الاعتقاد المسبق اللاشعوري؟ في البداية استبطن البنيات الموضوعية التي تصير مظهرا لطبقتي، وفي وقت آخر أجسد (أظهر) ما أفعله. في هذه الحالة لا أقوم سوى بإعادة ما ترسخ في ذهني، أجيب تقريبا بصفة آلية وبكل فرح على الأسئلة المطروحة علي من الواقع المعيش حسب قواعد السلوك التي تعلمتها.

والنظرية الثانية تظهر ميكانيزمات القرار العقلاني أثناء الأشغال في سيرورة الانتقاء الذاتي: أقر بطريقة منطقية حسب العناصر التي أتوفر عليها بحظوظ مسايرة الدروس والنجاح فيها، لا حاجة لنظرية "اللاشعور ولا " استبطان البنيات"هنا، ولا بجواب آلي على ما أستبطنه. إذا كان الإرث الثقافي يؤثر على القدر المدرسي للفرد في بداية الدراسة، فهو بالعكس يلعب دورا أقل أهمية فيما بعد. فقرار متابعة الدراسة أو مغادرتها (تركها) أو اختيار مسلك مشرف مرتبط بحساب يأخذ بعين الاعتبار المخاطر والتكاليف والأرباح ...إلخ. 

 

ثامنا: إعادة الإنتاج

 

تقسم المدرسة التلاميذ بواسطة نظام للمكافآت مثل النقط والجوائز التي تعد عاملا لتحفيز التلاميذ على مواصلة التعليم، إلا أن نظام التقويم هذا يكرس النجاح المدرسي بدل تكريس المكانة أو المستحقات الأخلاقية. وللأسف لم يعط دوركايم أهمية كبرى لهذه الوظيفة لأنها حسب قوله لا تحتل مكانة أساسية في التربية الأخلاقية.

سيستعيد وولر هذه الدراسات ويعيد صياغتها انطلاقا من وجهة النظر التي همشها دوركهايم. فإذا كان دوركهايم يركز على النظام الأخلاقي أكثر فوولر من جهته يعطي الأولوية لنقل المعرفة ولنتائجها على نوع التأثير الاجتماعي المتبادل داخل القسم.

وعلى العموم فالأستاذ لكونه مسؤولا على ضبط المعارف من التلاميذ فالمؤسسة المدرسية تحول له سلطة إدارية، لكن تحفيز التلاميذ يتطلب علاقات حميمية وروابط عاطفية خارجة عن العلاقات التي تفرضها الوظيفة البيروقراطية.

يميز Woller يميز بنوعين من السلطة : القيادة الشخصية والقيادة المؤسساتية

فالأولى: تحدد خصائص الأفراد ونظام التأثير المتبادل الاجتماعي

الثانية: يكون الأفراد مجبورين على التكيف مع النظام القائم وتذكر شكلا متطرفا من الزعامة الشخصية ويتمثل في العلاقة بين زعيم جماعة دينية معنية وتابعيه. هذه التأثيرات غير متوقعة بالنسبة لزعماء هذه الجماعات.وعلى العكس من ذلك في الزعامة المؤسساتية يجد الزعيم الوضعية معدة له مسبقا.

إن الزعامة المؤسساتية تطمع لإيجاد تمويه واضح للحدودية لأنه يوجد دائما ميل لتجاوز الحدود من طرف التأثير المتبادل الإنساني.

أما الزعامة الشخصية وبتغييرها الدائم للقياسات تجد مكانها (أي كلما حاول الزعيم أن يتصف بما تمليه عليه الجماعة سيجد مكانه أكثر).

على الأستاذ من خلال متصبه أن يفرض احتراما للقواعد المؤسساتية ولكن في بعض الأحيان يترك التلاميذ يحرفون النظام القائم بصفة استثنائية.

 

تاسعا: تكافؤ الفرص

 

إن مشكلة تكافؤ الفرص التعليمية تنزوي تحت المساواة لا غير، وأمام التفاوت الكبير بين الأفراد فإن السياسات الاجتماعية تكون حلا يتمثل في حبك المقررات وإعادة التوزيع والدعم.

ومن بين الوسائل المستعملة لمحاربة اللامساواة، فقد حظيت السياسات التربوية بالإهتمام الذي تمليه القدرات العمومية.

وإن تغيير تركيب المجتمع بواسطة المدرسة ليس بفكرة حديثة بل يرجع هذا إلى القرن السادس عشر في الوقت الذي كان فيه الصراع بين المحافظين والمجددين.

إن فكرة اتخاذ التربية كسلاح ضد الفقر وليدة عهد جديد وهي تعتمد على اقتراحين سنقوم بتحليلهما في هذا النص.

حسب الاقتراح الأول فإن التربية تكون في الوقت نفسه وسيلة اندماج وتحريك المجتمع.

وحسب الثاني فإن هذه التربية منبع تشريع المجتمع والميز وغاية التغيير والتحويل تقتضي الميز التربوي وتنشيط العملية الحركية

 

I – أبعاد فكرة مساواة الفرص التعليمية:

 

كانت المساواة ولاتزال قائمة في مجتمعات عدة وهي وليدة الإرث عن الأسلاف، وتجد هذه دعامة في النجاح التجاري للشخص وهنا تتشخص قاعدة وقيمة آدام سميت وأتباعه.

إذا كان العمل منبع القيمة فإن  من يعمل أكثر يعني وهذا بالتالي تطبيق لقاعدة "لعملين متساويين أجرتان متساويتان"

ورغم أن المساواة قد أسسها الاستحقاق ووجوب وجود بداية متساوية للجميع، فإنه يبقى يساير اللامساواة.

وفي حركة منتجين خصوصيين بدون مأجور وبدون ممتلك خصوصي لأرض يقومها الزمن المستعرض في الإنتاج وفيما بعد فإن النجاح التجاري سيعوض بقيمة قارية.

لقد كانت التربية حتى القرن 19 تستخدم وبتدقيق التشريع المجتمعي إذ كانت المدارس الخصوصية مخصصة للطبقات العليا ومن جهة أخرى فإن المدارس العمومية الممولة من طرف الدولة فقد كانت للطبقات العمومية.

ويعيش الكثير من بلدان العالم الثالث تحولا بأسباب مماثلة وهنا فإن مساهمة أي الفرص التعليمية.

الحظوظ الدراسية لا معنى لها، إلا في المجتمعات التي تقرب الصناعة والطلب الجماعي لمدرسة فريدة للجميع يشكل مشكلة مساواة الحظوظ وهذا يعني:

 - 1تربية مجانية وعمومية إلى حد أدنى

 - 2توزيع نفس المعرفة على الجميع

 - 3المساواة في المكتسبات الدراسية ومدرسين يتمتعون بنفس التكوين

 - 4تركيب جماعي سكني دراسي واحد (موحد) ويجب على المدرسة ألا تكون وسطا للميز

 - 5مساواة في التأثير المدرسي أي أن مساواة حظوظ النجاح في المدرسة يتمثل بها التلاميذ في أصول اجتماعية مختلفة.

وتعتمد كل من هذه المتطلبات على قانون أو قاعدة، فإن كانت المجانية لا تأخذ بعين الاعتبار المراحل التجارية لعدم المساواة فإن واجب التربية أو الدراسة لا يميل إلى حد الصفر أو العدم بالنسبة لجميع الأسر.

وفي الواقع على الطفل أن يشكل عضو للقوة العملية ومنبعا لمرد ودية الأسرة، ومزاولة المدرسة من طرف الطفل ينقص من ربح الأسرة، ومشكلة المساواة في الحظوظ لا تضع نفسها في جميع الميادين الاجتماعية وليس للمساواة الحق في الوجود حيث يطبق قانون موروث عن أب وحين تكون الأسرة هي التي كيفت أدوارا معنية للأطفال وحضرتهم لتلقى حياة عملية وكلفتهم أدوارا معنية.

ففي البلدان الإغريقية بروما وفي المجتمعات الصناعية التي تعهد تربية الطفل خصيصا للأسرة التي هي الوحدة والقاعدة المنتجة.

الكلام عن مساواة الحظوظ بين الأطفال ذوي مصير مقرر مسبقا لا معنى لهن وهذا ليس بالنسبة لتسيير مجتمعي لا تكون فيه الأسر مقرا للإنتاج التجاري.

إذ تصبح هذه غير قادرة على منح الطفل مقرا عملي الشيء الذي يدفع به إلى حد البحث عن منبع للتحصيل واعتمادا على هذه الحركة الإلزامية فإنه ليس للتعليم المهني إمكانية الموجود كما كان فيما سبق في وسط الأسرة فيصبح التعليم إذا مسؤولية الجماعة ويأتي إما من مشغل أو من منظمة أخرى وبالأخص الدولة.

 

 

هنا أحد الأسباب التي يدعيها المتغيرون الاجتماعيون في القرن 19 والتي نجد فيها نقد المقرر لكوطا دومارسك، هذا النداء للتربية ذو طبقات متعددة مجتمعية تختلف عن الطبقات البرجوازية المنبثقة عن تربية أطفال في مدارس قروية وفي غالب الأحيان تسيرها الكنيسة وهذا نفسه كانت تعيشه دول غربية منذ نصف قرن خلا والشيء نفسه يوجد في دول متعددة من العالم الثالث.

إن التوزيع المطابق للمعرفة بالنسبة للجميع يخلق مشاكل أكثر تعقيدا.

في هذا بغض النظر عن بدائية الحساب والقراءة والتخطيط فإنه يصبح من الصعب إنشاء برنامج دراسي صالح للجميع وعلاوة على مستوى التحكم في المدركات التي تختلف حسب المجتمعات والعصور فإن إعداد مقرر دراسي جماعي لا يعرقل مستقبل التلميذ أي الحفاظ على كل الحظوظ المخولة للالتحاق بالجامعة، لكن تبقى هنا في مأزق وهو: اقتراح مقرر موحد للجميع يعود بالخير و لا شك على صنف من التلاميذ إما إنشاء مقررات دراسية مختلفة (كله سيكتبه –عصرية-تقنية-صناعية) يؤدي لا محالة إلى الامساواة.

تسعى هذه الدراسة إلى الإجابة عن سؤال أساسي ألا وهو تقسيم الاختلاف الذي يطبع نسبة النجاح المدرسي للتلاميذ الذين يترددون على أنواع مختلفة من المدارس، ونعني بذلك التفاوت البيني للمدارس.

يسمح تحليل نتائج الاختيارات بتقييم التفاوت البيني للمدارس بدقة نسبية ، تتراوح نسبة التفاوت الإجمالي ما بين 5 إلى 35% حسب الجماعات العرقية والمستويات الدراسية ويعني هذا أنه مهما كانت طبيعة المصدر فإن التباينات بين الأفراد ضمن كل مدرسة في جميع المستويات  الدراسية ولدى كل الجماعات الاثنية والاجتماعية.

 

 

 

بصيغة أخرى لا يمكن أن نفسر الجزء الأكبر من هذا التباين في عملية النجاح بالاختلافات المرتبطة بالفوارق بين المدارس لأنها تحصل ضمن كل مدرسة. يشير هذا الطرح الأول إلى أنه رغم التنوع الكبير للمعدات المدرسية والمناهج واختلاف الهيئات التعليمية أو رغم وجود شرائح متنوعة للتلاميذ ضمن مختلف المدارس فإن أكثر من 70% من التباعد الحاصل في نسبة النجاح لكل جماعة تفسر الخصائص الكامنة في التلاميذ أنفسهم.

ويخرج كولمان وآل بخلاصة معقولة كون " مدارسنا تتصف بقدر كبير من التشابه، اعتبارا للتأثير الذي تمارسه على العملية التعليمية تدع المعطيات إلى الاعتقاد بأن تباين أصناف المدارس ليس مرتبطا ارتباطا متينا بالتباينات الخاصة بالنجاح المدرسي للتلاميذ" ويضيفان بأن "المعطيات الحالية تزودنا بالأسباب التي تجعل الأقليات التي تبدأ تمدرسها بنقص تعليمي تعاني عبر مسارها الدراسي الإثني عشر: إن المدرسة تبدو عاجزة للإرث الأسري، وهذا أمر صحيح سواء داخل كل جماعة عرقية أو بين مختلف الجماعات"

ولنتأمل حاليا التأثير الذي تمارسه العوامل المحددة للنجاح (النفقات، مميزات الهيئات التعليمية إلخ.) وأخيرا الخصائص المميزة لهيئة التلاميذ، بادء ذي بدإ فيما يخص الجماعات العرقية المختلفة فإن الفرق الإجمالي بين المدارس وضمن كل مدرسة والذي تفسره المميزات العائلية تتراوح بين 30% و 50% من إجمالي البون المتعلق بالنجاح المدرسي ، ثانيا تفسر الأبعاد المتعلقة بالمحيط العائلي والتي تقاس بثمانية مؤشرات مختلفة ما بين 10 و 25% من تفاوت نجاح الأفراد فيما بين المدارس. هناك نتيجة ثالثة لا تقل أهمية تشير إلى أن الارتباط بين النجاح المدرسي والحالة الموضوعية للبيت العائلي تدعم إلى حد كبير الأطروحة القائلة بأن تأثير العائلة على الطفل يصل أوجه خلال المراحل الأولى بحيث أن الاختلافات في النجاح تتضاءل بعد المراحل البدائية للتمدرس.

لا يختلف اثنان في أن الجزء الجديد والأهم في هذه الدراسة التي قام بها كولمان يتعلق بمجموعة من الأطروحات المرتبطة بتأثيرات التركيبة الاجتماعية للمحيط المدرسي على عملية النجاح وطموحات التلاميذ.

يخرج المؤلفين عبر سلسلة من المقارنات المرتبطة بالتأثير الذي تمارسه المتغيرات المدرسية (المعدات ، المتغيرات المرتبطة بهيئة التدريس، والمحيط الذي يتألف منه التلاميذ) بطرح أساسي يشير إلى "أن الصفات المميزة للتلاميذ الآخرين تفسر التفاوت المرتبطة بنجاح التلاميذ الذين ينتمون إلى الأقليات أكثر من أي صفة ملتصقة بالمعدات المدرسية وبشكل أقل الهيئة التعليمية" .

انطلاقا من هذه المعاينة العامة يحدد المؤلفان الصفات المميزة المحيط المدرسي و يؤكدون أولا على علاقة الارتباط القوية بين مجموعتين من المتغيرات المتعلقة بهذا المحيط: الإرث الثقافي الذي يتألف منه التلاميذ والذي يقاس بنسبة التلاميذ التي أكدت توفرها على موسوعة ، ومستوى طموحه بشأن حياتهم المدرسية والذي يقاس بنسبة التلاميذ الذين  عقدوا العزم على ولوج المستوى الجماعي. لأسباب بديهية تتعلق بطبيعة التاسع والثاني عشر في المستوى الدراسي الثاني عشر نجد أن الإرث الثقافي وطموح التلاميذ مرتبطتين أشد الارتباط بالنجاح إذا كانت العلاقة بين النجاح والإرث في مستوى التاسع مشابهة تقريبا بما تمت ملاحظته في مستوى الثاني عشر فإن مستوى طموح التلاميذ في مستوى التاسع يبدو على العكس من ذلك أقل ارتباطا بالنجاح .

وهكذا تبرز صفة مميزة جديدة في المحيط الدراسي تأثر تأثيرا كبيرا على درجة النجاح ألا وهي التركيبة العرقية لهذا المحيط. إن فحصا للعلاقة بين هذين المتغيرين يوضح أن التركيبة العرقية للمحيط المدرسي تكشف بشكل كبير الفرق الذي تفسره العوامل المدرسية ماعدا هذا الأمر لا يبقى من مؤشرات التركيبة الاجتماعية إلا القليل الذي يحمل تأثيرا على عملية النجاح ويلاحظ أنه كلما ارتفعت نسبة الطلبة البيض ترتفع نسبة النجاح بين تلاميذ كل مجموعة عرقية.

وأخيرا تؤدي الدراسة المفصلة لعلاقة الارتباط بين صفات الهيئة التعليمية والنجاح المدرسي إلى نتيجتين أساسيتين . تشير النتيجة الأولى إلى تأثير المتغيرات الأولى على النجاح المدرسي للتلاميذ ينموا بالاطراد من مستوى الدراسي إلى آخر في بعض الحالات تتضاعف قوة الارتباط بين متغيرات المستقلة والمتغير الذاتي إلى 10 مرات . ترتبط النتيجة الثانية بالعلاقة التي تجمع بين تأثير هذه الصفات عن النجاح ، وحساسية بعض فئات التلاميذ تجاه المحيط المدرسي. وهكذا يمكننا أن نجزم بأن نجاح التلاميذ السود جنوب و.م.أ أثرت فيهم صفات الهيئة التعليمية أكثر ما أثرت في التلاميذ السود في الشمال أو التلاميذ البيض. في هذا الإطار يعلق كل من كولمان وآل بقولهما "إن لهذه النتيجة أهمية قسوى لأنها تشير إلى أن المدرسين الأكفاء لهم القدرة على تقديم عون أكبر للتلاميذ اللذين ينتمون إلى أقليات تعاني من ضعف تعليمي كما تشير إلى أنه مهما كانت الفئة التي ينتمي إليها التلاميذ فإن للمدرسين الأكفاء تأثير أكثر على نجاح التلميذ القادم من محيط معوز ثقافيا.

إن عرض النتائج الأساسية للدراسة لا يمكن أن يكون كاملا دون فحص للمجموعة الأخيرة من المتغيرات القادرة على تحديد النجاح المدرسي ونعني بذلك مجموعة التمثلات التي يحملها التلاميذ عن أنفسهم. وقد تمت دراسة ثلاثة أوجه من التعبير عن الدوافع المرتبطة بالمتغير الذاتي؟ يتعلق التعبير الأول بالاهتمام الذي يوليه التلميذ للمدرسة، بينما يرتبط الثاني بالصورة التي يحملها التلميذ نفسه، أما التعبير الثالث فهو ما يطلق عليه المؤلفين (حس إدارة المحيط) أي الاعتقاد بإمكانية تغيير المحيط بالعمل المناسب. يؤكد مؤلفي هذه الدراسة بشدة على الأهمية القسوى لهذه المتغيرات و يصرحان بأنه " من بين كل المتغيرات التي تم فحصها بهذه الدراسة، بما في ذلك كل الأمور المرتبطة بالإرث العائلي وكل المتغيرات المدرسية تظل هذه المواقف الأشد ارتباطا بين أي متغيرات أخرى بل إن متانتها في بعض الحالات تضاهي العلاقات بين النتائج المسجلة .

سوف لن نشير إلى كل التحاليل الثانوية التي ساندت بشكل جزئي أو كلي هذه النتائج على غرار مساهمات الخبير النفسي الأمريكي جينكس ومدرسة هارفارد والتي نشرت في كتابين كان أهمها وأكثرها إثارة للجدل l'inégalité (عدم المساواة) والذي أصبح في متناول الجمهور الفرانكفوني بفضل ترجمة هذا العمل حديثا .

III – هل هناك تزايد ، تراجع أو استقرار في عدم تكافؤ فرص التمدرس؟

الإجابة على هذا السؤال ليست بالشيء السهل ، لكننا نتصور حصول ذلك بعد تمكننا من التوفر على معطيات إحصائية طويلة ممتدة لعدة عقود ومصاحبة بعدة ملاحظات ، هذه الإحصائيات يمكن أن تمثل معدلات التمدرس، معدلات البقاء داخل النظام الدراسي حسب الفئات الاجتماعية ، أو التردد على مختلف الشعب المدرسي أو الجامعية ، حسب الجنس، المناطق والوسط الاجتماعي.

معدل التمدرس       =    عدد الأطفال المتمدرسين المنتمين لنفس الفئة  X 100

لفئة اجتماعية معينة       العدد الإجمالي للأطفال المنتمين لنفس الفئة

                               الاجتماعية

 

 

 

 

 

 

 

 

 

لتفسير ذلك ، نعتبر مثالا لمعدل التمدرس حسب الفئات الاجتماعية في صفوف أطفال لا تتعدى أعمارهم 16 سنة.

 

1954

1962

1968

1975

1982

أرباب عمل

30

45

51,7

65

93,9

أطر عليا

59,3

87

90

92

99

مزارعين

7,5

22,5

38,3

56

98

عمال

16,3

26,3

35,40

45

95,7

معدل التمدرس حسب الفئات الاجتماعية

في سن 16 سنة

 

نلاحظ انطلاقا من الجدول:

1- يعرف معدل التمدرس ارتفاعا عند آل الفئات الاجتماعية ، مما يعني أن مدة الحياة للشباب داخل النظام الدراسي لا تعرف توقفا، وهي ظاهرة تترجم قوة عالم التربية

2 تفصل بين السنوات التي قررت فيها الإحصاءات حقيبة زمنية تتراوح بين 6 أو 8 سنوات.

3 – نسجل أن تطور معدلات التمدرس بتغيير حسب السنوات و الفئات الاجتماعية.

4- التطور الأكثر سرعة حصل بين السنتين 1954 و 1962

5- نجد أن معدل التمدرس لجميع الأطفال تقترب من العتبة 100% في سنة 1982.

 - 6 نلاحظ أخيرا أن اقتراب معدلات التمدرس لجميع الأطفال إلى عتبة التشبع 100% (حيث أن جميع الأطفال القابلين للتمدرس تظهر في الحقيقة متمدرسين)

يوازي انخفاض في تسارع معدلات التمدرس يقترب من الصفر.

سيتم اختبار التطور لعدم تكافؤ الفرص بدراسة المدخل إلى التعليم العالي، من السهل جدا البرهنة على كون أن الحد من عدم تكافؤ الفرص كان حاضرا، لكنه كان مرتبطا إيجابيا وبقوة بمستوى الدراسة، حيث نجد أنه كلما تسلقنا تراتبية الدراسات كلما كان عدم تكافؤ الفرص قويا.

سنفحص فيما يلي الجدول التالي الذي حصلنا عليه بعد اختزال عدد الطلبة إلى ألف رجل نشيط تتراوح أعماره بين 45

و 54 سنة .

مدخل إلى التعليم العالي في فرنسا حسب الفئات الاجتماعية من 1959 إلى 1978

 

1959

1960

1964

1965

1978

1979

أساتذة التعليم الثانوي والتعليم العالي

785,6

1207,9

1318,60

عمال

6,3

28,50

71,50

 

 

 

 

 

 

 

ثلاثة اقتراحات على الأقل يمكن طرحها:

أولا : عدم تكافؤ الفرص حاضر بقوة في المستويات العليا والعكس صحيح

ثانيا: إذا تم قياس عدم التكافؤ بتقرير الأعداد في سنتين، سنثبت أن عدم التكافؤ بدأ ينخفض تدريجيا. لكل ألف أب أستاذ نجد  785,6 طالب في سنة 1960 و 1318,60 في سنة  1979 ولكل ألف أب مهنته عامل سنجد 6,3 طالب في سنة 1960 و 71,50 بالنسبة لسنة 1960 . الأطفال الذين ينحدرون من الفئة الأولى يحضون ب 125 مرة أكثر من فرص الدخول للجامعات من أطفال العمال ، وبالنسبة لسنة 1979 سيتقلص العدد 125 إلى 18 فقط، رغم أن عدم تكافؤ الفرص يتجه نحو التراجع إلا أنه يضل قوي جدا .

ثالثا: لم يتطور الدخول إلى الجامعة بنفس الشكل بالنسبة لجميع الفئات الاجتماعية.

من أجل تقدير تطور عدم تكافؤ الفرص الجامعي ومقارنة هذا الجدول لصالح من المناسب أن لا ننسى  أن بعض الفئات الاجتماعية تعرف تراجع ديموغرافي قوي وهو حال المزارعين الحرفيين التقليديين والتجار وأخيرا العمال على عكس ذلك تعرف الفئات الأخرى نشاطا سكانيا يرتفع بحساسية مفرطة.

 

 

 

 

Posté par quissa à 02:28 - - Commentaires [0] - Permalien [#]



تعريف التربية على المواطنة/ejabat.google.com

الأول : المواطنة في اللغة والاصطلاح

قبل البحث في المواطنة في الإسلام ، لا بد من تحديد مفهومها لغة واصطلاحا ، وذلك في المطلبين الآتيين ، نتعرض في المطلب الأول للمواطنة في اللغة ، وفي المطلب الثاني للمواطنة في الاصطلاح.

المطلب الأول : المواطنة في اللغة

يعود أصل كلمة المواطنة ومدلولها إلى عهد الحضارة اليونانية القديمة ، والكلمة من ( Polis ) وكانت تعني المدينة باعتبارها بناء حقوقيا ومشاركة في شؤون المدينة .

كما تستعمل كلمة المواطنة كترجمة لكلمة الفرنسية ( Citoyenneté ) ، وهي مشتقة من كلمة ( Cité ) .

وتقابلها باللغة الإنجليزية كلمة ( Citizenship ) المشتقة من كلمة ( City ) ، أي المدينة .

أما المواطنة بمعناها اللغوي العربي، فهي مشتقة من وطن ، وهو بحسب كتاب لسان العرب لابن منظور " الوطن هو المنزل الذي تقيم فيه ، وهو موطن الإنسان ومحله ... ووطن بالمكان واوطن أقام ، وأوطنه اتخذه وطنا ، والموطن ... ويسمى به المشهد من مشاهد الحرب وجمعه مواطن، وفي التنزيل العزيز ، لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ... واوطنت الأرض ووطنتها واستوطنتها أي اتخذتها وطنا، وتوطين النفس على الشيء كالتمهيد " أنظر ابن منظور " لسان العرب " دار صادر بيروت . 1968 ، المجلد 13 ص 451.

المطلب الثاني : المواطنة في الاصطلاح

المواطنة في الاصطلاح هي صفة المواطن الذي له حقوق وعليه واجبات تفرضها طبيعة انتمائه إلى وطن .

ومن هذه الحقوق على سبيل المثال لا الحصر : حق التعليم ، حق الرعاية الصحية ، حق الشغل ...

أما الواجبات ، فمنها على سبيل المثال لا الحصر كذلك : واجب الولاء للوطن والدفاع عنه ، وواجب أداء العمل، وإتقانه ... إلخ .

وبناء عليه فالمواطنة علاقة الفرد بدولته ، علاقة يحددها الدستور والقوانين المنبثقة عنه والتي تحمل وتضمن معنى المساواة بين من يسمون مواطنين .

وتحيل المواطنة باعتبارها مفهوم قانوني إلى شرطين :

1 – شرط الدولة الوطنية : وما يستتبع ذلك من إقامة مجتمع وطني يقوم على اختيار إرادة العيش المشترك بين أبنائه .

2 – شرط النظام الديمقراطي : ومتطلباته للتوازن بين الحقوق والواجبات ، بين الخاص والعام ، بين الخصوصيات والشمول .

وباختصار ، " فالمواطنة مفهوم تاريخي شامل ومعقد له أبعاد عديدة ومتنوعة منها ما هو مادي قانوني ، ومنها ما هو ثقافي سلوكي، ومنها أيضا ما هو وسيلة أو غاية يمكن بلوغه تدريجيا ، لذلك فإن نوعية المواطنة في دولة ما تتأثر بالنضج السياسي والرقي الحضاري" أنظر بهذا الشان بشير نافع ، سمير الشميري ، علي خليفة الكواري ( " المواطنة والديمقراطية في البلدان العربية " مركز دراسات الوحدة العربية بيروت 2001 ص 27 ) .

واضح إذن ، أن المواطنة ، خيار ديمقراطي اتخذته مجتمعات معينة ، عبر مراحل تاريخية طويلة نسبيا ، فهي كما قال المفكر المصري السيد ياسين : " ليست المواطنة جوهرا يعطي مرة واحدة وللأبد " انظر السيد ياسين " المواطنة في زمن العولمة " الدار المصرية للطباعة . القاهرة . السنة 2002 ص 22 .

هذا ، وبعدما تعرضنا للمواطنة في اللغة والاصطلاح سننتقل إلى المبحث الثاني المتعلق بالمواطنة بالمدينة المنورة.

المبحث الثاني : المواطنة كما عرفها مجتمع المدينة المنورة .

جاء في القرآن الكريم : " ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا " سورة الإسراء الآية 70 . وفي حديث رواه مسلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا " فلم يقل يعذب المسلمين بل عامة الناس ، مسلمين كانوا أم غير مسلمين ، من هنا يتضح أن الإسلام يحرم الاعتداء على الفرد الذي كرمه الله ، إذ الكرامة حق إلهي منحه الله للإنسان من حيث هو إنسان .

وهكذا ، فالمسلم المتشبع بقيم دينه وروح تعاليمه، لا يمكنه إلا أن يكون مواطنا مسؤولا ومتضامنا مع مواطنيه وغيورا على وطنه، فالإسلام يحض أفراده على الارتباط والولاء للأوطان ، فقد جاء في الحديث : " حب الأوطان من الإيمان " وقال الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه : " عمر الله البلاد بحب الأوطان " ، وقال الإمام علي كرم الله وجهه : " سعادة المرء أن يكون رزقه في بلده " .

واضح أن الإسلام ينص في أحكامه على المواطنة، لكن الحاقدين عليه، يذهبون في الاتجاه الذي يعتبرونه قائما على العقيدة والأخوة الدينية، وليس على المواطنة فهل هذا القول صحيح . للإجابة عن هذا السؤال سنقسم هذا المبحث إلى مطلبين، نتناول في المطلب الأول أحكام الصحيفة التي وضعها عليه السلام كدستور للمدينة ، وفي المطلب الثاني نتناول المواطنة في الإسلام مساواة في الحقوق والواجبات بغض النظر عن المعتقد.

المطلب الأول : صحيفة المدينة تأسيس وتأصيل للمواطنة في الإسلام.

قال ابن إسحاق : وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا بين المهاجرين والأنصار ، وادع فيه يهود وعاهدهم وأقرهم على دينهم واموالهم ، وشرط لهم واشترط عليهم، وتبتدأ الصحيفة بما يلي : " باسم الله الرحمان الرحيم ، هذا كتاب من محمد النبي صلى الله عليه وسلم ، بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم، فلحق بهم ، وجاهد معهم، أنهم أمة واحدة من دون الناس، المهاجرون من قريش على ربعتهم ( أي على أمرهم الذي كانوا عليه ) ، وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين ( عانيهم أي اسيرهم ) ...

وجاءت الصحيفة على ذكر أسماء كثير من القبائل كبني عوف وبني الحارث وبني جشم ، وبني النجار، وبني عمرو بن عوف ، وبني النبت ، وبني الأوس ... إلى أن أتت على ذكر اليهود ... وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ماداموا محاربين ، وأن يهود بني عوف أمة من المؤمنين ، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم ... وأن ليهود بني ساعدة مثل ما ليهود بني عوف، وليهود بني ثعلبة مثل ما ليهود بني عوف ... وأن جفنة بطن من ثعلب كأنفسهم ( جفنة هم عدد قليل من الناس ، ولكن عدهم الرسول صلى الله عليه وسلم وأعطاهم حقكم مع عددهم القليل ) ، وأن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة ... وأن يهود الأوس ومواليهم وأنفسهم على مثل ما لأهل هذه الصحيفة ..." .

يقول المـفكر الإسلامي المصري محمد سليم العوا بخصوص نص هذه الوثيقة : " كان أول لقاء بين الإسلام نظام للدولة وبين غير المسلمين – مواطنين في الدولة الإسلامية هو الذي حدث في المدينة المنورة غداة هجرة الرسول إليها ، هناك كتب النبي أو أمر بكتابة الصحفية التي يعرفها التاريخ الإسلامي السياسي باسم صحيفة المدينة ، أو دستور المدينة أو كتاب النبي إلى أهل المدينة ".( أنظر محمد سليم العوا " الأقباط والإسلام " دار شروق القاهرة .1987 ص 35 ) . ويضيف : " أن هذه الوثيقة تجعل غير المسلمين المقيمين في دولة المدينة مواطنين فيها، لهم من الحقوق مثل ما للمسلمين، وعليهم من الواجبات مثل ما على المسلمين إلا ما أستثني بنص أو إجماع وذلك مقتضى الشركة في الوطن الواحد " .

هذه الوثيقة لم يفرضها الرسول، صلى الله عليه وسلم وإنما جاء كثمرة لمشاورات مع المهاجرين والأنصار والجماعات اليهودية التي كان لها حضور في المدينة .

بنود هذه الوثيقة مبنية على أسس ثابتة وعلى قواعد شرعية ، فمن تلك القواعد الآية الكريمة : " لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين " . ســورة الممـتحنة الآية 8 .

الوثيقة أعطت حق المواطنة للمقيمين قي المدينة من مهاجرين وأنصار ويهود وغيرهم بصرف النظر عن العقيدة وجعلت غير المسلمين في دولة المدينة مواطنين فيها لهم من الحقوق مثل ما للمسلمين وعليهم من الواجبات ما على المسلمين طبقا للمبدأ الفقهي العام " لهم مالنا وعليهم ما علينا " إذ على أساس قاعدة المساواة في الحقوق والالتزامات بين اليهود والمسلمين والنصارى وغيرهم ، تشكل المجتمع الإسلامي، وهذا ما أسماه عياض بن عاشور " المجتمع السياسي في المفهوم الإسلامي يحتوي على الأمة المسلمة وغيرها من المجموعات غير المسلمة " ( أنظر عياض بن عاشور " التصورات الدستورية في الإسلام السني " مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء . 1999 ، ص 23 ).

هذا ، وبعدما تعرضنا لأحكام الصحيفة كأساس للمواطنة في المطلب الأول ، سنعرض في المطلب الثاني إلى أن أساس المواطنة في الإسلام المساواة في الحقوق والواجبات بصرف النظر عن المعتقد الديني.

المطلب الثاني : المواطنة في الإسلام مساواة في الحقوق والواجبات

يذهب البعض إلى القول أن الإسلام يقوم على الأخوة الدينية ، وبالتالي فلا مجال للحديث عن المواطنة، إن من نافلة القـول أن المواطنة ليست هي الأخوة الدينية : " المسلم أخو المسلم " ، كما جاء في حديث رواه البخاري، فالمسلم يرتبط مع أخيه بروابط فوق الزمان والمكان، وصحيح أن القرآن الكريم يحتوي على نصوص ترفع من شأن الأخوة الإيمانية : " إنما المؤمنون أخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم تفلحون " ( سورة الحجرات الآية 10 . ) .

وينهى القرآن الكريم عن موالاة غير المسلمين وغير المؤمنين . قال الله تعالى : " لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء، إلا أن تتقوا منهم ثقاة ، ويحذركم الله نفسه، وإلى الله المصــير" ( سورة آل عمران الآية 28 ) . كما قال تعالى : " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلـطان مبينا " سورة النساء الآية 144.

ولكن هذا كله لا يعني أن الأخوة الدينية تتناقض مع المواطنة الحديثة، وإنما الرابطة الدينية تعزز وتدعم المواطنة ، إذ لا شيء يمنع تعايش وارتباط المسلم مع غيره بميثاق المواطنة، وفيما يخص تفسير النهي الوارد في الآيات القرآنية، يذكر الشيخ محمد الغزالي رحمه الله ، إنما وردت جميعا في : " المعتدين على الإسلام والمحاربين لأهله أو المتربصين به " ( انظر بهذا الشأن محمد الغزالي . " التعصب والتسامح بين المسيحية والإسلام " . دار الكتب الحديثة . القاهررة ص 54 . 55 ) ، وأخذ بنفس التفسير المفكر الإسلامي محمد سليم العوا ، عندما قال : " غير المسلم الذي لا يحارب الإسلام قد تكون مودته واجبة وصلته فريضة دينية وذلك شأن الزوجة الكتابية وأهلها الذين هم أخوال أبناء المسلم وجده وجدته، وكلهم من الأرحام الذين صلتهم واجبة على المسلم " . وفي تفسيره لمعنى النهي عن الموالاة الواردة في الآيات السابق ذكرها يعتبر محمد سليم العوان : " أن الأصل هو المودة والبر، والاستثناء عندما تقوم دواعيه وأسبابه، أن يمتنع المسلم عن موالاة الكافرين أو مودتهم، إنصارا لدينه وانحيازا لأهل عقيدته " . ( أنظر محمد سليم العوا " الأقباط والإسلام " دار الشرق ، القاهرة ).

وعلى هذا الأساس، وانطلاقا من أحكام الصحيفة، جعلت كل الأفراد والجماعات التي اتخذت من المدينة وطنا ، المؤمنين واليهود والنصارى وغيرهم، مواطنين متساويين في الحقوق والواجبات بصرف النظر عن المعتقد الديني ، وهذا يعني بمفهوم المخالفة أن الإسلام لم يعتبر حينها شرطا في المواطنة ، فالأمة التي تقوم على عاتقها دولة الإسلام يجب أن تقوم على أساس المواطنة والمساواة في الحقوق والواجبات بصرف النظر عن المعتقد الديني، يقول الشيخ راشد الغنشوتي في هذا الشان : " إن مفهوم الأمة لا يجب أن يقوم على أساس العقيدة في دولة الإسلام بل على طبيعة أشمل يدخل ضمنه أصحاب العقائد الأخرى ليشكلوا مع بقية المؤمنين أمة سياسية واحدة يتمتعون بحقوق المواطنة التي تفرض عليهم واجبات مقابل تمتعهم بالحقوق " ( انظر راشد الغنوشي " الحريات العامة في الدولة الإسلامية " مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت 1999 ، ص : 49 . ).

الخلاصة :

1 – إن الإسلام كرم الإنسان وأعلا من شانه كمخلوق بغض النظر عن عقيدته، ويستمد الإنسان تكريمه بصفته مواطنا، لكن يجب الوضع في الاعتبار أن المواطنة في الإسلام مواطنة مسؤولة ، يقول في هذا الشأن الأكاديمي الغربي عباس الجراري : " المواطنة في الإسلام مواطنة شريفة ومسؤولة تستمد شرفها ومسؤوليتها من تكريم الله للإنسان " أنظر عباس الجراري " مفهوم التعايش في الإسلام " منشورات اسيسكو، الرباط . 1986 . ص 37 .

2 – يجب الأخذ في الاعتبار أنه لا تعارض بين الأخوة الدينية والمواطنة، يقول رفعة الطهطاوي بهذا الشأن : " جميع ما يجب على المؤمن لأخيه المؤمن يجب على أعضاء الوطن في حقوق بعضهم على بعض لما بينهم من الأخوة الوطنية فضلا عن الأخوة الدينية، فيجب أدبا لمن يجمعهم وطن واحد التعاون على تحسين الوطن وتكميل نظامه فيما يخص شرف الوطن وإعظامه وغناه وثروته " . انظر رفاعة الطهطاوي " مناهج الألباب " المجلس الأعلى للثقافة ، القاهرة . 2002 ص 18 .

3 – ضرورة الوضع في الاعتبار، أن المواطنة قبل أن تكون حقوقا فهي واجبات، يقول كذلك رفعة الطهطاوي في هذا الشأن : " فصفة الوطنية لا تستدعي فقط أن يطلب الإنسان حقوقه الواجبة له على الوطن، بل يجب عليه أيضا أن يؤدي الحقوق التي للوطن عليه، فإذا لم يوف أحد أبناء الوطن بحقوق وطنه ضاعت حقوقه المدنية التي يستحقها على وطنه " . انظر رفاعة الطهطاوي " المرشد الأمين للبنات والبنين " المجلس الأعلى للثقافة القاهرة . 2002 . ص : 95 .

4 – ضرورة الوضع في الاعتبار أن : " المواطنة المؤمنة " كما يسميها المفكر الإسلامي طارق رمضان، تفرض على الفرد المؤمن المخلص لتعاليم الدين أن يكون ملتزما بقوانين وطنه الأساسية، وأن ينبذ العنف بكل أشكاله . فأخلاقيات المواطنة بحسبه ، تتنافى وكل مظاهر العنف . ومن واجبات المواطنة الانخراط والمشاركة السياسية الإيجابية . وفي هذا الصدد يؤكد طارق رمضان على ثلاثة معايير موضوعية وضرورية للمشاركة السياسية في انتخاب واختيار المرشحين وهي - الاستقامة والكفاءة وإرادة تسديد الخدمة .

Voir TARIQ RAMADAN « Les musulmans d'occident et l'avenir de l'islam" Edition SINDIBAD . Paris . 2003 . P. 287 .

- 5 - ونؤكد في الأخير على ضرورة إعتزاز المسلم بانتمائه لوطنه لأن ذلك من صميم الإسلام، ومتى ما تمكنت المواطنة من المواطن ، انتخب مواطنا صالحا، يقول رفعة الطهطاوي في كتابه الشهير : " مناهج الألباب " المجلس الأعلى للثقافة . القاهرة 2002 ، ص 18 " فحب الأوطان الحقيقي والغيرة عليها متى حلت ببدن الإنسان ظهرت الحمية الوطنية وولعت بمنافع المدينة ، فيحصل لهذا الوطن من التمدن الحقيقي، المعنوي والمادي، كمال الأمنية فيقدح زناد الكد والكدح والنهضة بالحركة والنقلة " والإقدام على ركوب الأخطار ..."

 

Posté par quissa à 02:03 - - Commentaires [0] - Permalien [#]

تعريف التاريخ

 

التاريخ اصطلاحا : جملة الأحوال والأحداث التي يمر بها كائن ما، على الفرد أوالمجتمع ,كما يصدق على الظواهر الطبيعية والإنسانية.[1]

المنظور الحضاري في التدوين التاريخي عند العرب يقول محيي الدين محمد بن سليمان الكافيجي (788-879هـ-"وأما علم التاريخ فهو علم يبحث فيه عن الزمان وأحواله، وعن أحوال ما يتعلق به من حيث تعيين ذلك وتوقيته".ويذهب سيد قطب إلى أن التاريخ في المكان والزمان [2] من الملك والدول، ومراتبها، وما ينتحله البشر بأعمالهم ومساعيهم من الكسب والمعاش، والعلم والصنائع، وسائر ما يحدث في ذلك العمران بطبيعة الأحوال.[3] المنظور الشخصي للتاريخ ميلاد الشخص إلى وفاته

 

و مرت كلمة التاريخ بتطورات عديدة في الثقافة العربية، فقد بدأت بمعنى التقويم والتوقيت في صدر الإسلام، واحتفظت بهذا المعنى لفترة، ثم صارت بمعنى آخر وهو تسجيل الأحداث على أساس الزمن، لتحل كلمة "التاريخ" تدريجيا محل ما كان. يعرف باسم "الخبر"، وصارت تطلق على عملية التدوين التاريخي، وعلى حفظ الأخبار، بشكل متسلسل، متصل الزمن والموضوع، للدلالة على هذا النوع الجديد من التطور في الخبر والعملية الإخبارية، منذ منتصف القرن الثاني الهجري. وأصبحت كلمة "تاريخ"، تحمل خمسة معاني في العربية.‏

  • سير الزمن والأحداث، أي التطور التاريخي، كالتاريخ الإسلامي، وتاريخ اليونان.والتاريخ السوماري بالعراق. إلخ.. The History of.
  • تاريخ الرجال أو السير الشخصية..The Biography.
  • عملية التدوين التاريخي، أو التاريخ، مع وصف لعملية التطور وتحليله وتقابل : Historiography.
  • علم التاريخ والمعرفة به، وكتب التاريخ، ويقابل :History.
  • تحديد زمن الواقعة أو الحادثة، باليوم والشهر والسنة :Date.

والكافيجي يعرفه بأنه : "هو تعيين الوقت لينسب إليه زمان مطلقا، سواء كان قد مضى أو كان حاضرا أو سيأتي.."، ثم يعطي الكافيجي بعدا حضاريا للتاريخ ضمن استطراده لتعريف التاريخ، فيقول : "وقيل: التاريخ تعريف الوقت" بإسناده إلى أول حدوث أمر شائع، كظهور ملة، أو وقوع حادثة هائلة، من طوفان أو زلزلة عظيمة".‏ ‎‎وإذا كان في تعريف الكافيجي شيء من البعد الاجتماعي (كظهور ملة)، فإن في تعريف السخاوي للتاريخ مسحة ثقافية واجتماعية واضحة، فهو يقول : "وفي الاصطلاح التعريف بالوقت الذي تضبط به الأحوال، من مولد الرواة والأئمة ووفاة وصحة، وعقل وبدن، ورحلة وحج، وحفظ وضبط، وتوثيق وتجريح، وما أشبه هذا مما مرجعه الفحص عن أحوالهم في ابتدائهم وحالهم واستقبالهم …).‏

واستعملت لفظة تاريخ في الاصطلاح على نحوين اثنين، فتارة تستعمل ويراد بها مضمون ومحتوى المادة التاريخية، وتارة أخرى تستعمل ويراد بها طريقة التعامل مع هذه المادة. وهذه الازدواجية في الاستعمال أدت إلى خلط في فهم معنى اللفظ، ويقول الدكتور قاسم عبده أن هناك تفريق شائع " بين كلمة التاريخ كتعبير دال على مسيرة الإنسان الحضارية على سطح كوكب الأرض منذ الأزل، وعبارة تدوين التاريخ كتعبير عن العملية الفكرية الإنشائية التي تحاول بإعادة تسجيل وبناء وتفسير الإنسان على   تفكيره

وكيبيديا

 

Posté par quissa à 01:42 - - Commentaires [0] - Permalien [#]

قراءة في كتاب /مفهوم التاريخ/2 عن موقع ameurgue 53.maktoobblog.com


2008/6/2

     أنواع الاسطوغرافيا:

       1- التاريخ بالخبر

الخبر هو الوصف الشفوي للواقعة. مادته هي الكلمة( اللفظة المسموعة) والكلمة شاهدة من بين الشواهد.

وبما أن التاريخ بالخبر هو تاريخ الأحداث المبني على المرويات المتوارثة شفويا عبر الأجيال, فهو أيضا تاريخ الإنسان الناطق الذي يخلف في كلامه شواهد كثيرة عن حياته.

كل المرويات مكونة من لهجة, ومفردات, وتراكيب, ودلالات. لذلك فهي لا تفهم إلا في نطاق اللغة. وكل لغة تدل على فكر وعقيدة وسلوك اجتماعي, فهي مستودع تجارب وماضي المجموعة الإنسانية الناطقة بها, وتفرض على من يستعملها مضامين كثيرة تحملها في تراكيبها وفي مفرداتها.وإذا لم تتعاكس-أي خلقها من جديد- فانه لا محالة ستعبر عن واقع اللغة, أي ما اختزن فيها من تجارب الماضي, لا عن واقع الحاضر. وانطلاقا من ذلك فلا انفصال بين المؤرخ واللغوي.

الشفوي متعلق بفترة معينة من الزمان(متغير تاريخي) وهي في ذات الوقت ظاهرة ملازمة للإنسان(ثابت انتربولوجي) وفي هذا السياق تعتمد اللغة أيضا لدى الانتربولوجي لأنها في نفس الوقت لغة عامة ثابتة وكلام خاص متطور.

في هذا التحليل يريد العروي اتباث تقاطع علوم اللغة والانتربولوجيا والتاريخ في مادة التاريخ بالخبر التي هي” الكلمة”, لكن الإشكال هو هل هذين العلمين مساعدين, أم موازيين أم منافسين للتاريخ؟ ثم أي دور للمؤرخ بخصوص هذه القضية؟

يرى المؤلف أن هذين العلمين انفصلا واستقلا عن التاريخ لما استبدلا علاقات التولد والاستتباع

( لدياكرونية) بعلاقات التلازم والتزامن( السنكرونية).والمؤرخ لا يمكنه الأخذ بنتائج تلك التخصصات ويبني عليها تفسيراته طالما أن نتائجها مرتبطة منهجيا بنفي التطور وإهمال كل اثر للزمان. فاللغة مثلا تحتفظ باثارالحدث التاريخي في بعض الحالات, لكن اللغوي لا يدرك البعد الزماني. كما أن الانتربولوجي يهمل حقيقة الواقع ولا يهتم إلا بالقالب الشكلي. وقد يستفيد المؤرخ من هذه العلوم ولكن في حدود ضيقة وبحذر شديد بعد أن يجري على المرويات الشفوية عمليات تمحيص حسب قواعد تعنى بالشهادة التي هي في الأصل دائما شفوية ومؤقتة للوصول إلى حكم ترجيحي حول مادية الحدث ونسق آثارها, متخذا منحى الكشف عن بداية التنظيمات والتشكيلات لدى المجتمعات اللغوية- الثقافية- دون توظيف نتائج التخصصات السابقة, لان منطقها مبني أصلا على اختزال الزمن.

ü    -2 التاريخ بالعهد: هو التاريخ المكتوب عادة   بالوثائق المحفوظة, مادته شهادات ووثائق بالمعنى الدقيق - القانوني- دون غيرها, ودون الاعتماد على الرواية. والكتابة التاريخية اعتمادا على العهود هي عنوان الانتقال من العرف إلى عهد القانون المكتوب. إذ كلما اقترب سرد الحوادث من أسلوب العقود دل ذلك على وعي متقدم بالتاريخ.

ارتبط هذا النوع من التأليف التاريخي بالفكر العلمي الحديث. لذلك فهو نقدي ووضعاني- يؤسس أحكامه على الوثيقة الملموسة- وتاريخاني – لأنه لا يعترف بالعوامل المؤثرة في التاريخ إلا بما هو مسجل في الوثيقة- وهو أيضا تقني- لان كاتبه عادة ما يكون متخصصا ومدربا على استعمال الوثائق.

يتم التمييز في أنواع العهود بين الحرف ( الرمز المكتوب) والحامل ( كل ما هو مادي يدخل في جملة الآثار المادية) وكلما صعب حل الرمز المكتوب نشا تخصص, ويستعرض المؤلف مجموعة من التخصصات يعتبرها بمثابة علوم مساعدة للتاريخ. قسم منها تقليدي وهو في تزايد مستمر سواء على مستوى البحوث أو المناهج أو الحقب أو اللغات مثل: الابيغرافيا والباليوغرافيا والديبلوماسيات والنوميسماتيات والكريبتوغرافيا وعلوم الموازين والمكاييل. وقسم جديد له علاقة بالتطور الحضاري العام مثل: علم الربائد المتعلق بالمخطوطات والمرقونات والمطبوعات, وكل ما هو مسجل على الأشرطة. وهذه العلوم لا تدرج ضمن التاريخ بالعهد إلا إذا كانت شهادات مزامنة للحدث ودالة عليه وقابلة للتحويل الفوري إلى وثائق مكتوبة. والتاريخ بالعهد لا يكتب إلا بتوفر بعض الظروف:

-          اختراع الكتابة : نظرا للارتباط بينها وبين الازدهار المدني والتجاري والسياسي وما يتطلبه ذلك من استقرار وتمدن للمحافظة على العقود.

-          الاستمرار والاتصال: إذ استمرار الدول يغذي الرغبة في جمع المواثيق والعهود.

التعددية: إذ بقدر ما تتعدد السلطات وتتنوع بقدر ما تتعارض المصالح وتصبح الحاجة ماسة إلى معاهدات واتفاقيات تحفظ الحقوق.

-          التقدم في الميدان العلمي: ويتعلق الأمر هنا بتعبئة الوسائل المادية (آلات جمع ونسخ وحفظ وترميم العهود والمواثيق).

تجمعت هذه الظروف في القرن 19 وفي المجتمعات المتقدمة اقتصاديا وثقافيا حيث ترسخ هذا النوع من التأليف واكتشف المؤرخون قدسية الوثيقة المكتوبة بعد فحصها. ومن هنا جاء معنى النقد الذي يعني: الانتقاد/ التحقيق بالمعنى التقني وذلك بالعودة إلى اصل النص. والانتقاد/ التحقق بالمعنى الفكري أي الحذر الدائم إزاء الوثيقة. وهذا النقد بنوعيه( التقني والفكري ) وصل أوجه وتحررت قواعده خلال هذا القرن(19) ولدى المجتمعات لما نظمت مهنة المؤرخ داخل الجامعات.

كل تاريخ تتعذر كتابته بانعدام الوثائق المكتوبة هو تاريخ المؤسسات ( الدول الحروب السياسة…) أو حسب اصطلاح العروي مستوى الرجل السياسي أو الفعالية التنظيمية التي تخلف عن قصد وثائق مكتوبة بأشكال متنوعة وعلى مراحل مختلفة. وبما أنها مكتوبة ومقصودة فلا تسمح للباحث أن يذهب بعيدا في التأويل.

ü       -3 التاريخ بالتمثال:

التمثال هو كل شكل استعمل عبر التاريخ للتعبير عن أشياء واحياء تهم الإنسان. مادته هي التمثال وهو شاهدة تشكيلية: (عبارة فنية ومجازية).وتختلف هذه الأشكال كما تختلف الحوامل, والأهداف المتوخاة من رسمها. والأشكال قد تكون بادية ظاهرة( الصورة/الحرف) وقد تكون مضمرة خفية( الشكل المعبر/الرمز)

وليس ثمة فرق جوهري-يقول العروي- بين الوصف بالكلمات والوصف بالرسوم لتمثل أحوال الماضي. فكما يكتب التاريخ اعتمادا على المكتوب يكتب أيضا اعتمادا على أشكال وصور موجودة في نقوش أو في صور.

في هذا النوع من التاريخ يتعالى القارئ /الباحث عن الصورة إلى الشكل المعبر, ولحل رموز هذا الشكل من الشواهد نشأت تخصصات عديدة مثل: تاريخ الفن, والأيقونات, وعلم الخواتم والطوابع والتوقيعات, وعلم الرنوك, والتصوير الجوي, والمرئيات المعاصرة…

اثر هذا الاتجاه في الكتابة التاريخية في تطور التأليف التاريخي, كما أدى إلى اتساع مجال البحث وتجديد الأسلوب. لكنه فتح المجال أيضا لكل تأويل, وهو ما أوجب وضع قوانين احترازية لكيفية استعمال التماثيل والأشكال التعبيرية كشواهد على أحداث الماضي إلى جانب الوثائق المكتوبة. وتكمن هذه القوانين في تنظيم المتاحف بداية بالنقد والتحقيق من صحة واصل الحامل إلى عملية التصنيف, ثم الإلحاق بمجموعة. لان المؤرخ محتاج دائما عند تعامله مع التمثال إلى تزكية الخبر المروي والمكتوب لتفكيك اللغز المصور من دون تأويل. وذلك للفصل بين منهج تخيلات عهد التأويل الافتراضي – الفلسفي- ومنهج عهد التحليل الموضوعي- التاريخي.

      4- التاريخ بالأثر الطبيعي:

الأثر هو كل سرد يستند إلى كشوف الحفريات. مادته كل مخلف مادي ملموس. والأثريات ليست علما موحدا بقدر ما هي مجموع تخصصات, وتبقى الشاهدة في شكلها الظاهر وتكوينها المادي هي عماد الباحث.

لا يهتم هذا النوع من التاريخ بالشعوب الأمية أو تاريخ الإنسان قبل الكتابة فقط, إذ حيثما ينزل الإنسان يترك مخلفات مادية متنوعة. بعضها يدل على ذوق فني أو على شعور ديني, وبعضها الآخر يدل على نمط متميز في العيش. ولهذه الأسباب فالإنسان يترك رغما عنه آثارا دالة عليه وهي مقصودة سواء في القديم أو الحديث.

تحث تأثير تقدم علوم الطبيعة في القرن 18 وما تلاه من ثورات فكرية ومنهجية تغير مفهوم التاريخ الطبيعي ليتأكد أن تاريخ البشرية أطول بكثير مما يظن, وان للطبيعة أيضا تاريخ فتحول هذا النوع من التأليف من تصنيف وصفي إلى ترتيب تطوري. فتولد عن ذلك تغيير الاتجاه من البحث عن المكتوب والمروي إلى الحفر عن الآثار.

تشكل الأثريات حاليا الصق التخصصات التاريخية بالتطور العلمي حتى أنها تبدو كعلم مستقل- وليس مساعد- وأكثر موضوعية واقل تأثرا بالأهواء. وللأثريات طرق ترتكز على الطبيعيات والرياضيات تمكن الباحث الأثري من الاستعانة بها مثل: الحفريات بالمعنى الدقيق برا وبحرا, والتحليل الكيميائي والفيزيائي للقطع المكتشفة(عضوية أو معدنية), والترتيب والتصنيف الإحصائيين للمعلومات المستخرجة من الآثار.

توسع مفهوم الأثر المادي بعد أن أصبحت عملية الحفر ثقيلة, كما تضاعفت الكشوفات إلى أعداد خيالية. ورغم دقة المناهج وضخامة الوسائل المادية المستعملة في هذه الصناعة. اثبت النقد فجوة واضحة بين قوة الاستنتاجات التي لا تهم المؤرخ وضعف تلك التي تهمه والخاصة بالتنظيم الاجتماعي والعقائد والطقوس. أي بكل ما هو بشري.

ü       5- التاريخ بالعدد:

هو اتجاه في الكتابة التاريخية يعوض الأحكام الكيفية بأنساق من المعادلات. مادته هي العدد, والعدد ليس تقنية بقدر ما يتضمن فلسفة محددة عن التاريخ والحدث والعلة. وفي التاريخ بالعدد يتم التمييز بين:

-          التاريخ الكمي أو العددي أو الإحصائي وهو كل المؤلفات المكتوبة والمملوءة بالأرقام والمبيانات والجداول.

-          التاريخ الجدولي وهو كل أنواع الوثائق المستعملة, أي المادة التي تغذي الحاسوب.

نتج هذا الاتجاه من الدراسات التاريخية عن ثورتين: ارتبطت الأولى بعلم الاقتصاد وظهور ما يسمى بالتاريخ الاقتصادي الجديد الذي استعار منهجية الاقتصاد الكمي. وارتبطت الثانية بتطور العلوم الدقيقة وخاصة اختراع الحاسوب الالكتروني لاستغلال معلومات رقمية هائلة, وهذا ما يفسر ظهور هذا الاتجاه بالولايات المتحدة أولا حيث استندت الدراسات التاريخية على الاقتصاد والإحصاء( عصر الثورة الرأسمالية الديمقراطية) ومنها انتقلت ثورة الكم أو الرقم وتوظيفها في البحوث التاريخية إلى البلدان التي تملك وثائق رقمية كثيرة ومنسقة كانجلترا وفرنسا وايطاليا.

ثورة العدد هي في الواقع تتويج لتطور يعود إلى ما قبل القرن 18 حيث ارتكزت فيه الأبحاث التاريخية على دراسة القاعدة الإنتاجية. ويتتبع العروي رصدها من خلال 3 مراحل كبرى:

-     مرحلة ما قبل القرن 18 وتقسم بدورها إلى مرحلتين: الأولى لما تكونت الإمبراطوريات القديمة( الصين, مصر الفرعونية, روما, الخلافة الإسلامية) وقيامها بإصلاحات لأغراض جبائية.والثانية في المجتمعات الغربية بارتباط مع ثورة المعاملات التجارية ونشوء علم الاقتصاد بارتباط أيضا مع الميركنتيلية(الاهتمام بالمال) والفيزيوقراط(الاهتمام بالإنتاج الزراعي) حين حولت هذه المجتمعات الوثائق الإحصائية إلى جداول. ثم ارتباطا كذلك مع ظهور المادية الجدلية كمنهج ونظرية اقتصادية للتاريخ واكتساحها خلال القرن20 كل المجتمعات حتى تلك التي لا تملك وثائق مكتوبة.

-     مرحلة أواسط القرن 19 حيث ظهر تطور آخر في هذا النوع من التأليف حيث ارتكزت فيه البحوث على قواعد الاتفاق وقانون العشوائيات بارتباط مع علم الإحصاء الوصفي, وبدا من خلال هذه العلاقات أن الرياضيات الاحتمالية التي تدرس قواعد العلاقات العشوائية( الممكنة وليست الحتمية) ممكن سحبها على تقلبات الجماعات البشرية.

-     مرحلة بداية الثلاثينيات من القرن 20 وهي المرحلة التي تلت الأزمة الاقتصادية, حيث اندفع العديد من الباحثين إلى التنقيب في أخبار الماضي عن حالات مشابهة لهذه الأزمة التي بينت أن الكساد العام الناتج عن انهيار البورصة ليس من قبيل الأزمات العشرية, وفي هذا الإطار سيسطع نجم الانال وخاصة أبحاث سيميان ولابروس.

يهدف التاريخ بالعدد(خمسينيات القرن 20 في الو.م.ا) وتاريخ الإنتاج(ما قبل القرن18 إلى ثلاثينيات القرن 20) إلى نفس الغاية, كلاهما يستغل مفاهيم الاقتصاد ويوظف تقنيات الإحصاء. لكن الجديد في الأمر هو اختراع الحاسوب واستعماله في الدراسات التاريخية عن طريق إدخال العدد في ميادين غير الإنتاج المادي, وقدرته على استغلال وثائق لا تمس الإنتاج مباشرة. إذ لم يعد التعبير بالعدد يقتصر على الإنتاج, بل تعداه إلى مستوى المؤسسات والإبداع الفكري, وهذا ما تطلب توثيق جديد يعيد ترتيب وتنظيم الوثائق اعتمادا على تصنيف جدولي خاص بالمجتمعات الإحصائية /الرأسمالية التي ينطبق عليها ترتيب الوثائق الرقمية وفق 3 أنواع من الجداول:

-          جداول عددية بالمعنى الدقيق. حيث توجد في كنانيش التجار, دواوين الجند, إحصاء السكان…

-          جداول استبدالية حيث يستخرج جدول ثاني يصبح هو الوثيقة المعتمدة من جدول اصلي.

-     جداول مستنبطة وهي لا تمس الإنتاج أو الحياة الاجتماعية مباشرة بل يتم التوصل إلى العدد بعد عملية ترقيم, أي تحويل وصف مضمن في وثيقة إلى رقم (الكمكمة)- وهي تحويل الكيف إلى الكم بتعبير العروي – عند إدخال المعلومات إلى الحاسوب.

 

ü       6- التاريخ بالموروث:

الموروث هو آثار التحولات التي يحملها الفرد في جسمه وخارج وعيه وضد إرادته عبر الزمن, ورموز تنقلاته عبر المكان. وكما أن الماضي حاضر في الكلمة فهو أيضا حاضر في الجسم.ومادته هي الجينة

يعتمد هذا الاتجاه على المعطيات البيولوجية. ووثيقته هي دراسة الدم البشري وتحديد الفصائل الدموية حيث سهلت هذه الوثيقة معرفة الأصل البعيد للأفراد.

ظهر هذا الاتجاه في بداية القرن20 . وفي الستينيات بزغت دراسات تصنيفية إحصائية للدم ترتب عنها توزيع جغرافي يكشف عن ارتباط كل خلل في النظام البيولوجي(الأمراض, التغيرات الطارئة على الإنسان) بالبيئة الأصلية مما سهل استخراج معلومات من التحليل الدموي حول الأصل الجغرافي لمرض ما وتاريخ ظهوره اعتمادا ليس على نوعية الدم, بل على الخلل(المرض) الطارئ عليه. وهذا الخلل هو الوثيقة الدالة على الحدث التاريخي. وانطلاقا من ذلك أصبح البيولوجي يقدم أجوبة مقنعة على تساؤلات ومشكلات المؤرخ وخاصة تلك التي لا يمكن العثور عليها في بقية الشواهد.

الوثيقة البيولوجية ليست بالجديدة –يرى العروي- وان كانت منهجيا لا تزال تعد بالابتكار والتجديد. ويضيف:” فقبل أن يتم تصنيف الأفراد حسب الفصائل الدموية, فقد تم تصنيفهم في السابق وبنفس الطرق حسب قياسات الجماجم(علم السلالات) والجديد ظهر فقط في استبدال خاصية ظاهرة كانت تقاس فيزيائيا بأخرى أصبحت تحلل كيماويا”.وبتقدم العلوم وتطور صناعته, عثر على الجينة أواسط القرن 20 حيث أحدثت ثورة في ميدان البيولوجيا الجزيئية. فنتج عن هذا الاكتشاف أن ما كان افتراضيا في العلوم الطبيعية وفي تحليلات الدم أصبح برهانيا, ومن تم تحولت الطبيعيات الوصفية والتصنيفية إلى بيولوجيا حقيقية, وارتقت من مرحلة الوصف إلى مرحلة التحليل, ومن الافتراض إلى الاستقراء وهو طريق الموضوعية العلمية.

يتساءل العروي حول آفاق كل كتابة تاريخية تعتمد البيولوجيا أساسا علميا لها, وهل تستطيع البيولوجيا المعاصرة أن تستقل عن فكرة السلالية؟

يجيب الغروي بالقول أن السلالية نتجت عن السببية المطلقة(الحتمية) بينما انبنت البيولوجيا على الاحتمال والصدفة. لكن السلالية وان ظلت نظرية مقبولة طوال القرن19 إلى أن وظفت لسياسات عرقية عنصرية أفضت إلى نتائج كارثية. فتنكر لها العديد من الباحثين بدوافع أخلاقية وسياسية وليس بدوافع علمية. وبعد الحرب العالمية الثانية تنكر لها العلماء لكن لأسباب علمية. فليفي شتراوس مثلا لم ينف حقيقة السلالية كمفهوم ثقافي على الأقل, لكنه نفى التفاوت التام والدائم بين الجماعات البشرية.

ü       7- التاريخ بالحلم:

هو تحويل مصدر أو مادة تاريخية دالة على عمل تاريخي إلى حلم, وتأويله على ذلك الأساس. وهو أيضا كل حالة ترفع فيها قيود العقل سواء بالنوم أو التنويم. مادته هو اللاوعي.

ينطلق العروي في تحليله لهذا النوع من التأليف من السؤال الإشكالي التالي: هل نفسانية الأفراد هي التي تسبب الحدث التاريخي؟ أم الحدث التاريخي هو المتسبب في نفسانية الأفراد, ويترك بالتالي أثارا في نفوس الأجيال اللاحقة؟

يرى العروي أن هذا السؤال القديم عاد إلى أوربا أواسط القرن 19 ليطرح من جديد, لكن هذه المرة بصياغة فلسفية وتاريخية حول مدى تأثير تضخم المعرفة التاريخية سلبا على نفسانية الإنسان المعاصر. فهذا الفيلسوف “نيتشه” الذي يفسر أسباب اهتمام معاصريه المفرط بشؤون الماضي هو دليل واضح على الهروب من ضغط المجتمع رابطا نفسانية عصره بحقبة تدهور وانحطاط, وهي نفسانية قادرة على التأثير في مواقع التاريخ وفي تمثلها لأحداث الماضي, لذلك فهو يرى أن ليس هناك موضوعية في كتابة التاريخ.

أما المؤرخ “ج. بوركهارت” الذي يجسد في فكره نمط المؤرخ الأوربي فانه اثر دراسة فترات الضعف والانحلال, ولم يكتب عن عصر الازدهار لانه لم يكن – كما يقر بذلك- مؤهلا نفسانيا لذلك.

غير أن هذا القرن 19 وان كان عصر انحلال فلسفيا وتاريخيا فانه عرف تقدما كبيرا في علم النفس التجريبي وخاصة مع أبحاث ” كارل لامبرخت” الذي يرى بان حضارة أي عصر هي وليدة معطيات نفسانية, والتاريخ هو علم نفس تطبيقي, ومفهوم الثقافة هي كل ما وراء المعارف أي أنها حالة نفسية.

في هذا الجو من السجال سينشأ التحليل الفرويدي الذي ورث إشكالية التاريخ الثقافي ( بوركهارت) والثقافة كحالة نفسية( لامبرخت) ولعل اكبر دليل على ذلك هو استعماله اسم ” اوديب” للتعبير عن العقدة التي تتفجر في الهستيريا. يقول فرويد: إن اللاوعي الذي يتسبب في الانحرافات المرضية وفي ظهور أطوار غير عادية في الأفراد والجماعات هو الموروث, أي اثر الماضي المنقوش في الذاكرة والمرفوض من طرف العقل…”

يلجا المحلل النفساني- كالمؤرخ- إلى البحث عن مصدر خام يكون منه وثيقة, ويلجا إلى نفس المادة التي يستغلها المؤرخ أو الانتربولوجي أو اللغوي ( الطقوس, العادات, العقائد, الأساطير, الأعمال الفنية…) وهذا المصدر الخام لا يمثل شاهدة نفسية, إذ الشاهدة هي الوثيقة المستخرجة من المصدر في صورة أجوبة على أسئلة مضمنة في استمارة, لذلك تعد استمارة المحلل النفساني بمثابة إشكالية المؤرخ وذلك بالنبش عن منطق الرغبة وراء منطق الاقتصاد أو السياسة أو الفن…

يشكل منهج التحليل النفسي خطرا على مفهوم التاريخ باسم النفسوية, أي تحويل كل تعريف أو حركة أو عمل أو قول إلى سمة تشير إلى حالة نفسية. كما يستخف اللاوعي من الزمن ويتيه في خلط الأزمنة.

      8- التاريخ بالمفهوم:

هو أسلوب من أساليب الكتابة التاريخية ينعت بالفلسفة في الاسطوغرافيا. مادته هي المعنى المجسد في الواقعة المادية.

لا يختلف التاريخ بالمفهوم أو التاريخ الكامل عن فلسفة التاريخ ( فولتير) أو التاريخ الفلسفي (غيزو) فهي كلها عبارة عن تأملات حول الأحداث والوقائع. ورغم خصوصية أسلوب ومنطق فلسفة التاريخ فإنها تنتمي إلى التاريخ وليس إلى الفلسفة بمعناها التقني. كما لا يختلف هذا النوع من التأليف عن التأليف السابقة إلا بنسبة التجريد.

وعموما تنقسم مؤلفات فلسفة التاريخ إلى 3 أنواع:

-     يهدف الأول إلى الكشف عن منطق باطني يوحد أغراض الحوادث ويوجهها نحو غاية هي المثل الأعلى والمعيار الأصل.ومن أعلامه اوغستين, هيغل, ماركس, كونت.

-     يقارن الثاني بين الوقائع استنادا إلى مفهوم محوري يمثل قيمة( الدولة, الحرية, العدالة…) من ابرز ممثليه ماكيافيلي, فولتير, هيردر, غيزو…

-          يعتمد الثالث الاستقراء ويبحث عن المتواتر والدوري في أحوال الشعوب والأمم.ومن أعلامه توينبي, والفرد فيبر

أما سمته العامة فهو الكشف عن قوانين تنطبق على كل الأمم, ويروم تحرير تاريخ تام, متنوع الصور والأشكال, موحد الجوهر. هدفه توضيح وحدة المصير, إذ لا يكتب تواريخ أفراد بل تاريخ جماعة ( حضارة, امة, دولة, طبقة…) والجماعة لا تكون تاريخية إلا إذا تجسدت في فكرة (حرية, عقل…) فتكتسب تلك الفكرة صفة القيمة. أي المفهوم المجسد أو المضمن في الحدث. والذي يبدو وكأنه المحرك لكل تطور, ويسير على خط مصيري قد يكون صاعدا أو منحدرا أو دورانيا أو حلز

 

Posté par quissa

Posté par quissa à 01:35 - Commentaires [0] - Permalien [#]

adolf hitler


Hitler - Enfance - Vie - Mort

Posté par quissa à 01:08 - - Commentaires [0] - Permalien [#]


Insolite : il refuse d'arrêter un penalty !

Posté par quissa à 00:40 - - Commentaires [0] - Permalien [#]

vendredi 4 février 2011

الموقع في طور الإنجاز

basmala150
__

Posté par quissa à 21:30 - Commentaires [0] - Permalien [#]

dimanche 30 janvier 2011

توصية

لم يعد هناك مجال  للشك أو التردد في ظل سيطرة العالم الإفتراظي من أجل تحقيق التواصل أو التعارف، لذا يجب تعميق التجربة بكل المقاييس الضرورية.

Posté par quissa à 15:10 - Commentaires [0] - Permalien [#]